المثقف في عالم متغير

بقلم: د. محمد سلامة
بداية الإشكالية الثقافية

يثير لفظ المثقف إشكاليات كثيرة من حيث بيان ماهيته حتى يتحدد بعدها الحديث عن تكوينه ثم قدرته على الوجود في العالم وفاعليته فيه تأثراً وتأثيراً خاصة في ظل عالم متسارع التغيرات، فلا تكاد سنوات قليلة تمر الا ويحدث جديد لدرجة إننا لم يعد بإمكاننا إذا نظرنا نظرة كولونيالية (كونية)، أن نقف عند عقد بعينه لنحدد جيلاً أدبياً أو جيلاً ثقافياً وربما كان هذا يحدث في ثقافتنا البطيئة نسبياً بمقارنتها بغيرها من الثقافات العالمية، ولندلك على صحة ذلك نأخذ مثالاً واضحا وهو "تكنولوجيا المعلومات" التي تتطور عاماً بعد عام، ونحن نتلقى هذه الثورة بهدوء شديد وبروح المستهلك لا الفاعل أو المنتج، وعليها تتطور صناعة الحاسوب بصورة سريعة ومذهلة، فما أنتج منها منذ عام يعد قاصراً بالقياس الى ما أنتج هذا العام.

تعريف الثقافة وبداية الإشكالية

ولكي نحدد (ما) هو المثقف بداية قبل أن نتحدث عن دوره أو وجوده في عالم متغير علينا أن ننظر في تعريف الثقافة الذي تعددت الإجتهادات في تحديده منذ أن طرحه عالم الأنثروبولوجيا سير إدوار تايلور (1832 – 1917) في كتابه الصادر في عام 1871 بعنوان "الثقافة البدائية" ويشير فيه إلى أن لفظ الثقافة يعني " الكيان المركب الذي ينتقل من جيل إلى جيل، ويتكون من المعرفة واللغة والمعتقدات والفنون والأخلاق والعادات والعرف والتقاليد والقانون ..الخ" (أوديسا التعددية الثقافية – ويل كيمليكاث، ت: إمام عبدالفتاح إمام خشبة).

وإذا نظرنا إلي هذا التعريف نجد أنفسنا أمام إشكالية كبيرة، فلو أخذ التعريف على علاته لعددنا كل الناس مثقفين، لأنه ما من احد إلا وهو مرتبط بأحد جوانب هذا التعريف بسبب وبالتالي تتوه المسألة والواقع أن هنالك جانبا صحيحا في هذا الأمر من حيث عمومية الثقافة، وهي بحسب التعريف السابق والتعريفات التي تلته فيما إذ إنها النتاج الطبيعي لكل العناصر التي شملها التعريف، وهي تشكل اتجاه الأمة نحو أيديولوجية معينة أو فكر محدد ليسود في تلك الفترة أو هذه، لعل التضاربات التي نشهدها الآن في أعقاب ثورة 25 يناير هي خير دليل على غياب الرؤية نتيجة انهيار وفساد النظام سياسياً واجتماعياً وفكرياً، ويؤدى غياب الرؤية إلي تنوع المشارب، ولكنها ظاهرة صحيحة يمكن أن تؤدي في النهائي إلى بلورة فكر محدد يسود.

ولكن التعريف يثير إشكالية أخري يمكن أن تنتج عن هذه العناصر، هذه الإشكالية تتمثل في تساؤل؛ هل نعني بالمثقف هنا المثقف الخاص الذي هو بالضرورة متولد عن المناخ الثقافي العام؟ وهذا يقودنا بالتالي إلى فكرة النخبة الثقافية التي تتبني فكراً معيناً وتنادي به بعد أن تلتزمه هي بنفسها وربما كان هذا المقصود بالعنوان أو المعني المتخفي وراءه.

وإذا كان في هذا الكلام جانب من الصحة، فإننا أمام تساؤل آخر، وهو تحديد رؤية المثقف، فهل يطلق على اتجاه فكري بعينه؟ بمعني هل يُقصر هذا الأمر علي الاتجاه العقلاني المنفتح على الثقافات الأجنبية؟ أو يمكن لأن يتسع ليشمل المفكرين ذوي التوجه الديني ولهم رؤيتهم الخاصة؟

ويقف المرء حائراً بين هذه التوجهات، لأن اختيار نوعية بعينها تعني إزاحة الآخر، مما يعني غياب الديمقراطية التي أهم سمة يجب أن يتسم بها المثقف أيا ما كان توجهه، بل إن التزامه بها هو الطريق الوحيد لنمو الثقافة، فهي لا تنمو إلا بتعدد الآراء ورقي الحوار بين التوجهات المختلفة، فلا يسعى اتجاه لفض هيمنته على الآخر وإلا انحسرت الثقافة في إطار ضيق، هو ما يؤدي إلى جمود المجتمع ثقافياً.

من هو المثقف؟

من كل ما سبق نستطيع أن نصل إلى الإشكالية الكبرى حتى نأخذ في الحديث عنها وهي ماهية المثقف، هل هو الأديب؟ إذا قصرناها على هذا المعنى أزحنا كثيراً من العلماء والمتخصصين في العلم الطبيعي، وإذا حددناها بالمفكر أو الناقد الأدبي فإن معنى هذا ان تنحصر المسألة في أشخاص بعينهم، وربما كان ينقصهم الكثير من المعرفة العلمية، والإحاطة بالتقاليد والأعراف الاجتماعية التي يسير عليها الناس، وبالعكس أيضاً لو قصرناها على علماء العلوم الطبيعية فإن هذا يعني تجاهل كثيرين يأخذون من الثقافة بطرف، وأظن أن بعضاً من هذه الانقسامات صحيح في مجتمعنا.

