المثقفون المصريون ماذا يريدون بعد الثورة؟ (2)

كتب ـ محمد الحمامصي
صبحي موسى

تساؤلاتنا حول الثقافة المصرية تتواصل وردود الكتاب والمثقفين تحاول تبديد هواجسها وصولا لرؤية تنبه أو تحذر أو تشجع أو تسهم أو تتفاءل أو تنتقد أو توجه، علَّ وعسى ينصلح الحال. هناك اختلاف بالطبع لكن الاتفاق أقوى، هذا الاتفاق الذي يعبر خوف على مصير الثقافة المصرية في حال استمرار عملها وفقا لرؤية وفكر وطريقة النظام السابق.

وحتى يبقى القارئ على تواصل، هذه هي التساؤلات التي أقمنا عليها هذا التحقيق:

هل الثقافة المصرية لا تزال تبحث عن حضور جدي لافت يرد لها مكانتها في الواقع المصري ومن ثم العربي؟ هل لا يزال مثقفوها لا يدرون ماذا يريدون ومن ثم لا يدرون ما هم فاعلون في هذه الفترة الهامة والحيوية في تاريخ مصر؟ هل يكفي الثقافة المصرية افتتاح مكتبة أو صالة أو بيت ثقافة أو إقامة ندوات احتفالية لثورة 25 يناير ومستقبل مصر وما شابه؟ لماذا لم يسع المثقفون ومنذ انطلاق ثورة 25 يناير إلى إطلاق دعوة مثلا إلى تبني إستراتيجية ثقافية مكتملة الرؤى والأركان، وكل ما يفعلونه هو الجري خلف تحقيق مكاسب شخصية هنا وهناك داخل المؤسسة الثقافية الرسمية والتناحر على وظائفها؟ هل لم تتحرر بعد من فساد النظام السابق وانعكاساته وظلاله عليها؟ وفي ضوء كل ذلك كيف نقرأ ما يجري داخلها؟ وهل هناك من رؤية يمكن الخروج بها بالثقافة المصرية مما تعاني منه؟

نفس آليات نظام فاروق حسني

قال الشاعر والكاتب صبحي موسى "الحديث عن الثقافة المصرية الآن أمر محرج، ومفقد للأصدقاء أيضاً، لأن من يتحدث فإنه يتهم بأنه طالب ولاية، ومن لا يتحدث يعني أنه ينتظر الولاية، لكن يبدو لي أن مديري البلاد الآن لم يسمعوا بالثورة، وربما أبلغهم شخص ما أن مشاجرة حدثت في ميدان التحرير، ومن ثم فهم مازالوا في غيهم، ينفذون نفس السياسة القديمة وبنفس الطريقة، وكأن هذه الثورة العظيمة التي اجتاحت مصر من الشمال إلى الجنوب بالملايين لم تقم إلا لتغيير الصف الأول بالصف الثاني، وحين نتأمل قليلاً نجد أن ما حدث ويحدث كارثة، لأن مصر حكمت على مدار ثلاثين عاماً بالحكمة القائلة "إذا أردت أن يدوم حكمك، فامنح ثقتك للأغبى والأضعف"، ولأن وزير الثقافة ـ فاروق حسني ـ عمل بهذه الحكمة حتى دام حكمه ما يزيد على عشرين عاماً، فإن ثقته لم توضع إلا في أناس من هذا النوع، وكان على كل منهم أن يعمل بنفس الحكمة كي يدوم حكمه هو الآخر، ومن ثم فحين جاءت الثورة الميمونة فوجئنا بأن الصف الثاني يحتل مكان الأول، والثالث مكان الثاني، مما يجعلنا نقف على شاهد الثقافة المصرية متأسيين على زمن فاروق حسني ولوحاته كما لو أننا نتأسى على زمن الفن الجميل".

