المجتمع البريطاني أمام امتحان الانهيار الأخلاقي: مجتمع جريح يبحث عن علاج

بقلم: عبد الحميد فطوش

تعيش بريطانيا هذه الأيام مرحلة ما بعد الصدمة بعد أحداث الأسبوع الماضي التي كادت تعصف بتلك الصورة الجميلة لعاصمة كانت لوقت قريب ملاذا آمنا لرؤوس الأموال والأعمال. ورغم أن الشرارة الأولى المفجرة لتلك الأحداث كانت مقتل شاب برصاصة أحد رجال الشرطة أثناء عملية توقيف ثم مطالبة عائلة القتيل وبعض من أصدقائه بمعرفة حقيقة ما جرى من خلال تجمع إحتجاجي أمام مقر شرطة توتنام شمالي لندن، إلا أن القراءة المتأنية لتطور تلك الأحداث، والتي توصف بأنها الأسوأ منذ ست وعشرين سنة، تؤكد على أن أزمة الثقة التي رسمت علاقة رجال جهاز الشرطة ببعض عرقيات المجتمع البريطاني مازالت متجذرة. وكون أن فئات كثيرة من مختلف الشرائح شاركت في تلك الأعمال المشينة، يدل على وجود أزمة حقيقية يعيشها الإنسان البريطاني، كان من أحد تجلياتها شباب هم مخرجات لأسرة مهزوزة ومدرسة مريضة، يروعون الناس في مساكنهم ومحلاتهم، غير مبالين بما يلحق بضحاياهم من دمار أو خراب. ولقد تميز تعامل الشرطة مع مثيري الشغب في بداية الأمر بالأرتباك، الأمر الذي أدى إلى إتساع رقعة مسرح الأحداث إلى أن تمكن هذا الجهاز من السيطرة على الوضع بعد نشره 16000 شرطي يجوبون الشوارع لاستعادة الأمن والسلم في نفوس المواطنين.

ومن المظاهر المضيئة التي رافقت تلك الأحداث صور التضامن والتكاتف التي عبرت عنها كثير من الجهات أفرادا ومؤسسات، حيث لم يكتفوا بتجريم أعمال النهب والحرق، بل سرعان ما تنادوا عبر وسائط التواصل الاجتماعي لتشكيل ما سمي بجيوش الكناسين من أجل تنظيف الشوارع وإرسال رسائل مفادها أنه إذا كان للتدمير جنود، فإن للبناء جنودا كذلك. وكغيرهم من المواطنين، إنخرط المسلمون في لجان أهلية محلية لحراسة المتاجر والأملاك العامة، مجسدين بذلك أروع صور المواطنة المسؤولة، وكمثال ناصع على ذلك ما حصل في مدينة بيرمينجهام من موقف الجالية المسلمة وعلى رأسها والد واحد من ثلاثة شبان قتلوا دهسا بسيارة عندما كانوا يحرسون مستودعا لأحدى الشركات العاملة في المنطقة. هذا ورغم الأسى والحزن الذي يغمر قلب أب مكلوم يفقد إبنه صاحب الواحد والعشرين ربيعا، إلا أنه تسامى على ذلك الشعور، وبروح مسؤولة تستمد قوتها من موروث ثقافي متأصل، يدعو للهدوء والوحدة وتغليب دعاوى السلم الأهلي على نوازع الانتقام والفوضى.

وفي رحلة البحث عن العلاج يجب على صانع القرار البريطاني-الآن وليس غدا- البحث عن الأسباب والمصوغات التي دفعت أولئك المشاغبين للتخريب وليس التركيز على شن الحرب الشاملة وسن القوانين الرادعة التي من شأنها معالجة الظاهرة الظرفية وإغفال الأسباب الحقيقية وراءها.وفي هذا السياق يمكن فتح نقاش وطني شامل ومعمق لاستقصاء كل العوامل التي يمكن أن تدفع بشرائح من المجتمع إلى الإحساس بالغبن وبالتالي التقوقع وفقدان الشعور بالمسؤولية والمواطنة.ويمكن بعد الأنتهاء من هذا النقاش الوطني الشامل وضع خارطة طريق لرسم معالم التصحيح والتقويم التي يجب أن تشمل أعضاء الطبقة السياسية وأفراد جهاز الشرطة إلى جانب البنوك ووسائل الأعلام.وبهذا يعطى جيل الشباب النماذج العملية ليقتدي بها في حياته اليومية. أما حكومة الائتلاف الحالية والتي وصف رئيسها ما حدث بالانهيار الخلقي، فهي مدعوة للتدبر في صور التضامن الأهلي والمواطنة المسؤولة التي رافقت الأحداث، وبالتالي مد جسور التعاون والمشاركة مع تلك الفعاليات من أجل ترسيخ قيم الأسرة المتماسكة التي تعمل جنبا إلى جنب مع مدرسة بناءة وأعلام هادف.هذا ويمكن الاستفادة من تجارب السويد، التي رغم لبراليتها، إلا أنها مازالت تتشبث بنظم الأسرة المستقرة وتقف موقفا حازما من تعاطي المخدرات. وفي الأخير وجب التأكيد على خطورة تلك المساعي التي تدعو إلى الأخذ ببعض الأساليب التي عرفت بها بعض الأنظمة القمعية من مراقبة الانترنت وحجب وسائط التواصل الاجتماعي.

عبد الحميد فطوش

oukbi@aol.com