إذا لا بد من وضع إطار يحدد لنا ماهية المثقف حتى نتكلم عنه وعن دوره وموقفه إزاء هذا العالم المتغير، وأظن أن المثقف هو من يلم بطرف من كل عناصر التعارف السابق بالإضافة إلى تمتعه برؤية خاصة لما حوله يحاول أن ينظر من خلالها إلى كل محتويات المجتمع ويسعى جاهداً أن يكون له دور فيها، وقد طرح كمال مغيث عدة تعريفات للمثقف في بحثه الذي قدمه لمؤتمر أدباء مصر (2010) بعنوان "المثقف ومفهوم المثقف الآن" وكلها يؤيد ما ذهبنا إليه فمنها:

- المثقف هو الذي يضع نظرة شاملة لتغيير المجتمع.

- المثقف هو الذي يعمل لصالح القطاعات العريضة في المجتمع.

- المثقف يتميز بأن لديه القدرة على النقد الاجتماعي والعلمي.

ويرى جان بول سارتر أن المثقف إنسان يتدخل ويدس أنفه فيما لا يعنيه. أما العالم الإيطالي غرامشي فهو الرائد في هذا حيث يميز بين نوعين من المثقفين وهما المثقف العضوي، والمثقف التقليدي، ويعني بالمثقف العضوي هو المثقف الذي يعمل على إنجاح المشروع السياسي والمجتمعي الخاص بالكتلة التاريخية المشكلة من الفلاحين (الجنوب الإيطالي) والعمال (الشمال الإيطالي) وعني بالمثقف التقليدي المثقف الذي يوظف أدواته الثقافية للعمل علي استمرار هيمنة الكتلة التاريخية السائدة المشكلة الإقطاع والبرجوازية والفئة العليا الأكليروس (كتاب أبحاث المؤتمر ص 19-20)، ومن خلال الطرح السابق يتضح إذن أن المثقف هو شخص تجتمع لديه المعرفة والقدرة على تنمية هذه المعرفة من خلال الربط بين جوانبها المختلفة، والتماس ترابطها بتطورات المجتمع الذي ينتجها أو يعايشها، بل ويضيف إلى ذلك رؤية مستقبلية من خلال قراءته لمفردات الواقع الذي يعايشه، ولن يتحقق له ذلك إلا بإحاطته بما حوله من تجارب ويكون قادراً على الاستنباط منها ثم يطرح رؤيته لتغيير المجتمع.

دور المثقف

ويبين أيضاً مما سبق أن المثقف لا بد أن يكون له دور في مجتمعه، وبحسب رأي غرامشي الذي قسم المثقفين إلي نوعين: مثقف عضوي، ومثقف تقليدي، واختيار مصطلح عضوي للنوع الأول فيه ذكاء ودقة متناهية، لأنه يعبر عن اندماج كامل بالجماعة الثقافية بل والمجتمع كله، وكأنه جزء من بناء كامل، أو عضو في جسد متناغم ومتكامل ثم يعبر عن فاعليته وحيويته وإسهامه التام في حركة المجتمع ثقافياً وسياسياً والإ لا يكون عضواً فيه، وتفاعله يأتي من إحساسه بحاجته للكل وحاجة الكل إليه.

أما المثقف التقليدي فهو اكتسب ثقافته من تقاليد المجتمع ومكوناته لكنه في حالة انفصال عن المجتمع هو فقط متفاعل مع الطبقة الحاكمة يرسخ لأوضاعها وتقاليدها، لذلك يصبح دوره تكريسا باهتاً، وما أكثر هذه النوعية التي يندرج تحتها بالإضافة إلي من يكرسون للسلطة المثقفون الصامتون الذين يكتفون بما يقرأون وينتجون، ولكن إنتاجهم الثقافي تقليدي صامت يتركز على موضوعات تبعد كثيراً عن معاناة المجتمع.

ولكي يكون المثقف عضويا فاعلا وضع كمال مغيث شروطاً يتحدد بها المثقف الفاعل واستند في وضعها إلى استنتاجه والي ما جمعه من آراء علماء اجتماع آخرين كثفها في ثمانية شروط وأنا أظنها خصائص فارقة أكثر منها شروطاً لسبب بسيط وهو أننا لا نضع هذه الشروط مسبقا ثم نصنع منها مثقفاً بل يوجد المثقف أولا ثم نستنتج خصائصه من خلال الدور الذي يؤديه وهذه الخصائص تتمثل فيما يلي:

1- أن يكون على قدر من التعليم يؤهله للتواصل مع مسيرة العلم والثقافة وإمكانية إنتاج المنجر الثقافي (وأعلق على هذا بأن هذا لا يعني بالضرورة حصوله على مؤهل علمي عال، بل يعني أن يكون متعلماً بالدرجة التي تمكنه من القراءة والمتابعة للمستجدات العلمية والثقافية، وكم خرج مثقفون كان لهم دور بارز في الحركة العلمية والثقافية دون استكمال تعليمهم المنتظم وليكن (عباس محمود العقاد مثالاً بارزاً على هذا).

