المجال الامني التركي: اعادة تقييم جيوبولتيكي

الارهاب يضرب قلب تركيا من جديد والخاسر دوما كما في كل الحالات المماثلة هم الابرياء. تزامن التفجير الذي استهدف مطار اتاتورك وتحولين مهمين في السياسة الخارجية التركية. الاول عودة تطبيع العلاقات مع اسرائيل والثاني النية بالقيام بذات الخطوة باتجاه مصر والعراق. كثير من الكتاب الاتراك حاولوا تجميل صورة التوجه الجديد لحزب العدالة والتنمية واصفين اياه بانه تعبير عن رؤية براغماتية صائبة، متناسين امرين مهمين في سياق التحليل كانا من اهم مدخلات هذا التحول الذي اضفي عليه بعد اخر عبر رسالة الاعتذار التركية لبوتين عن حادثة اسقاط الطائرة الروسية.

الامر الاول تمثل في التطورات العسكرية المتسارعة في حلب والرمادي والاستعدادات العالية لتحرير الموصل والرقة. والثاني الحركة التي قام بها حزب العمال الكردستاني عبر تدعيم علاقاته المباشرة مع بغداد والقاهرة، حتى بات الحديث واسعا عن بناء تحالف استراتيجي جديد مع مصر التي لها مع انقرة كثير من المواقف الشائكة بعد الاطاحة ببيدقها الاخواني في الحكم.

هذه التحولات ترافقت وتدهور داخلي مهم على اكثر من صعيد سياسيا، اقتصاديا وامنيا. وهو ما شكل علامة فارقة في التأكيد على فشل مشروع اردوغان – اوغلو في المنطقة عموما. لذا عبر بعض الكتاب في تركيا ذاتها عن هذا الاخفاق بالقول "بالتاكيد ان كل المشكلات التي حصلت في العلاقات التركية كانت نتاجا للسياسات والقرارات الخاطئة لرئيس الوزراء السابق وايضا للسلطة الحاكمة في البلد" وفقا للكاتب يوسف كانلي. في حين اكد رئيس الوزراء التركي الجديد بان بلاده تعيد تقييم سياساتها مع الاخرين، وذلك لكونها مصممة على زيادة عدد الدول الصديقة في الاقليم.

يبدو ان على الاتراك اليوم وبالذات في صفوف العدالة والتنمية ضرورة العمل على محاكمة الارث الثقافي والسياسي لتجربة السنوات الماضية التي انتجت كل هذا الخراب والدمار في الجوار التركي. السياسات التي انتجت التطرف وسهلت له المعابر ووفرت له الملاذات الامنة والرعاية الصحية، هي سياسات عدائية وادوات قذرة في ممارسة التأثير والنفوذ الذي كانت تسعى له بعض الدوائر والشخصيات المهيمنة على صناعة الصورة التركية في عيون الاخرين بهذه الطريقة التي لا يتمناه اي منصف لشعب حر مثل الشعب التركي.

لو كانت تلك التجربة ناجحة، لما كان هنالك ضرورة لتغيير مسارها او التنازل عن استحقاقاتها. وهو ما يحاول البعض اخفائه عبر ايجاد مسوغات غير مقبولة لتبريره وفقا لصيغ باتت توصد امامها كل ابواب العقل والعاطفة ايضا.

هنا نعيد التذكير بما قاله داود اوغلو عن المجال الامني التركي حينما كان رئيسا للوزراء حيث اكد من منظور جيوبولتيكي واسع بان المجال الامني لبلاده يتأثر بما يجري في سوريا والعراق تحديدا، متناسيا بان كل ما حصل هناك كان بفعل القفز اساسا على فكرة تصفير المشكلات التي روج لها حين كان يفكر بلغة اكاديمية بحتة في مجال السياسة. لذا جاءت رؤيته للمجال الامني متطابقة وفكرة انتاج المجال الحيوي التي تحدثت عنها أدبيات الجغرافيا السياسية للفكر النازي حيث كان يؤكد فيها على الاتي "ان المجال الامني التركي يبدأ من سوريا وينتهي بالسليمانية في كردستان العراق. وهذا المجال يبدأ تحديدا من اللاذقية ويمر بحلب، ومن الموصل ليصل الى السليمانية." وهو هنا ينصب بلاده راعيا رسميا للتحكم بمستقبل هذا النطاق الواسع والغني بموقعه الجغرافي وبموارده الاقتصادية وثرواته النفطية، متجاهلا اي حلول محلية يناضل مهندسوها من اجل تحقيقها عبر الحكومات الشرعية هناك لتامين هذه الجغرافيا من خطر داعش.

فشلت السياسات التي اتبعتها تركيا في هذا النطاق الذي تحول الى ارض رخوة سياسيا وامنيا، وذلك بعد ان جمحت الاحلام التركية باتجاه انتاج قوى جديدة كان يؤمل منها القيام بدور الوكيل الداخلي لتحقيق اهداف استراتيجية متنوعة لتحويل هذه المساحات الى مقاطعات ملحقة بتركيا الجديدة ذات الثوب العثماني التقليدي. هذا الفشل هو الذي قاد وسيقود مجددا الى الحاق الاذى بالشعب التركي بعد ان ارتدت كرة الارهاب الى ملعب اولئك الذين رموا بها الى ساحاتنا بهذه الطريقة الظالمة.

ما تقدم يوجب على تركيا اعادة تقييم سريعة لهذا المجال الذي لن يكون آمنا بدون شراكة وانفتاح حقيقي على دوله التي تقود عبر جيوشها الرسمية معارك شرسة ضد داعش. التحفظات التي تطرح حول القوى التي تحارب الارهاب بحجج واهية، هي اساليب بالية تعود لحقبة داوود اوغلو التي يجب على الاتراك مغادرتها. فلا مجال هنا لتركيا كي ترفض او تفرض اي قوة في الحرب على داعش. كان من الاجدر بالسياسة الخارجية التركية ان تفكر بالتطبيع الفوري والعاجل مع جوارها في سوريا والعراق ان كانت فعليا تبحث عن انطلاقة جديدة تعزز من خلالها انفتاحها على الاخرين بعيدا عن لغة المقايضات المكلفة مستقبليا.

لكي تتحقق هذه التحولات فان تركيا مطالبة بالكثير. غلق الحدود مع دول هذا المجال الامني. ايقاف حركة تدفق المقاتلين الاجانب. البحث في اتفاقيات امنية جديدة مع الدول المعنية. تبادل المعلومات الاستخبارية التي يمكن لها ان تجنب الاتراك كوارث كبيرة. تسليم المطلوبين للعدالة، والتوقف عن دعم المجموعات التي تعمل على تخريب العملية السياسية في دمشق وبغداد. في حينها فقط يمكن القول بان دعوة المهتمين بالشأن التركي من داخل تركيا وخارجها قد لاقت صداها في التأكيد على اتباع دبلوماسية تسهم في نشر السلام والاستقرار والعلاقات الحسنة، التي يمكن ان تشكل بالنهاية صيغة مناسبة لما يسمى بالسياسة الخارجية التركية الجديدة كما يصفها الكاتب التركي سيركان ديمرتاش.