'المجال' تطرح ملفات ساخنة

قراءة ومتابعة: د. محمد فلحي
راصد النشاط الثقافي والاكاديمي في ليبيا

تدخل تجربة مجلة "المجال" الجامعية للثقافة والعلوم، التي تصدر فصلية عن جامعة عمر المختار في الجماهيرية العربية الليبية، عامها الثالث، من خلال صدور العدد التاسع، حيث تثير المزيد من أصداء التقدير والثناء في الأوساط الأكاديمية والثقافية الليبية والعربية، من خلال حرصها على التميّز والجرأة في تناول الموضوعات العلمية والفكرية، فضلاً عن تطبيق التقاليد المهنية الصحفية الراقية، في الشكل والمضمون، من أجل تحقيق التواصل وفتح قنوات الحوار بين الجامعة والمجتمع.
في هذا العدد تطرح المجال ثلاثة ملفات ساخنة فضلاً عن باقة متنوعة من المقالات والحوارات والتحقيقات العلمية والثقافية، وفق رؤية أكاديمية رصينة، فقد تصدَّر المقعد الأمامي، في هذا العدد، الكاتب الليبي الكبير علي مصطفى المصراتي، من خلال شهادات في حياته وفكره وإبداعه الأدبي، ونماذج مختارة من الكتابات العربية التي تناولت تجربة المصراتي الغنية والمتنوعة، بأقلام كل من الكاتب العربي المصري أنيس منصور والكاتب التونسي أبو القاسم محمد كرو والكاتب والأستاذ الجامعي التونسي المولدي الأحمر والكاتب المصري أنور الجندي والشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين.
وفي ملف "مدارات" تطرح المجلة تساؤلاً محورياً حول من يكتب التاريخ ومن يقرأه؟..مؤكدة على ضرورة تطبيق المنهج العلمي في الكتابة التاريخية، وتنقية التاريخ من شوائب التحيز وعدم الدقة والخرافة، فالتاريخ لم يعد نوعاً من الأساطير والقصص والحكايات والأحداث الماضية، التي تُكتب من قبل الهواة غير المتخصصين، وتُقرأ من أجل التسلية وتمضية أوقات الفراغ..التاريخ اليوم علم وبحث ودراسة منهجية لمسيرة الشعوب وتراثها وإبداعها، وهو ثروة فكرية وطاقة هائلة تتوارثها الأجيال.. ومن حق الأجيال المعاصرة والمقبلة أن تقرأ تجربة الأجيال السابقة وتستفيد من معطياتها، وتستلهم الصور المشرقة فيها.
وفي هذا الصدد يكتب الأستاذ الدكتور محمد السنوسي بن عامر عن الحقيقة المطلوبة في كتابة التاريخ العربي، مؤكداً على أن التاريخ تكتبه الجماهير بحركتها وتضحياتها، مؤكداً على أن النظرية الجماهيرية تقول بأن التاريخ من صُنع الجماهير وهي التي تقوم بتطويع الأحداث وتسييرها لتحقيق مصالحها ورسم مستقبلها.
أما الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري فيتناول أبعاد الرؤية الصهيونية للتاريخ مشيراً إلى أن الصهاينة يتصورون أن بإمكانهم اجتياز الهوة التي تفصل بين رؤيتهم للتاريخ، من جهة، وبين الواقع التاريخي، من جهة أخرى.
وفي السياق ذاته يكتب الأستاذ الدكتور علي فهمي خشيم عن الكتابة التاريخية المشوَّهة وتغييب الهوية العروبية، موضحاً أن الدراسات الأوربية اعتمدت منهجية تاريخية محرّفة وتفسيراً مغلوطاً للأحداث والمكونات والتراث، ومؤكداً على ضرورة النظر إلى تاريخ كل قطر باعتباره جزءاً من كل، وليس وجدة قائمة بذاتها.
ويتساءل الدكتور عبد ربه سكران إبراهيم: التاريخ لمن يُكتب، ومن يكتبه؟.. موضحاً أن أهمية التاريخ تتمثل في توثيق الصلة بين الجيل المعاصر وبين الميراث الثقافي للأمة والإنسانية، بما فيها من المعرفة والفهم والمهارات والعلاقات التي تجعل من الإنسان فرداً إيجابياً في حياة قومه وعصره، وقوة في تيار التطور والتقدم.
ويؤكد الدكتور مفيد الزيدي أن عملية كتابة التاريخ، وبشكل خاص التاريخ الحديث والمعاصر، تواجه إشكالية متعدِّدة الجوانب، سواء كانت فكرية أو سياسية أو منهجية أو علمية، لا يمكن تجاهلها عند التصدي لمعالجة أية قضية معاصرة.