2- التمكن في اختصاصه إلى حد معقول, وأن يعي المساحة التي يتحرك فيها والمجال الذي يعمل به أو ينتج به إبداعه، ويشمل بذلك طبيعيا الإلمام المعرفي بمدى الإنجازات التي تمت في مجال تخصصه وهذا أمر طبيعي، فلا يمكن أن يعد مثقفاً إذا انكفأ على نفسه وعاش تجربته الخاصة في مجال تخصصه ولم ينفتح على المنجزات التي تحدث في هذا المجال في مجتمعات أخري، حتى يتواصل معها ويفيد مجتمعه.

3- قدرته على الإقناع والتأثير في الآخرين، (وهذا أمر إذا كانت تتدخل فيه الموهبة والفطرة التي فطر عليها هذا المثقف، ولكنه ينميها بتطوير ثقافته للدرجة التي تسمح له بالقيام بهذا الدور التأثيرى، بتفاعل شديد مع محيطه الثقافي).

4- ممارسته للنقد الاجتماعي ورغبته وإصراره على كشف الحقيقة وأن يكون شجاعاً ومستعداً للذهاب بالنقد إلى أبعد مدي وأن يحدد ويحلل ويعمل من خلال ذلك على الإسهام في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ مجتمع أكثر إنسانية، وبالرغم من اتساع هذه الخاصية لأكثر من نقطة مثل الرغبة والإصرار على كشف الحقيقة والشجاعة والذهاب بالنقد إلى أبعد مدي، ثم التحليل والتحديد الذي يسهم في تخطي العوائق التي تقف أمام بلوغ مجتمع أكثر إنسانية إلا أنها كلها يمكن إيجازها في دور الفعال والجرأة على القيام به دون النظر إلى أية آثار جانبية مثل الصدام بالسلطات القائمة، إذ غالباً ما يكون هذا الأمر عائقاً كبيراً أمام قيام المثقف بدوره المجتمعي المنوط به طالما وهبه الله هذه المنحة.

5- طرحه النموذج الذي يستحق الاحتذاء به في نواحٍ مختلفة مع الأخذ بنظرة الاعتبار اختلاف المعايير القيمية من مجتمع لآخر وأن يرقي إلى مستوي الإقتداء في مجتمعة متزنًا متواضعاً مراعيا لمعايير الأخلاق العامة والذوق العام وأخلاقيات العلم وبروتوكول الأوساط الثقافية، وأن يبتعد عن مواطن الشبهات ويترفع عن التفاهات وبنظرة تأملية نجد أن هذه الخاصية تنحو منحي فلسفيا مثاليا حيث تجمع بين خصائص أخلاقية إلي حد بعيد. وهي ضرورية ولا تعني أبداً الالتزام الديني بقدر الالتزام الأخلاقي وهو أمر يجب أن يسود كافة الاتجاهات الفكرية.

6- نقل وإشاعة الجانب المشرق من السلوك الحضاري مثل مبادئ وقيم قد تكون غائبة أو خافية في تراث مجتمعه أو في حضارات أخرى منها احترام الوقت والالتزام بالمواعيد مراعاة الذوق العام، وحب العلم واحترام المتعلمين والحرص على المصلحة العامة وغيرها (وهذا يعني تمتعه بروح حضارية سمحة وإطلاع واسع وقدرة علي الاستخلاص منها وأن يتجرد من ذاتيته حيث المفترض فيه أن يكون هدفه الأسمى هو مجتمعه وليس نفسه فكثير من المثقفين الذين يتمتعون بكثير من الخصائص التي نعرضها يضيع دورهم فيها النظر إلي ذاتيتهم بتضخيم واعتبار أنفسهم فوق الجميع ويكون هدفهم هو المجد الشخصي.

7- المرونة تجاه مطالب المادون (لمن يمارسون عملا إداريا أو سياسيا) والإيمان بأسلوب النقاش والحوار كسلاح سلمي لفض النزاعات، تقبل النقد والاعتراض وعدم فرض آرائه تعسفياً، وهذه خاصية قد يفتقدها كثير من المثقفين وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالخاصتين السابقتين فالثقافة الحقيقية تفرض على صاحبها أن يؤمن بحق الآخرين، ولهذا أشرت سابقاً في هذا البحث إلى ضرورة تقبل الآخر حتى لا يزيح اتجاه اتجاها آخر، وإلا صار الأمر ديكتاتورية ثقافية تزيد خطورتها على الدكتاتورية السياسية لأن فاعلية الثقافة في المجتمع أخطر بكثير من الفاعلية السياسية التي قد تتغير بفعل التأثير الثقافي الذي يكون دائماً مقلقاً للأنظمة السياسية.