وأضاف موسى "المدهش أن نفس الآليات هي التي يتم تطبيقها، دون اعتبار لشرعية الثورة أو طموحات الجماهير، ودون احترام لأي من جداول الدم التي سقطت على الأرض، فإذا كان فاروق حسني قد أخذ على عاتقه حماية الفاسدين والمفسدين (إحنا ساكتين له على بلاوي) فإن عماد أبو غازي لم يتورع عن ترقية أحمد مجاهد، وجعله ممثل وزارة الثقافة في اتحاد الناشرين العرب. ولنا أن نتصور أن الحاكم الفعلي الآن للوزارة هو مولانا جابر عصفور، وليس أبو غازي، فهو صاحب مشورة نقل مجاهد من قصور الثقافة إلى هيئة الكتاب، وهو الذين عين فيصل يونس في المركز القومي للترجمة، وهو الذي أتي بمحمد بدوي لمجلة فصول، ويقال إنه الذي أشار بمجيء عزالدين شكري للمجلس الأعلى للثقافة، رغم أن شكري لم يعرف يوماً ما بانشغاله بالهم الثقافي، على كل لا يزال رؤساء الهيئات سواء الذين ذهبوا أو الذين استقدموا أو من نكثوا في الأرض يقومون بنفس الآليات القديمة، فحين يقال إن الشباب هم الذين فجروا ثورة 25 يناير نجد قصور الثقافة تسارع بعمل سلسلة لقاءات شبابية، ونجد هيئة الكتاب تقوم بعدة ندوات لشباب الثورة، ودار الكتب تقوم بإصدار سلسلة خاصة بالشباب، وكلها أفكار بليدة ولا معنى لها (آيه تعمل الماشطة في الشعر العكر)، لكن الكارثة أن الرجل الدبلوماسي جاء ليتصرف بنفس الطريقة معلناً عن شروعه في عمل لجنة للشباب، تضاف إلى قائمة لجان المجلس التي اقتربت من ثلاثين لجنة، دون أن نسمع يوماً بأهمية لأي منها، ولم نعرف دوراً واحداً قامت به، فقد اخترعها جميعاً جابر عصفور لربط المثقفين بذيل الدولة، وجعلهم مؤيدين لسياساتها المضرة بالصحة، ويكفي أن نعرف أن أعلى تجل لهذه اللجان كان في التحضير لمؤتمر المثقفين الذي دعا إليه فاروق حسني، وأن مهمة هذا المؤتمر لم تكن تجديد البيعة لفاروق كما أشيع، ولكن مباركة صفقة التوريث. وقد اعترف جمال مبارك نفسه أمام النيابة مؤخراً أنه كان سيرشح نفسه لرئاسة، المهم أن دور المجلس كان تدجين المثقفين، ويبدو أن الشباب كانوا الفئة التي لم يشملها التدجين، فقاموا بالثورة في غفلة من كل من كل العصافير، ومن ثم كان أول قرار لعزالدين شكري هو عمل لجنة لهؤلاء، لأن (البلد مش فاضية كل شوية تقوم بثورة).

كل هذا الهرج العظيم

ورأي صبحي موسى أن التغيير الوحيد الذي حدث كان من جانب المثقفين/المهمشين أنفسهم، لكنه تغيير لا يقل روعة عما حدث في المؤسسات، "فقد وجدوا الطريق خاليا أمامهم، كي يحتل من كان خارج المؤسسة مكان وسلطة من بداخل المؤسسة، وأصبح الحديث عن الائتلافات والجماعات والاتحادات وربما الأحزاب المستقلة مثل قزقزة اللب، فكل ثلاثة يشربون زجاجة من البيرة يقررون عمل ائتلاف البيرة المستقلة، أو شباب ستيلا، أو اتحاد البيرة الحرة، وبلغ الأمر أن بعضهم طالب بنقابة بديلة للبيرة، ومؤتمر مستقل لجماعة البيرة والحشيش، بالطبع كل هذه الائتلافات والاتحادات لا رغبة لديها غير الإعلان عن نفسها، والقول جهراً لعماد أبوغازي أو غيره "نحن في الخدمة"، بل إن المتعلمين منهم كرسوا جهدهم في لوبي يمكنه الإطاحة بالرجل الطيب الودود المهاود حال عدم استجابته لمصالحهم".

