المثقف العربي.. الدور، الواقع

الغياب

لنعترف ان دور النخب الثقافية في المجتمعات العربية قد تراجع كثيرا، والمثقف النخبوي في اغلب الاحيان، اما غائب او غير متفاعل مع الحدث، فيما جيل الشباب يقود التغييرات ميدانيا.

هذا الجيل - الذي ينظر اليه النخب الثقافية، انه جيل مُنبّت عن ثقافة مجتمعه، متواصل مع ثقافات اخرى بعيدة وقريبة لا تمت اليه بصلة، جيل فاقد للهوية الثقافية وللبعد الوجودي والفكري ولا قدرة له على التخيّل ولا الابداع الادبي- نجده اليوم يحرك الراكد والقار داخل الوجدان الجمعي نحو آفاق اخرى هو من يقرر ابعادها و كيفياتها.

فيما مضى كان للنخب الثقافية العربية القدرة على قيادة المجتمعات في بلدانهم باعتبارهم طليعتها، بما لهم من قدرات ابداعية في تشكيل قناعات الناس وامتلاكهم للرؤية البعيدة والسديدة معا في تصور المستقبل الذي يجب بلوغه من اجل تطور المجتمع.

نستذكر تأثيرات عبدالرحمن الكواكبي في الشام وجمال الدين الافغاني ومحمد عبده وقبلهما رفاعة الطهطاوي في مصر وغيرهم في بلدان اخرى، وتشكيلهم للكثير من قناعات اجيال كثيرة ومحاولاتهم إحداث نهضة عربية شمولية لا تقتصر على جانب واحد من جوانب الحياة.

لا يهمنا هنا ان كانوا فشلوا او لم يوفقوا، لما احاط بتلك المرحلة من ظروف اسهمت في ذلك الفشل ومقدار النجاح، لكن حسبهم انهم لم يركنوا الى تلك الظروف واستمروا في قيادة المجتمع العربي نحو التغيير المنشود وتحملوا من اجل ذلك العنت، وبعضهم سُجن او تشرد ووجهت اليهم الاتهامات بالمروق عن الدين وغيرها من التهم التي كالها إليهم النصوصيون الاتباعيون.

موقف المثقف العربي النخبوي اليوم من الحراك المجتمعي الشبابي، ليس مستسلما وغير فاعل في الاحداث التي تكاد تشمل كامل الرقعة الجغرافية العربية حسب، انما نجده متشككا مرتابا من نتائج ذلك الحراك، خائفا متحسبا مما ستؤول اليه الاوضاع.

صحيح ان هذه الخشية لها ما يبررها بسبب صعود الاسلام السياسي ووصوله الى السلطة في اكثر من بلد عربي وواقع رؤيته للثقافة، الا ان ذلك يعني من جانب، عدم ثقة المثقف النخبوي في قدراته على التأثير في القطاعات الشبابية وتحريكها من اجل تشكيل رأي عام فاعل ومؤثر يحفظ للثقافة العربية حريتها في التعبير عن نفسها امام المحرمات التي يضعها الاسلامويون.

كما ان عددا غير قليل من المثقفين وبعد سنتين تقريبا من بدء حراك الشباب العربي مازالوا غير مطمئنين الى نتائج ذلك الحراك. فالبعض يراهن على فشله في النهاية والبعض الآخر يشكك بامكانية نجاحه وهناك من يتهم تلك الحركات بارتباطات خارجية وفقا لنظرية المؤامرة.

ان سبب ذلك يعود الى عجز المثقف العربي النخبوي عن فهم دوافع وآليات تلك الحركات التي شكلت له مفاجأة لم يكن ليتوقعها (بالضبط كما حصل مع النظام السياسي العربي) وسحبت البساط من تحت أقدامه وهو الذي يحسب نفسه الطليعة التي يجب ان تقود أيّ حراك شعبي. كذلك فانه بهذا ربما حاول تبرير عجزه وعدم مشاركته بفاعلية في هذه الحركات.

في انتظار ربيع ثقافي قادم

في الستينيات من القرن الماضي كان يدور الحديث واسعا عن دور المثقف الطليعي في الارتقاء بالعقل العربي، وكانت تدور رحى معركة ساخنة بين من اطلق عليهم أنصار الحداثة وأنصار القديم (التقليديون) وكان الجميع يتوقع انتصار الحداثة على التقليدية اي انتصار المثقف العربي الطليعي بما يمتلكه من مناهج ونظريات متقدمة اتاحها له الانفتاح على العالم. الا ان ما حصل هو العكس فقد حسمت المعركة لمصلحة النصوصيين وتراجع عدد لا يستهان به من المثقفين الطليعيين لينظموا الى انصار القديم.

المثقف اليوم بأمس الحاجة الى وقفة جادة للمراجعة والبحث عن ذاته من اجل استعادتها لمواصلة دوره التنويري بعد عقود من الغياب.