8- الإحساس بقضايا مجتمعة وأمته والتفاني في سبيلها (وهذه الخاصية تكرار أو تكثيف لما سبق طرحة في الخصائص السابقة) وبتأمل هذه الخصائص يمكن تحديد ما هية المثقف التي طرحناها في البداية لتكون نقطة انطلاق للحديث عن دوره في عالم متغير،

ولكن يبقي التساؤل: ما هو نصيب المثقف المصري من هذه الخصائص؟

بداية للإجابة على هذا السؤال لا بد أن نطرح وجهة نظر قد تغضب الكثيرين وهي أن ماهية المثقف المصري عائمة، وعلى الأقل في الفترة السابقة التي قد تمتد لأكثر من الثلاثين سنة الأخيرة ولو بخمس سنين منذ سعي نظام السادات إلى إهدار قيمة المثقفين ودورهم باعتبارهم الصداع الأخطر في رأس النظام ولا أنسى له عبارة في إحدي خطبه بعد أحداث 18 ، 19 يناير 1977 وكان يفتتح نفق الشهيد أحمد حمدي الذي يربط ضفتي القنال، فقال "كنت أود أن يأتي الافندية المثقفون الجالسون على المقاهي في القاهرة ليشاهدوا الصرح العظيم (نُفُق الشهيد أحمد حمدي) ونطق كلمة النفق بضم النون والفاء ليبين أنه مثقف وينطق الكلمات باللغة العربية ولكن النطق كان خطأ كبيراً ليس هذا هو المهم ولكن المهم الدلالة الخطيرة لما وراء الكلام وهو مدى المشاعر السيئة التي يحملها رأس النظام للمثقفين والثقافة.

وقد تم تكريس هذا بصورة أكثر عمقاً وخطورة في النظام المباركي الفاشل والذي نتج عنه ضبابية مفهوم المثقف حيث انقسم المثقفون المصريون إلى فريقين الأول تابع للنظام ومكرس لوجوده، وفريق عام يحاول أن يقلد الفريق الآخر ويسعى جاهداً إلى أن يلعب دوراً مشابها، وأصبح كل من يكتب رواية أو قصيدة يعد نفسه من المثقفين مما تاه معه معني المثقف، وربما كانت الصورة في النصف الأول من القرن العشرين وحتى نهاية الستينيات أوضح مما بعدها، ولعل المثقفين الذين يتمتعون بالخصائص التي طرحناها آنفاً أو ببعض منها كانوا معروفين لدى الرأي العام الثقافي بالتحديد بل والرأي العام الشعبي، فمن الناس لم يكن يعرف العقاد وطه حسين ومندور وفتحي رضوان وسيد قطب، وغيرهم الكثير، فنحن لا نعدد الأسماء ولكن نضرب أمثلة. وبعد الثورة من يجهل ثروت عكاشة ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وزكي نجيب محمود ولويس عوض والإمام الأكبر محمود شلتوت وغيرهم الكثير أيضاً؟ ولكنهم كانوا يندرجون تحت مفهوم المثقف ومتمتعين بخصائصه كلها أو بعضها.

في عالم متغير

وإذا كنا قد حاولنا فيما سبق الوصول إلى مفهوم للمثقف وتحديد لخصائصه فإنه هو الذي يعنينا هنا في الحديث عنه في عالم متغير لأنه هو الذي يملك المعرفة ويتمتع بالرؤية الخاصة وبالمقدرة على اتخاذ مواقف مما حوله وإذا أردنا أن نتحدث عن علاقة المثقف بالعالم المتغير فإننا نلفت النظر إلى كتاب مهم جداً في هذا المجال وهو كتاب "تشكيل العقل الحديث" الذي ألفه كرين برنتون وترجمه شوقي جلال، وخيراً فعلت "مكتبة الأسرة" وهي احدي الحسنات القليلة للنظام السابق حينما نشرته بسعر يتناسب مع دخل غالبية الناس. وصحيح أن المنطلق كان فلسفيا للحديث عن دور العقل في مواجهة التغيرات الكبرى التي طرأت على الإنسانية في عصورها المختلفة لكنه في الحقيقة كان أشبه بطرح فكرة علاقة المثقف بعالمه المتغير، وصحيح أنه ركز حديثه على العقل الأوروبي والأميركي، ولكن ما طرحه يصح أن ينطبق على جميع الأوساط الثقافية العالمية حيث لا يبعد عن ذلك كثيراً العقل الآسيوي والأفريقي وخاصة في منطقة القيادة والبؤرة منه.

وبداية هو يطرح رؤية عامة حول حتمية التطور التاريخي وهي أن ما كان بالأمس أملا وحلما ربما يصبح اليوم عقبة وفي الغد يكون ماضياً مندثراً ومن خلال ذلك أيضاً أن ما كان ثورياً بالأمس يمكن أن يمثل اليوم اتجاهاً محافظاً وتقليدياً جامداً أي أن العالم والواقع متغير، ولعل الذي جعلنا نستعين به هنا هو ما قاله في المقدمة والذي يفيد بأن مقصوده من العقل الحديث هو الثقافة في مواجهة تاريخية التطور الإنساني حيث يقول ومن أهم وأوضح معالم ثقافتنا الحديثة الوعي بالجدة المشتركة وبأسلوب حياة مغايرة لأسلوب أسلافنا ومع مطلع القرن السابع عشر أدرك الكثيرون أن أسلوب حياتهم أفضل كثيراً من أسلوب حياة أجدادهم ويضيف: "وتتسم هذه الثقافة بأنها شديدة التعقيد فنحن لا نستطيع أن نحدد هنا بدقة كلمة حديث الإ أننا نأمل في أن نتمكن رويداً رويداً على مدى الأبواب التالية من صوغ تعريف لها "تشكيل العقل الحديث ص 16".