وأضاف موسى "على النحو الآخر ذهب الكثير من الكتاب والشعراء إلى الادعاء بأنهم مفجرو الثورة، وأن قصائدهم بها حس سياسي، وأنهم كانوا يرفضون النظام، وبلغ الأمر بأحد رجالات النظام نفسه أن قال إنه تنبأ في روايته بقيام الثورة، أما الأمر المعجز فهو كم الدواوين والروايات التي كتبت ونشرت عن الثورة (سبحان الله)، ومن بين هذه الروايات عمل كتب صاحبه مقدمة قال فيها "إنه لم ينزل الميدان غير يوم 4 فبراير، أي بعد أن علمت الدنيا والآخرة أن الثورة قامت، وأن أحمد شفيق يفكر في عمل ميدان التحرير هايد بارك". فلا أعرف من أين جاءته كل تلك الحالة الثورية ليكتب في غضون أيام رواية عن الميدان، لكن الرجل له عذره، فدور النشر التي كثيرا ما ركلت الكتاب وأخرت أعمالهم بالشهور راحت تتسول أي عمل يحمل اسم الثورة، فأنا شخصياً اتصل بي مندوب دار نشر يسأل إن كان عندي رواية أو ديوان عن الثورة ليقوموا بطبعه، وللأسف الشديد لم أكن محظوظاً كالعادة، لأن أحداً لم يقل لي منذ عامين أن الثورة ستقوم لأبدأ في عمل رواية أو حتى ديوان صغير".

ويتابع الكاتب صبحي موسى قائلا: "في كل هذا الهرج العظيم، سواء في المؤسسات التي يبحث موظفوها عن الترقي، أو الثقافة المستقلة التي يرغب مهمشوها في الحصول على سلطة من قهروهم، لم يفكر أحد في أن الثورة تعني طريقة مختلفة في التفكير، وأنه علينا أن نتحاور حول فكرة مشروع ثقافي كبير يمكنه أن يستوعب طاقات الجميع. لم يفكر أحد في مصر عام 2020، وما يجب أن يكون عليه وضعها الثقافي، وكيف يمكنها أن تلعب دورها المؤثر كقاطرة تجر المنطقة العربية إلى آفاق أرحب. لم يفكر أحد في كيفية الحفاظ على التراث، وكيفية إعادة النظر فيه، ولا كيفية تغيير أداء المؤسسات، ولا في ثقافة الكتاب والمبدعين وكيفية تنميتها عبر البعثات أو تعلم اللغات البديلة، لم نفكر في تحويل جلسات النميمة على مقاهي البستان والتكعيبة وغيرها إلى مؤسسات أهلية لها مشاريعها التي تفيد أصحابها مثلما تفيد الواقع الثقافي، لم نفكر إلا في انتخابات اتحاد الكتاب ومؤتمر أدباء الأقاليم، الكل لم يفكر إلا بنفس طريقة النظام وآلياته، وكأننا سمعنا بثورة ولم نشارك فيها".

السيد نجم
لا تخص الثقافة وحدها

وشدد الكاتب الروائي السيد نجم على أن التساؤلات لا تخص الثقافة وحدها، وقال "وردت لي منذ فترة قصيرة دعوة لحضور مؤتمر لإعداد ورقة تحت عنوان (الفواعل غير الدول: الإعلام الرقمي في العالم الافتراضي)، فكانت فرصة للتعرف على المزيد من مفاهيم المصطلح "الفواعل غير الدول"، وما أن انتهيت من الورقة راودني السؤال نفسه المطروح في التحقيق، ولكن ليس بصدد الثقافة وحدها، بل مصر.. السياسة والاقتصاد والحالة العربية والقضية الفلسطينية والداخل والخارج، ولم أدهش أن يكون التساؤل هو محور اهتمام (المثقفين)، لعله السؤال الأهم الآن ولفترة طويلة قادمة".