وتشير الدكتورة نداء مطشر صادق إلى العلاقة بين التاريخ والسياسة، من خلال الكشف عن الواقعية والاستقراء التاريخي عند "ابن ظفر الصقلي"، الذي يعد من أبرز الباحثين في فن السياسة على مستوى الفكر الإنساني.
ويتناول الدكتور محمد فلحي موضوع التاريخ من زاوية جديدة يسلط الضوء فيها على دور الوثيقة الإلكترونية في كتابة التاريخ، وضرورة استفادة المؤرخ من خزائن الأرشيف الإلكتروني، في ظل عصر المعلومات.
ويطرح الدكتور السيد رشدي محمد عدداً من الإشكاليات والآراء حول الكتابة التاريخية، ومن بينها كيفية الاستفادة من مصادر التاريخ القديم، والمواصفات المطلوبة في الباحث التاريخي.
ويتحدَّث الباحث جعفر حسن جاسم عن إعادة كتابة التاريخ بين الضرورات والممكنات، مؤكداً على أن الحرية وحدها قادرة على ضمان شفافية إعادة قراءة التاريخ.
في حين تكتب الباحثة آلاء عباس ياسر عن دور الاستشراق في دراسة التاريخ الإسلامي وكتابته من وجهة نظر غربية منحازة.
وفي تغطية تاريخية وعلمية وفلكية شاملة لظاهرة كسوف الشمس، تفتح "المجال" ملفاً متزامناً مع مرور الكسوف الكلي للشمس على مناطق واسعة في ليبيا، في يوم الأربعاء الموافق29/3/2006 حيث أصبحت ليبيا مقصداً للعلماء والباحثين والسوّاح الذين حضروا لمشاهدة هذه الظاهرة الفلكية المثيرة، بأوضح صورها، لأن ليبيا تعد أفضل منطقة لرصد الكسوف لسببين؛ الأول بقاء الكسوف الكلي أطول فترة زمنية في سماء ليبيا، والثاني: يتمثل في الظروف الجوية النقية التي تتميز بها الصحراء الليبية، خلال هذه الفترة، من الناحية المناخية، وذلك مقارنة مع الظروف الجوية المضطربة في المناطق الأخرى.
وفي هذا الصدد يؤكد الباحث محمد حامد صالح أن تاريخ أول تسجيل علمي للكسوف يعود إلى القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي عندما سجل البيروني أول تصوير للكسوفين القمري والشمسي "تحقيق ما للهند" رداً على مزاعم وخرافات علماء الهند حينذاك، الذين قالوا أن التنين يأكل قرص القمر، فذكر"إن كسوف القمر أي خسوفه إن هو إلاَّ دخوله في الظل، وكسوف الشمس إن هو إلاَّ ستر القمر للشمس عنا، ولهذا لا يكون بدو الكسوف في القمر من جانب المغرب، ولا في الشمس من جانب المشرق، وقد يمتد من الأرض ظل مستطيل كامتداد ظل الشجرة مثلاً، فإذا قل عرض القمر، وهو في البرج السابع من الشمس، ولم يكثر مقداره في شمال أو في جنوب، فإن القمر يأتيها من جهة المغرب فيسترها ستر قطعة السحاب، ويختلف مقدار الستر في البقاع، ولأن ساتر القمر عظيم، فإن ضوءه يضمحل عند انكساف نصفه، وساتر الشمس ليس بعظيم، ولذلك يكون قوي الشعاع مع الكسوف"
ويُعد الرصد العلمي للكسوف الشمسي أمراً ذا قيمة كبيرة، وخاصة عندما يمر مسار الكسوف على مناطق أرضية شاسعة، ويمكن لشبكة من المراصد الخاصة أن توفر بيانات كافية لإجراء تحليلات قد يقوم بها العلماء في شهور، وقد تحتوي هذه البيانات على معلومات عن كيفية تأثير التغييرات الدقيقة في الشمس على طقس الأرض، وكيف يمكن للعلماء تطوير توقعاتهم للانفجارات الشمسية، وهناك الكثير من الظواهر الفلكية التي يمكن دراستها أثناء الكسوف الكلي للشمس، ومن بينها حجم وتكوين الهالة الشمسية وانحناء الأشعة الضوئية التي تمر بالقرب من الشمس بسبب مجال الجاذبية.