ويستعرض عبر أبواب الكتاب السبعة الحركة الموارة للمواجهة بين حركة الفكر أو الثقافة وبين حركة التطور في الواقع مما أحدث صدمات مستمرة ولكنه في النهاية معبر عن المعنى المقصود من البحث وكيف تقف السلطات المهيمنة أمام حركات المفكرين والمثقفين ولذلك يستعرض في أبواب الكتاب وهي 1- بناء العالم الحديث الحركة الإنساني 2- بناء العالم الحديث الحركة العقلانية 3- القرن الثامن عشر كورمولوجيا جديدة أو نظرة جديدة إلى الكون وما فيه 4- تطور جديد في نظرة الإنسان إلى الكون 5- القرن التاسع عشر هجمات من اليمين إلى اليسار 6- القرن العشرون الهجوم ضد العقل 7- منتصف القرن العشرين بعض المهام التي لم تتم. وهو لا يسير مع التطور الزمني للتاريخ بل يأخذ من حركة الإنسانيين الجدد نقطة انطلاق لمعالجة قضية المثقف في مواجهة السلطة عبر حديثه عن المواجهة التي تمت في العصور الوسطي بين المفكرين الثائرين ضد سلطة الكنيسة والبابويات في أعقاب الثورة الصناعية وازدهار النهضة الأوربية، ويعود أحيانا بهذا الصراع إلى جذوره التاريخية منذ اليونان القدماء والصراع بين الفلاسفة والنبلاء، كما يرى أن هؤلاء الثائرين العقلانيين سرعان ما ينقلبون على ثورتهم بأفكارهم ومعتقداتهم التي يتجمدون عليها وتصبح أشبه بالطواطم الجامدة التي يرفضون أي فكر نقدي لها ويتوسع كثيراً في ضرب الأمثلة من بين المثقفين الأوروبيين الكبار من أدباء وفنانين عظام، وكيف عبروا عن فكرهم الثوري في أعمالهم، ثم أصبحوا أسرى لهذه الأفكار والتوجهات مما يطرح السؤال الذي نحن بصدده، هل يبقي المفكر المثقف ثابتاً علي مبادئه؟ أم أن ثقافته تفرض عليه أو يجب أن تسمه بالمرونة والتطور؟

وينتقل في حديثة بين أوروبا و أميركا، ويري أنه في أميركا لم يخرج الأمر عما كان عليه في أوروبا، فصناع الحرية والاستقلال في أميركا تحولوا إلى قوالب عقلية جامدة ممنوع أي خروج على أفكارهم حتى ولو كان صدى لتطور الحياة الاجتماعية نتيجة للتطورات الصناعية والناتجة بدورها عن التقدم العلمي المذهل، باعتباره كاتباً أميركيا يرى هذه الظاهرة بوضوح حيث يقول: "نحن لا نزال نفكر في الإنسان العامل ليس باعتباره عضواً في مجتمع مثله كمثل أفراد النحل والنمل بل باعتباره حيواناً حراً طوافاً مغامراً، صفوة القول إننا لا نزال نعيش جزئيا على الرصيد الفكري والعاطفي للقرن الماضي، كما يعيش في الحقيقة على كل التقاليد الموروث عن فلسفة الغرب وأخلاقه". (تشكيل العقل الحديث ص 196).

وهو في هذا كله يري أن العنصر الفعال والسمة الأساسية التي نادي بها المثقفون والمفكرون تتمثل في الديمقراطية التي يجب أن تسود بمعايير واحدة، ولكنه في الوقت ذاته ينعي غياب هذا الأمر تماماً بالرغم من كثرة الحديث عنه في أوروبا وأميركا حيث تصبح الديمقراطية نزعات ورؤية فردية، وتصبح بذلك حقاً للأفراد المنادين بها دون غيرهم، وأنها كانت مجرد صورة تتخفي وراءها النزعات القومية والعرفية، التي أدت في نهاية إلى نشوب الحرب العالمية الثانية 1939 وهي مثال صارخ علي فشل الديمقراطية الأوروبية.

ولكنه في النهاية يرى بارقة أمل تتولد عبر النصف الثاني من القرن العشرين، حيث فرضت التطورات الهائلة في صناعة المعرفة عبر التقنيات الحديثة وتكنولوجيا المعرفة بدءا من الترانزستور وما نتج عنه من راديو وتليفزيون ثم الوصول إلى الحاسوب (الكمبيوتر) وما تبعه في سلسلته التي لا تنتهي ولا ندري إلى أي مدى ستتوقف عنده.

ولعلني أقول بعد هذا الطرح أنه أشبه بالفردوس المفقود الذي حاول "جون ميلتون" البحث عنه في ملحمته الرائعة التي ترجمها د . محمد عناني ترجمة رائعة، وقدم لها بمقدمة بديعة، وإن كان قد اتخذ من الكتاب المقدس أساساً لها إلا أنها في النهاية كانت تبحث عن جنة الناس على الأرض، وربما كان يقصد هذا الصراع الأزلي بين الجمود والتطور وبين الدكتاتورية والحرية، مما يمثل رؤية ثقافية إبداعية لعالم متغير مشحون بالتوترات ومحاولة فرض الآراء والأفكار.