وأضاف "دعني أسرد ملخصا حول المصطلح، حيث شاع بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وأصبحت الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة والأولى في العالم، فكانت حركة (المحافظون الجدد) التي سعت لتأكيد هذه القوة الجديدة، ودعم استمراريتها، ومع معطيات العولمة، والثورة الرقمية، باتت مقولة فوكوياما بنهاية التاريخ، ومقولة فريدمان بمشروعية التنوع والتحزب والاثينية وغيرها من الأمور الواجب احترامها داخل المجتمع الواحد. بينما التوجه السياسي الأميركي اعتمد على فكرة (الثورات الرحيمة) وترويج فكرة (الدولة الرشيدة)، حيث الدولة غير الرشيدة هي التي لا توفر عناصر الأمن واحتياجات شعبها، بينما (الدولة المارقة) فهي تلك الميئوس منها في نظر ساسة الولايات المتحدة، وفى منطقتنا العربية كانت العراق هي الدول المارقة، التي تستحق استخدام القوة، وهو ما حدث بالفعل عام 2003، أما بقية دول المنطقة فهي دول غير رشيدة، ويجب أن تنهض باستخدام الثورة/الثورات الرحيمة، وقد تبنت جريدة فورين بولسى وإحدى المؤسسات النهوض بمهمة التقييم وإصدار البيان السنوي بأسماء وتصنيف الدول فى العالم".

ويضيف نجم: "مع تلك الحقائق، تبرز أهمية الإعلام الرقمي، كوسيلة مشروعة لتحقيق الثورات، وهو ما حدث وتلاحظ مع ثورتي تونس ومصر (حتى الآن). وإن بدت فاعلة لفترات قصيرة في البلدان العربية التي لم تنته من صراعاتها الداخلية، أهم سمات الثورات الجديدة الآتي: ليست لها قيادات محنكة سياسيا، مع قلة الخبرة التي تتناسب مع أعمارهم - هذا لا ينفى عن تلك القيادات النشطة الإخلاص والوطنية -.. لم يعد الفقر وحده الباعث على الثورة، بل أصبح الفساد والمطالبة بالمزيد من الحرية هما الدافع لقيام الثورتين، مع ملاحظة أن المنظرين يقولون إن الفساد هو المعيار الأساسي أو الهام لقياس الدولة الرشيدة. ما أعلنته تلك الثورات إسقاط نظام، ولا توجد مبادئ أيديولوجية أو فكرية لبناء نظام جديد، وإن أوضحت التجربة أن دور الرقيب الشعبي والسعي لتعديل المسار قائمة، لا توجد آليات محددة سوى (حسن النية والإخلاص للبلاد)".

لا نعرف إجابة محددة فكريا

ويتساءل السيد نجم "ماذا عن المستقبل؟ وليس في الثقافة فقط، بل في كل مناحي الحياة لشعوبنا التي أنجزت الثورة، والتي تترقب نتائجها"!

وقال "ليس أمامنا سوى النتائج المباشرة، على الأقل في حالة الثورة المصرية: الشعور بالحرية وهو أن القبضة المزمنة على الأفكار والآراء والتوجهات، توقع المزيد من الاطمئنان على غد يلبي الاحتياجات الأساسية على الأقل للجميع. ومع ذلك لا نعرف إجابة محددة فكريا على السؤال كيف؟ وبالتالي هل يمكن أن نستنتج أنه قد سقطت الإيديولوجيات إلى الأبد كما قال الشاعر الشيلي بابلونيرودا، وبات على المثقف الثوري أن يكون نفسه رافعا شعارات القيم ومدافعا عنها؟! لا أدرى على الأقل حتى الآن، ولكن أدرى تماما أن الطفل هو المستقبل، وكم من بلدان مثلنا بل لعلها يوم أن بدأت نهضتها كانت أقل درجات، وبالاهتمام بالطفل أصبحت من نمور آسيا الآن (ماليزيا)، وأدرى أن البحث العلمي بداية من تحديد مجالاته، وتوافقه مع خطط التنمية، ثم بالإنفاق عليه، تقدمت أشباه بلدان لم يكن لها وجود منذ ستين سنة (إسرائيل)! وأدرى أنه بإعلاء قيم العمل والمثابرة والإخلاص، اعتلت بلدان نال منها الهلاك وقهرتها الهزيمة، لكنها نهضت وتصدرت العالم (اليابان).