وفي السياق ذاته يكتب المهندس عبد الدائم الكحيل مقالاً بعنوان "كسوف الشمس آية من آيات الله" مشيراً إلى أن ظاهرة الكسوف قد شغلت بال البشر في كل العصور، ونسجوا حولها الخرافات والأساطير، فكانت توحي لهم بالخوف أحياناً، وبموت العظماء أو ولادة ملك أحياناً أخرى، وغير ذلك من الأفكار التي كانوا يتخيلونها مثل وقوع كارثة طبيعية أو خسارة معركة، وعندما تقدم العلم وبدأ عصر الكشوفات الفلكية والبحث العلمي وجد العلماء تفسيراً لهذه الظاهرة، وأتضح أنها ظاهرة طبيعية تحدث نتيجة دوران القمر حول الأرض،ووقوع القمر بين الشمس والأرض مما يمنع رؤية الشمس، وتتكرر هذه الظاهرة باستمرار بقانون كوني رياضي محسوب ويمكن التنبؤ به مسبقاً.
وفي ظل عصر المعلومات والاتصال الثقافي والحوار بين الشعوب تأتي مبادرة جامعة تولوز الفرنسية للتعريف بالأدباء الليبيين وترجمة قصصهم وتدريسها للفرنسيين، حيث تسلط "المجال" الضوء على هذه المبادرة الثقافية والأكاديمية الراقية، التي تكمن قيمتها الحضارية في تعزيز العلاقة بين الشعبين الليبي والفرنسي، اللذين يلتقيان بضميرهما الثقافي وتراثهما الإنساني، ليس لتحقيق مصلحة سياسية بين البلدين فحسب، وإنما لتحقيق مشروعية العلاقة الثقافية بين التراث الشعبين، الذي من شأنه أن يعزز لغة الحوار بين الثقافات ويفتح آفاقاً جديدة في العلاقات بين الشعوب، وقد تضمنت هذه المبادرة ترجمة الأعمال القصصية لكل من الكتاب الليبيين سالم العبّار وعمر أبو القاسم الككلي وأحمد يوسف عقيلة، وإقامة مهرجان حول الأدب الليبي، حضرة عدد من الأدباء الليبيين والأساتذة من قسم اللغة الفرنسية بجامعة قاريونس، فضلاً عن مجموعة من الأدباء الفرنسيين واللبنانيين والتونسيين والمغاربة.
وتزخر أبواب الثقافة في "المجال" بالإبداعات والأصوات الثقافية، لعل من أبرزها رامز النويصري وخلود الفلاح وعبد الجواد عباس وإدريس بن الطيب وصالح عباس.
وفي المقالات الثقافية نقرأ للشاعر اللبناني شوقي بزيع حول الجذور والمنافي، في حين يتحدث الشاعر العراقي عدنان الصائغ عن الغموض في الشعر، ويتناول الدكتور محمد الشحومي مفهوم العقل والجمال الكلي، ويتساءل الدكتور إبراهيم مصطفى إبراهيم: هل هناك قصيدة نسوية حقاً؟.. وتعرض عناية جابر كتاب "تغذية الشمس" الذي يضم قصائد مختارة من الشعر الآسيوي ترجمها الشاعر اللبناني أحمد فرحات.
وفي حوار مع المخرج المسرحي الليبي عز الدين المهدي تحدث لنصيب الحرير عن نشأته الفنية وتجربته المسرحية ورؤيته للمسرح في ليبيا والوطن العربي، في حين يواصل ميكائيل الحبوني جولاته القلمية في تضاريس التراث وكنوزه، متحدثاً عن حوار الإنسان مع الطبيعة والكون وظواهر الأنواء والنجوم، ومن جانب آخر يطرح محمد غريب قضية المخطوطات العربية والتاريخ المفقود في إفريقيا، كما يطلُّ ناصر الدعيسي من زاوية "رؤية" وهو يتساءل: سقط سهواً..أم زلة لسان؟!
أما صفحات "نصف الكون" فهي واحة للحوار التربوي الناعم، وتضم موضوعات متنوعة من بينها عقدة أوديب ومرحلة الطفولة بقلم الدكتور إبراهيم المغازي، والقدرة على التركيز خلال القراءة للدكتور محمد المهدي، في حين تعلن هند البشير "وداعاً أيها الإحباط!".
وفي منتدى الانترنت يكتب المهندس حسين العبودي عن برامج الحاسوب لتخزين الأصوات الرقمية.
ويضم العدد الجديد من "المجال" متابعة لمناقشة أطروحة الباحث عبد الله مليطان حول تاريخ السبئية، فضلاً عن مستخلصات لأهم الإصدارات الجامعية والثقافية، والمحطة الأخيرة للكاتب سالم الهنداوي رئيس التحرير بعنوان "المتفرجون بلا أدوار..حتى المشهد الأخير". د. محمد فلحي