وقد ينقلنا إدوارد سعيد نقله أخرى عالمية عبر أطروحته المتعددة ليربط بين ثقافة الغرب عامة وأميركا خاصة، وبين حال العرب وموقف هذه القوي الغربية من العرب، وقد شملت قائمة كتبه عدداً لا بأس به في معالجة هذه الظاهرة بدءا من الاستشراق ومرورا بتمثيل المستعمر والإسلام الأصولي في وسائل الإعلام الغربي من وجهة نظر أميركا "غزة – أريحا" سلام أميركي وتعقيبات على الاستشراقات والثقافة الإمبريالية وصور المثقف وتغطية الإسلام والسلطة والسياسة والثقافة والعالم والنص والناقد وانتهاء بحول دور المثقف في الحياة السياسية العامة (حوار) في الحداثة وما بعد الحداثة (جماعي).

وإذا كان كثير من إنتاج إدوارد سعيد قد تناول العلاقة بين أميركا والعرب كما يبدو من كثير من العناوين والتناقض الأميركي الحاد بين ما تؤمن به من ديمقراطية وما تمارسه من سياسات في العالم وعلى وجه الخصوص في المنطقة العربية وبالأخص في الصراع العربي الإسرائيلي، فإنه يشير إلى سلبية دور المثقف العربي في هذا المضمار وعدم قدرته على تجاوز السلطة السياسية لتشكيل وجدان مناهض لهذه الأفكار والسياسات، وينعى على المثقفين والمفكرين الأميركيين دورهم في تكريس هذه السياسة بدراساتهم الكثيرة والمغلوطة في آن واحد عن الإسلام، ويوضح أثر سطوة الفكر الديني المسيحي المنتمي إلى العصور الوسطي ، والذي لا يتواءم على الإطلاق مع هذا الواقع الجديد، وربما انتهي في تحليلاته بطريقة مستترة أو واضحة إلى أن الكولونيالية الحديثة ما هي إلا صورة مطورة من أفكار العصور الوسطي لمن يدقق النظر فيما ينتجه العقل الثقافي الأميركي الحديث، وربما يتفق هذا مع ما طرحه كرين برنتوتون في تشكيل العقل الحديث حين أوضح في نهاية سطوة فكر العصر الفيكتوري على أفكار وثقافة القرن العشرين.

وربما كان هذا المنطلق لنقده للمثقفين الأميركيين عبر كتابه "السلطة والسياسة والثقافة" الذي طرح فيه كثيرا من الرؤى عبر التفصيلات والأمثلة التي تضمنها الكتاب، وربما كان أوضح في حواره الذي أداره معه دافيديا رسيمان حول القلم والسيف الثقافة الإمبريالية والذي ترجمة الناجي حسونة ونشرته مجلة البحرين الثقافية في عددها رقم 28 الصادر سنة 2001.

وقد استعرض هذا الفكر السعيدي إذا صحت التسمية الباحث المغربي يحيى بن الوليد في كتابه العميق "الوعي المحلق – إدوار سعيد وحال العرب" والذي نشرته "مكتبة الأسرة" في عام 2010 والذي انعقد مدار البحث فيه حول تلقي أفكار إدوارد سعيد والذي انقسم بين مجرد مشيد بفكره مفتخرا بنسبه إلي العرب، وما بين متلق واع يدرس مقولاته ليفيد منها ناعيا في الوقت نفسه قلة الدراسات التي تناولت فكر الرجل بالمقارنة إلى مثيلاتها في الهند مثلا (ص 20).

إذن نحن بإزاء معضلة كبري وأمر معقد، هو ما الدور الذي يجب أن يتحلى به المثقف في هذا العالم المتغير؟ إن كل الأطروحات السابقة وغيرها من الكتب التي لا يتسع المقام لسردها في بحث بل تتسع كتب، وليس لكتاب واحد؛ هل يكون أداة فاعلة في يد السلطة السياسية؟ وهو ما نستنتجه من هذه الاطروحات التي طرحناها؟ أم يجب أن يكون هو القائد المحرك لعملية التطور الثقافي بل والفكر ليقود المجتمع إلى نقلة أخري؟

إن التاريخ يشهد محطات بارزة من مفكرين ومثقفين وأدباء كان لهم دور مؤثر في عملية الانتقال الحضاري في أوروبا وفي أميركا وكذلك في الشرق البعيد والقريب (العالم العربي) لكن في النهاية فإن الكثير منها سرعان ما تنقلب إلى ما يشبه ديكتاتورية ثقافية وخاصة أتباع وتلاميذ هؤلاء المفكرين العمالقة الذين أثروا في العالم أجمع، و إلا بما نفسر حال تلاميذ هوجو ودوستفسكي وتولستوي وغيرهم أصبحوا أبواقاً للنظم القائمة كل في منطقته.

وإذا كان هذا حال المثقفين على المستوى العالمي فإن الأمر ينطبق إلى حد كبير على العالم العربي بعامة ومصر بخاصة، فإذا كان طه حسين والعقاد وأقرانهم في ذلك الوقت قد خاضوا معارك فكرية تنويرية كان لها أكبر الأثر في النهضة الفكرية والأدبية بل والثقافية بعامة، وقد ذاقوا من آثار ذلك الموقف بالسجن أو الإبعاد عن العمل فإن تلاميذهم (الإ قليلا نادراً) سرعان ما أصبحوا أبواقاً تكرس للنظام القائم ولينظر من يريد التثبت من هذه المقولة إلى المثقفين الداعمين للنظام الناصري (بالرغم من كثير من مزاياه) والنظام الساداتي، وأخيرا الطامة الكبرى في النظام المباركي الذي وصل فيه حال المثقفين إلى قمة الانحدار والتردي بالرغم من ادعاءاتهم الكثيرة.