وأخيرا رأى نجم أن الرؤية الثقافية اليوم هي مجموعة من الأفكار الطموحة التي تتمثل في أن تنهض الحكومة بعمل الصناعات الثقيلة في مجال الثقافة وذلك بتبني الإنتاج الجاد في فنون السينما والمسرح والدراما التليفزيونية، وفى توفير الكتاب الرخيص ودخول عصر الثقافة الرقمية في النشر وبناء المكتبات ورعاية المواهب ومكافأة الراسخين من الأدباء والفنانين وإعطاء "الترجمة" الزخم الواجب وغيره كثير، وأخيرا وهو أولهم تبني القضايا المفصلية التي تعلي من شأن الوطن والمواطن، والتي تتبنى الحق العادل لنا وللشعوب من حولنا، وهنا أذكر الجميع بتوجه الولايات المتحدة الأميركية أن جعلت الجندي الياباني هو العدو الواجب الانتصار عليه في كل ألعاب الطفل حتى اليوم! وإن أضافوا إليه مؤخرا العدو الغامض القادم من الفضاء البعيد.

حمدي عابدين

غير مؤهلين لأي فعل ثقافي

أكد الشاعر حمدي عابدين أن أسوأ ما فعله النظام السابق خلال الثلاثين عاما الماضية هو أنه نجح نجاحا كبيراً في تحويل عدد كبير من الكتاب والمثقفين المصريين إلى أصحاب أكشاك ثقافية، أو متلقي إعانات وعطاءات، وقال: "كان الغالبية العظمي منهم يسعون إلى الحصول على رضا النظام فتفرغوا لذلك دون القيام بدورهم الحقيقي، فغابوا وغيبوا معهم أي بارقة ضوء تكشف زيف وجودهم، من هنا غاب المثقف صاحب المشروع المثقف الموسوعي المهتم بالبحث في مشروع ثقافي لبلده، نجح النظام إذن في تحويل المثقفين إلى جزر صغيرة تكره التجاور والحوار والمناقشة، وترى أن الاختلاف في وجهات النظر لا يعني حالة ما من الثراء والتنوع، لكنه يعني نوعاً من الازدراء والرفض والاحتقار للرأي الآخر، تم التعامل معه من هذه الزاوية، ما جدوى البحث في رأي بديل؟ ثم الإعلان، لقد نظروا له باعتباره نوعاً من مناصبة العداء لصاحب وجهة النظر الأخرى، من هنا تأخر الكتاب والمثقفون المصريون في الوصول إلى مشروع ثقافي يضعهم ويضع البلاد على خريطة الفعل الحضاري للإنسانية بسبب حالة الفرقة التي بثها النظام بينهم، لأن هذا يحتاج إلى عمل مشترك كبير يجمعهم".

