المثقف العربي.. امال والام

بقلم: إبراهيم الهطلاني

ذهب كثير من المهتمين بالشان الثقافي عند بحثهم في مفهوم الثقافة والمثقف إلى اعتبارها ترجمة لأصول أوروبية وخاصة الفرنسية منها والتي تعطي في الغالب معنى العقل أو الفكر. وفي المعاجم العربية نجد كلمة "ثقف" تأتي بمعنى الحذق والفطنة.
ولقد اتسع مفهوم الثقافة في هذا العصر ليشمل كل العلوم والمعارف والفنون والعادات لأي مجتمع بكل مظاهره وأشكاله وعناصره المكونة لحياته اليومية.
أما المثقف فقد عرفه البعض بأنه الشخص المبدع في أي مجال علمي أو أدبي، وقال آخرون بان أي شخص منتج لعمل فكري أو علمي أو فني ومصدر له يعتبر مثقفا. وذهب البعض الى اتجاه اخر حيث اطلقوا مصطلح "مثقف" على العمل الابداعي نفسه اضافة الى الافكار والنشاطات الادبية ، كما يصح أن نطلقه على من اخذ من كل علم بطرف.
ونحن نقصد هنا بالمثقفين تلك النخبة المهتمة كتابيا أو خطابيا بكل ما يتعلق بمصير الإنسان وحياته سواء من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية وكل فرد من أفراد تلك النخبة هو مثقف، وغالبا ما يتشكل المثقف من عنصرين أحدهما اصلي في الإنسان وتمثله القدرات العقلية والنفسية الموضوعة فيه من الخالق عز وجل، والآخر مكتسب يجنيه الإنسان باستغلاله لتلك القدرات، ويمثله ذلك المحصول المعرفي سواء أكان من محيطه القريب أو البعيد. ومن خلال قراءتنا لخارطتنا العربية نجد هناك أمران يقلقان الإنسان العربي عموما والمثقف خصوصا وهما محدودية المساحة التعبيرية وهو أمر نسبي بين قطر وآخر، والثاني نخبوية التوجيه والسيطرة وكلاهما يخضع لمبدأ التحكم الذي عادة ما يرفضه عقل المثقف العربي رفضا عقليا إلا انه لا يستطيع التصرف إلا وفق ما يمليه عليه ارتباطه الجبري أو الاختياري بالنظام السياسي السائد في مجتمعه والذي غالبا ما تظهر بصماته على كتاباته أو خطاباته أما ثقافته الحقيقية فتقبع في الأعماق بسبب حدود المصادرة والممانعة التي يواجهها.
والإنسان العربي كأي إنسان على وجه الأرض له همومه ومشكلاته. إلا أن العربي يتميز سلبيا عن مثيله الأوربي بكثرة وتشعب الهموم والمشكلات حيث تتعدى الهم الاقتصادي والمعيشي الذي يقلق العالم كله إلى أشكال أخرى من المشكلات الكثيرة والمتعددة، ومن هذا الإنسان العربي المثقل بالهموم والذي يعيش في هذا الواقع المزدحم بالمصاعب لابد أن يظهر لنا المثقف العربي حاملا آلام أمته التي سببها الاستعمار والظلم والجهل والفرقة محاولا معالجتها وإزالة آثارها بأمل التحرر والعدل والعلم والوحدة.
ولا تنحصر مهمة المثقف كما يُعتقد في دوام الرفض للواقع المؤلم بل تتعداه إلى دوام الحض على العدل مع الإنسان بكل صوره وحالاته وتظهر أهمية الموقف بل إلزامية التواجد للمثقف عند انتشار الانحراف ومحاولة السيطرة على التداعيات السلبية لهذا الانحراف في حياة الإنسان وثقافة المجتمع مع وجود أساس من الإخلاص والكرامة لدى المثقف يعزز ويقوي بهما توجيهاته ومواقفه أمام السهام الموجهة والطائشة.
وقد يُهزم المثقف أمام مغريات الآخر ورغباته الشخصية وقسوة الواقع فيغشى عقله بعض الطروح الجدلية والرؤى الضبابية التي تحجب عنه الحقيقة وتجعله يقبل المرفوض ويرفض المقبول من الضمير العربي فتنصرف العزائم والهمم عن آلام الأمة إلى آمال شخصية وتطلعات خارجية وهذا ما حصل. فقد استطاع الاستعمار منذ الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 بقيادة نابليون بونابرت الوصول إلى النخبة المثقفة في البلاد العربية والتأثير عليها فتحول الاستعمار في نظر تلك النخبة إلى فتحاً حضارياً والتمسك بالتراث إلى رجعية، وسيطر الانبهار بالفكر والثقافة الأوروبية او ما يعرف "بالتبعية الثقافية" على بعض الأدباء والمثقفين العرب كرفاعة الطهطاوي وطه حسين وغيرهم من ابناء المغرب العربي وبلاد الشام وحتى بعض الذين تتلمذوا على أيدي الأوروبيين من أبناء الخليج الذين تمكنوا من الوصول الى مناصب ووظائف نافذة في دول الخليج العربي واصبحت لهم الاولوية في التعبير والتغيير.
ولقد تعدى هذا الانبهار حدود التعبير الطبيعي إلى الدعوة الى تغيير قديمنا واتباع جديدهم بل ونادى بعضهم ومن ضمنهم "عبد العزيز فهمي باشا" بالدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، واستطاعت هذه الدعوة التغلغل إلى حصن اللغة في مصر وهو "مجمع اللغة العربية" على يد أحد أعضاءه وهو عيسى معلوف. ولم يكن مثقفو مصر وحدهم من تعرض لمحاولات التأثير والتغيير بل طال هذا المخطط اكثر الدول العربية الواقعة تحت الاستعمار كالجزائر وبلاد الشام والعراق وتونس والمغرب وموريتانيا …وبين الارتماء في أحضان ثقافة المستعمر الأوروبي ومعاداة للخلافة العثمانية يظهر الموقف الغريب للمثقف العربي الذي رأى الفضائع التي ارتكبها الإنجليز والفرنسيون في بلادهم أحداث صغيرة في الوقت الذي ضُخمت فيه الأخطاء والانتهاكات التي وقعت في العهد العثماني والذي يعتبر على ما فيه من عيوب آخر أشكال الوحدة الممكنة والتي كان من الأولى إصلاحها وترميمها او استبدالها بشكل وحدوي آخر بدل من الوقوف في صف الاجنبي والعمل على هدمها واقتلاع جذورها.
ولقد عاش تلك الفترة ابن الشام عبد الرحمن الكواكبي وألف كتابه "طبائع الاستبداد" يتحدث فيه عن الظلم والاستبداد الذي وقع في تلك الفترة فلو قُدر له العيش حتى الآن فما عساه يقول …؟
Hemah99@hotmail.com