'المبادرة العربية' تتمخَّض عن ليبرمان!

بقلم: جواد البشيتي

مقعد واحد صنع الفرق؛ ولكن عن أي فرق نتحدث؟

الأزمة في إسرائيل إنما هي الآن، أو من الآن وصاعداً، أزمة تأليف الحكومة (الائتلافية) المقبلة؛ أمَّا الحل، الذي هو الآن على هيئة "الاحتمال الأقوى من غيره"، فهو أن ترأس ليفني الائتلاف الحاكم الجديد، أو يرأسه نتنياهو، أو يتناوبان على رئاسته.

وهذا "الاحتمال الأقوى من غيره"، إنما هو، على ما أوضحنا، احتمال ينطوي على ثلاثة احتمالات.

قبل الانتخابات، كان "العمل" و"كاديما" يسعيان لاجتنابها، مخافة أن يفوز فيها "خصمهما المشترَك" نتنياهو (رئيس "الليكود"). أمَّا الآن، أي بعد الانتخابات، فإنَّ لـ "الفائزين"، ليفني (رئيسة "كاديما") ونتنياهو، مصلحة (قابلة للتحوُّل إلى نقيضها) في أن يرأس كلاهما، أو في أن يرأسا معاً بالتناوب، حكومة ائتلافية تخلو من ليبرمان (رئيس حزب "إسرائيل بيتنا") الذي هو وحده مَنْ جرت رياح حرب الثلاثي اولمرت وباراك وليفني على قطاع غزة بما تشتهي سفينته.

نتنياهو لن يقبل أبداً أن يكون جزءاً من ائتلاف حاكم ترأسه ليفني؛ ولكنه قد يقبل التناوب معها على رئاسته؛ أمَّا هي فيمكن أن تقبل أن تكون جزءاً من ائتلاف حاكم يرأسه نتنياهو. وكلاهما لن يقبل إلاَّ إذا كان الثمن الذي سيقبضه من الآخر مغرياً له.

لقد تعدَّدت "الحلول"، و"الأزمة" واحدة؛ ولكنَّ "الأزمة" ستُحلُّ، في آخر المطاف، بما يؤكِّد شيئاً واحداً فحسب هو أنَّ الحكومة الإسرائيلية المقبلة لن تكون، بحسب معيارها الفلسطيني، ومعيار السلام، إلاَّ الأسوأ من التي سبقتها، والتي تألَّفت من اولمرت رئيساً، ومن ليفني وزيرة للخارجية، ومن باراك وزيراً للدفاع.

قد تنتهي "الأزمة" إلى قيام ائتلاف حاكم يضم أساساً "الليكود" و"كاديما" و"العمل"؛ وقد يرأسه نتنياهو وحده، أو بالتناوب مع ليفني. إذا ما قام هذا الائتلاف فإنَّ ليفني اليوم (وبحسب المعيار الفلسطيني ومعيار السلام) ستكون أسوأ من ليفني الأمس، وإنَّ باراك اليوم (إذا ما شارك حزبه، وإذا ما ظلَّ رئيساً له) سيكون أسوأ من باراك الأمس.

وهذا الفرق (الفرق في السوء) صنعته ثلاثة أسباب: وجود الليكود في الائتلاف الحاكم الجديد، وهذا الصعود لليبرمان وحزبه، وسيطرة الأحزاب اليمينية، واليمينية المتطرفة، والدينية، على غالبية مقاعد الكنيست الثامنة عشرة (65 مقعداً).

إنَّ اليمين، واليمين المتطرِّف، أي الأشد تطرُّفاً، هما اللذان سيكتبان الجزء الأكبر والأهم من سياسة الحكومة الإسرائيلية الجديدة، بصرف النظر عمَّن يرأسها، وعن الحل لمشكلة رئاستها، وعن بنيتها الحزبية.

إذا غاب ليبرمان (وأشباهه) عن الحكومة الائتلافية الإسرائيلية المقبلة فإنَّه سيغيب غياب الغائب الحاضر؛ ذلك لأنَّ كثيراً من روحه السياسية سيغدو مداداً تُكْتَب به سياسة هذه الحكومة.

لقد قاوم قطاع غزة بما أرغم اولمرت وباراك وليفني على إنهاء الحرب بما شحن "معسكر اليمين" في إسرائيل بمزيد من الطاقة؛ ولقد سعى "أصحاب المبادرة"، أي "مبادرة السلام العربية"، إلى "إقناع" إسرائيل بها، وذهبوا إلى "أنابوليس" لـ "قطع الشكِّ بسكين اليقين"، ولـ "اغتنام فرصة السلام الأخيرة"، فلم يحصدوا ممَّا زرعوا إلاَّ ليبرمان بكل ما يعنيه ويرمز إليه.

أُنْظروا إلى "صندوق الاقتراع" الإسرائيلي بعيون يقظة لا تغشاها أوهام، فلن تروا إلاَّ "تابوتاً"، ولن تروا فيه من جثَّة سوى "السلام"، الذي هو في حقيقته "أوهام السلام العربية".. فطوبى لإسرائيل التي أثبتت أنَّها الدولة الأهم بين "دول الممانَعة"! جواد البشيتي