ورأى عابدين أن المثقفين المصريين غير مؤهلين لأي فعل ثقافي يؤدي إلى وضع أيديهم على المشروع المأمول، إلا بعد جهد جهيد، "هذا يحتاج إلى وقت طويل حتى يعودوا للفعل من جديد، فقد صدَّر النظام المباركي لمراكز صنع القرار أنصافهم والعاجزين منهم، كما قام على مدى سنواته الطويلة بمحاربة أي عمل ثقافي يقود إلى البحث في هوية للثقافة المصرية، حارب بالطبع وشرد فاعلين كبارا في الثقافة المصرية، ولعل ما فعلوه مع د. نصر حامد أبو زيد أكبر دليل علي رفض النظام للثقافة والمشروعات الثقافية، فقط تفرغ لبناء قصور الثقافة ومؤسسات ذات وجه ثقافي خالية من القلب، فرغها النظام من أي مثقفين حقيقيين، وجاهد من أجل تجميدها في أعمال عقيمة لا تمت للثقافة بأي صلة تذكر.

هل يمكن أن ننسي ما فعله وقاله مبارك نفسه للدكتور المفكر الكبير محمد السيد سعيد في معرض الكتاب.

وتابع عابدين: إن "النظام المباركي إذن كان يحتقر ويكره الثقافة ولا يرى دورا ولا أهمية لها، وقام مع سبق الإصرار وبخطة وحرص بالغ على تفريغ كل عمل أو مؤسسة من أي فعل عميق يسهم في الكشف عن الشخصية المصرية ويضع البلاد على طريق تسهم من خلاله في معرفة ماذا تريد, ماذا يريد أبناؤها".

وأضاف "من هنا لا أستغرب عندما أنظر فلا أرى منجزا ثقافيا على قدر قيمة مصر طوال الأعوام العجاف الماضية، مازالت موجودة حتى الآن، ولن تنتهي بجرة قلم، لأن الثقافة المصرية ليست إدارة حكومية يتم تنظيفها بإخلائها من الفاسدين، سوف يظل فساد ما تم نشره وزرعه فيها من أمراض لأمد طويل، سوف تستمر حالة التردي والتوهان والتشرذم إلى مدى، لكن ذلك سوف يتقلص مع الزمن وتراكم الفعل الثقافي الديموقراطي الحر، هذا ببساطة لأن دور الرقيب والآمن الذي تدخل ذات يوم ليمنع حفل توقيع ديوان شعر في مكان عام لي في العام الماضي سوف ينحصر، هذا الدور الذي كان يفتش في المنتجات الثقافية ويعمل على قتل كل بؤر الحياة بها، سوف ينتهي لأن الكتاب والمثقفين المصريين أنفسهم لن يسمحوا بأي نوع من فرض الوصاية عليهم بعد ثورة 25 يناير، وهي خطوة كبيرة للقيام بدور يهدف لاكتشاف الذات الثقافية المصرية".

وكشف عابدين عن وجود حالة من مصارعة الديوك بعد ثورة 25 يناير تدور حول هوية الدولة المصرية هل هي دينية أم مدنية، "هذا الصراع أراه علامة صحية علي النهوض، وأتفاءل به لأنه في النهاية سوف ينتج المشروع الثقافي المصري، وسوف يؤدي لاكتشاف الذات التي طمرها نظام مبارك الجاهل".

مجدي الشافعي

مجرد ما أن يخفت لهاثنا

الكاتب والرسام مجدي الشافعي شديد التفاؤل بما سيكون عليه مستقبل الثقافة المصرية وأكد أنه لا يهمه كل ذلك، فمن يريد أن يشتغل يشتغل، ومن يريد الجري وراء مكاسب سريعة يجري ويشيل، وقال المهم هم هؤلاء الذين يخمرون حاجات ويهضمون ولا يجربون أنفسهم من أجل التسابق لتقدم شغل جديد، قريب جدا هذه الرؤية وهذه الأعمال سوف تصنع واقعا ثقافيا جديدا بلا تلون ولا تسرع ولا انتهاز.

وأضاف: "أعتقد أن أعمالا رائعة سنراها ونسمعها ونقرأها، مجرد ما أن يخفت لهاثنا قليلا. إنني متفائل بجو الثقافة الجديد، ولأول مرة وزير ثقافة يبقى من وسطنا، لننتظر ونرى وأتمنى أن تشاطرني التفاؤل".