ويمثل طه حسين والعقاد نموذجين للثبات على المبدأ فلم يتغيرا بعد الثورة بل ظلا على حاليهما من طرح الأفكار التنويرية، وهنا تظهر إشكالية تتمثل في السؤال الملح هل يعد هذا جموداً وعدم تفاعل مع الواقع؟ أم يعد انحيازاً ثقافياً أو لموقف ثقافي يتطور بتطور الواقع لكنه لا يتخلى عن المبادئ الأساسية إذا كانت صالحة في هذا التطور المجتمعي، وأظن أن الأخير هو الأقرب إلى العقل المثقف وأقرب إلى المنطق، فقد تفاعلا مع الواقع الجديد ولكن بنفس الروح التي بدآ بها، ولم يذعنا للسلطة أو يتملقاها، ظلت مواقفهم المعبرة عن رؤاهم الثقافية ثابتة تدعو إلى مزيد من التنوير، بل الواقع الجديد أتاح لهم فرصة أوسع للتغيير عن هذه الرؤى وتبعهم تلاميذ أمثال محمد مندور ولويس عوض وزكي نجيب محمود وغيرهم فكان لتبنيهم الأيديولوجية الاجتماعية والفكر الاشتراكي تأثير على مواقفهم الفكرية، وإذا كان مندور قد قضي نحبه في الخمسينيات فإن لويس عوض وزكي نجيب محمود امتد بهما العمر ليشهدا العصور الثلاثة وظلت مواقفهما ثابتة في العهد الساداتي والعهد المباركي حتى رحلا في الثمانينيات، وتشهد بذلك مقالتهم عبر جريدة الأهرام، ولم تمنعهم سطوة النظام من نقد ما رأوه من تجاوزات أو أخطاء ولكن خلف هؤلاء الأساتذة أجيالا أخرى، نظرة مرآة نفسها وانتهجت النهج البراجماتي النفعي المتمثل في مواءمة المواقف للسلطة الحاكمة تحت دعوى التطور والمرونة بمعني أن الثقافة تسمح لصاحبها بالمرونة والتكيف مع تغيرات الواقع مما أدى إلى وجود صراعات فيما بينها، كان منشؤها الأساسي تقديم النفس قربانا للنظام وداعمة له من أجل الفوز بمكان في البلاط الحاكم.

وإذا كانت المسألة لم تظهر في بداية العهد المباركي (الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات) فذلك أن النظام لم تظهر معالمه ونواياه الحقيقية في تلك الفترة وإذا اعتبرنا أن الثمانينيات امتداد للسبعينيات، وقد كانت آثار الساداتية قائمة، أو أن النظام في هذه الفترة كان يبحث عن هوية هل يأخذ من النظام الناصري خاصة أنه يرى آثاره باقية وفاعلة، أو يسير عل النهج الساداتي أو يحاول الجمع بينهما، ولذلك كانت الدولة أقل في تلك الفترة، ولكن منذ أن بدأ النظام يحدد معالمه ويستقطب حوله الرموز لتكريس رؤيته اشتدت الهرولة وحدثت التغيرات السريعة في المواقف والأفكار والرؤى الثقافية.

فمن كان يناصر النظام الناصري وظل على مواقفه في العهد الساداتي سرعان ما انقلب علي موقفه وراح يبحث وينقب عن مساوئ النظام الناصري أملا في استرضاء النظام والفوز بنصيب في الكعكة أو المشهد السياسي، وأصبح يكرس ذلك على مستوى المشهد الثقافي منطلقاً من خلال موقعه الذي ظفر به وأن كان لم يرصد طموحه الذي تحقق بعض منه في نهاية المشهد.

والغريب في الأمر أن كل من هرولوا وراء النظام وكرسوا له، سرعان ما انقلبوا عليه بعد ثورة 25 يناير وملأوا وسائل الإعلام ضجيجاً وتعديداً لمساوئ النظام المنهزم، ويدعون عكس ما يثبته الواقع من أنهم كانوا مبشرين بالثورة، وهم الآن داعمون لها مؤيدون، ويضعون أنفسهم في خدمة الواقع الجديد.

والأمثلة كثيرة في المشهد الثقافي لا تحتاج إلي ذكر أسماء حتى لا نتهم بالإساءة إلى أحد بعينه، ويكفي الملاحظ المدقق أن يقرأ بعض الصحف القومية والخاصة والفضائيات المتكاثرة والمتوالدة يوماً بعد يوم ليعرف الحقيقة كاملة على مستوى المشهد الثقافي بعامة وليس شخصاً بعينه.

ولا يختلف الحال كثيراً علي مستوي المشهد العربي وفي كثير من بلدانه فهناك مفكرون ومثقفون سعوا إلى التنوير وظلوا ثابتين على هذا المبدأ مهما تغير النظام وليكن الشاعر الكبير نزار قباني مثالاً في سوريا حيث لم يتأثر بتعدد الأنظمة بل ظل علي مبدئه الداعي إلى الحرية حتى رحل.