منذ اكثر من اربعة عقود مضت ارتبطت صورة المثقف العربي في ذهن الشباب الرافض بقربه من الانظمة العربية القمعية خوفا من بطشها (وقد يبرر مثل هذا الخوف ويُعذر المثقف عليه) او طمعا بما تسبغه عليه من اوسمة والقاب وما تخلع عليه من مكرمات مادية (وهذا هو الامر غير المبرر قطعا) وفي الحالتين يكون المثقف قد وضع نفسه مرة مرغما بسبب الخشية من البطش في موضع الجبن ومرة اخرى مختارا في موضع المتهافت على عطايا السلطة.

لقد مارس المثقف العربي في تلك الفترة وظيفة لا تليق بدوره في المجتمع حين انهمك في مديح السلطة ورفعها الى مرتبة الالهة (وفي ذلك امثلة كثيرة لاسماء محفوظة في الذاكرة ونصوص متاحة في بطون الكتب وفي المواقع وارشيف في الاذاعات والفضائيات) او تبرير وشرعنة القمع الذي تمارسه على المجتمع خلف دعاوى كثيرة متهافتة اقل ما يقال فيها انها تفتقر الى الموضوعية والصدق.

بهذا يكون المثقف قد وضع نفسه او وُضع في خانة استحق عليها هذا "الجحود" الشبابي اليوم والذي نراه متمثلا في عزوف الاكثرية الساحقة منهم عن التفاعل مع طروحاته وفوجيء انه غير مدعو الى المشاركة في انشطتهم وحراكهم الجماهيري.

بعضهم عبّر عن ذلك بما يشبه الرثاء وآخرون فضلوا الصمت تعاليا.

المثقف ليس مرآة تعكس هموم مجتمعه الا في حدود محاولاته فهم تلك الهموم وطرح الافكار والرؤى والتصورات للمساعدة في ايجاد حلول لمشكلاته. اي انه ليس مجرد حامل لتلك الهموم من خلال معاناته فالمجتمعات اليوم وبخاصة الشريحة الشبابية فيها لا تطالب المثقف بحمل همومها عنه من خلال تبنيها إعلاميا او التفكير نيابة عنها فهي قادرة على ذلك، انما تتوسم بالمثقف الوقوف الى جانبها وهي ترسم مساراتها بكل جرأة، لا بالضد منها مرة بالانحياز الى السلطة ومرة بالتشكيك في مآلات حراكها وهو في أوله.

ثقافة الانفتاح

لقد اتاح تقدم وسائل الاتصال وشبكات التواصل الاجتماعية والمدونات للشباب العربي قنوات كثيرة ومتعددة يمارس من خلالها ليس فقط دوره في التعبير عن ارائه ومعتقداته وتطلعاته بل وفي نشر وتداول وتبادل ثقافته الخاصة المفارقة لاشتراطات وشروط المثقفين التقليديين التي كانت تشكل له قيودا على حريته في التعبير والنشر.

لقد اثار الحراك الشعبي العربي الكثير من التساؤلات عن جدوى الثقافة التقليدية ودور المثقف العربي النخبوي في المجتمع وعن المعايير الواجب توافرها في شخص ما لُيصَنف في خانة المثقفين واية ثقافة يجب ان تسود لتحقق الجدوى من وجودها.

تساؤلات هامة ومشروعة تحتم على المثقفين الاجابة عنها وطرح البدائل عن معايير سادت في ازمنة ماضية.

وسائل الاتصال التقليدية (صحف – مجلات – مسموعة – مرئية) التي يحتكرها المثقفون النخبويون تراجعت اليوم لمصلحة شبكات التواصل الاجتماعية والمواقع الالكترونية التي فتحت المجال امام الشباب ليعبروا عن تطلعاتهم والكتابة في شتى صنوف الثقافة والمعرفة حتى ان عدد القراء والمتفاعلين مع تلك المواقع فاق بما لا يُقارن مع قراء الصحف ومشاهدي الفضائيات، ما دفع بعض النخب الثقافية اللجوء الى انشاء مدونات وصفحات على الفيسبوك وغيرها من الشبكات، ومع هذا فان عدد القراء والمتفاعلين معهم بقي محصورا في قرائهم التقليديين ما يعني فشلهم في اجتذاب جيل شبّ عن الطوق ويرفض العيش في جلابيبهم.

وحتى الان لا اظن ان النخب الثقافية قد احاطت بالكامل باسباب الفشل الذي اعتراها في جذب الشباب. لهذا نجدها تصر دائما على اعتماد ذات الاشتراطات المتعالية التي تحدد ما ينشر وما لا ينشر وما يجب الخوض فيه وما لا يجب فيما الشباب المثقف ساع الى افق منفتح دون الالتفات الى ما يقرره او يحدده شيوخ الثقافة واتباعهم.

ان جيل الشباب الذي تتاح له فرصة ان يطل على العالم ويتفاعل معه في كل لحظة من ليل ونهار عبر نافذة الكومبيوتر ينظر اليوم الى النخب الثقافية انها منغلقة على كيانها تكتب عن عالمها الضيق تتداول نتاجاته فيما بينها.

لا ننكر حتمية وجود نخب ثقافية رائدة، غير ان هذه الريادة يجب ان تدار بشكل منفتح على الجيل بعيدا عن الاحتكار والتسلط والا فلتنتظر النخب الثقافية ربيعا عربيا يستهدفها هذه المرة.