وهذا عكس كثير من المثقفين السوريين الذين يشهدون الآن هبة الشعب السوري، والمتوافقين مع النظام وموقفهم المخجل من تصرفاته الدموية، ويخرجون كل يوم بصيحات عبر وسائل الإعلام المختلفة للدعوة إلى ما يسمونه الهدوء ومعالجة المشكلة بالحوار، وهم بأنفسهم يشهدون مقتل واستشهاد كثير من الشباب والأطفال ولم يركزوا نداءاتهم إلى النظام ومناشدته الاستجابة لمطالب الشعب أو في الأقل استخدام الحوار مع الثوار بدلا من الرصاص والدم، ولعل ما أظهر مواقفهم بوضوح هو طوال المدة منذ أن اندلاع مظاهرات الاحتجاج وحتى اليوم حيث لم تحسم المسائل بعد وأن كانت النهاية السعيدة والنصر للشعب الثائر.

وما أشبه هذا بما فعله كثير من المثقفين علي اختلاف انتماءاتهم في أثناء الأيام الثمانية عشر الأولى من الثورة في مصر حيث كان هؤلاء المثقفون المنقلبون يخرجون علينا عبر وسائل الإعلام بنداءات تهدئة وتقدير لموقف رأس النظام ومناشدين الثوار الصبر عليه حتى يكمل مدته، وغير ذلك من الأفكار المعبرة عن حقيقة مواقفهم.

وإذا كانت ثورتا تونس ومصر لم تمهلهما الوقت الكافي حيث حققتا أهدافهما بسرعة أذهلت العالم وأربكت حسابات القطب الأوحد قبل أن تربك حسابات هؤلاء، فإنها في سوريا وليبيا واليمن قد طالت مدتها مما كشفت عن مواقف متخاذلة للمثقفين في هذه البلاد ولم يظهر من المثقفين في المشهد الرافض إلا من ثبتوا على مبادئهم وكانوا بالفعل معارضين للنظام في الأصل متبنين مواقف مضادة منه على مستوى السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة بشكل عام.

والسؤال النهائي هل يعد هذا في صالح هؤلاء المتحولين؟ بمعنى أن نعود إلى السؤال هل يظل المثقف ثابتاً على مواقفه مهما تغير المشهد الثقافي؟ أم يعد هذا جموداً؟ وهل يمكن الاستناد إلى ما طرحناه سابقاً في هذا البحث عبر استعرض تشكيل العقل الحديث؟

وللإجابة على هذا لا بد أن ننظر نظرة أعمق على ما طرح في هذا الكتاب الأخير إنه كان ينحو منحى مثالياً لدور المثقف ليكون فاعلا وهو المؤثر في السياسة لا تابعا لها، وذلك بمراجعته الدائمة لأفكاره ورؤاه وتطويرها استجابة للتغيرات الحادثة في المجتمع والحضارات، وهي متسارعة إلى حد كبير مناشداً في الوقت نفسه تطوير العقل للإبداع أكثر من التلقي.

وعلى مستوانا يا ليتنا نعثر على من كان له دور حقيقي مؤثر في المشهد الثقافي بتطويره لمواكبة المتغيرات الثقافية في العالم، لقد اقتصر الأمر على الإبهار بكل ما ينتجه العقل الغربي بصفة عامة والأميركي بصفة خاصة والجري وراءه متجاهلين المشهد الثقافي المحلي المتردي، متقاعسين عن الإسهام في تطويره بالرغم من كثرة المؤتمرات التي عقدت والتي تكاد تتوافق مع أيام السنة، أي أن كل يوم يشهد مؤتمراً من المجلس الاعلي للثقافة بلجانه المختلفة أو من مؤتمرات هيئة قصور الثقافة أو الجمعيات والهيئات الثقافية الأخرى، والمحصلة صفر، وكأننا أمام المقولة الشهيرة "أسمع ضجيجا، (ويقصد ضجيج الرحى التي تطحن)، ولا أري طحنا "، ودائماً ما كان يأتي في سبيل تبرير ذلك المقولة الشهيرة "وما ذنبنا في ذلك والمواطن منصرف عن هذه المؤتمرات لا يستجيب لها"، وفي الحقيقة فإن المواطن المعني بهذه المؤتمرات كان سيقدم على متابعة هذه المؤتمرات والإفادة منها إذا وجد جديداً يطرح أو تنوعاً في المشارب أو وجد ما يمسه ويسعى إلى تثقيفية لكنه في كل مرة كان يجد الأشخاص هم هم والأفكار هي هي، تهويمات ثقافية بحثاً عن إثبات الذات وتفاصحاً بغير نتيجة، والنتيجة هو ما نراه من هذا التردي الثقافي بصورة عامة.

ونأمل في النهاية أن يتغير المشهد وأن يدرك المثقفون جسامة المهمة المنوطة بهم في هذا الظرف لتهيئة المجتمع لواقع جديد، وثقافة جديدة فاعلة ومؤثرة في المجتمع بأكمله ليستوعب الهدف الأكبر، وهو التحول الديمقراطي، ويعرف أصوله التي تقوم على مبدأ قبول الآخر سياسيا واجتماعيا وثقافيا وإنا لمنتظرون.

البحث الذي شارك به الكاتب في مؤتمر اتحاد كتاب مصر (16 ـ 18 يوليو/تموز 2011).