المال والانتخابات الأمريكية

بقلم: علاء بيومي

تناولنا - في مقالة سابقة - بالشرح والتحليل أسلوب عمل أحد أهم المنظمات السياسية الأمريكية، ألا وهي لجان العمل السياسية (PACs) أو الباكس، والتي هي منظمات تنشأ لتجميع تبرعات الأفراد والمؤسسات التابعة لجماعات مصالح أمريكية معينة وتوجيه هذه التبرعات لمساندة أعضاء الكونجرس والسياسيين المنتخبين المساندين لتك الجماعات.
وقد رأينا أن نفتح في هذه المقالة ملف المال وحجم تواجده في الحملات الانتخابات الأمريكية وذلك لعدة أسباب منها أن ملف لجان العمل السياسية وملف حجم تواجد المال في الانتخابات هما ملفان متقاربان إلى حد كبير، فقد ظهرت لجان العمل السياسية كمحاولة للحد من سطوة المال على الانتخابات ومن ثم على العملية السياسية الأمريكية، ولما كانت لجان العمل السياسية ليست المصدر الوحيد للمال في الانتخابات الأمريكية رأينا أن نفتح ملف المال الأعم والأشمل سعيا منا لرسم الحدود المالية للحملات الانتخابية الأمريكية.
ثانيا تشهد انتخابات هذا العام (نوفمبر 2002) ظاهرة سياسية هامة للمسلمين والعرب وهي ظاهرة المال المسلم والعربي الأمريكي وتواجده على الساحة الانتخابية الأمريكية، وخاصة في انتخابات ولاية ألباما، إذ لفت المال المسلم والعربي الأمريكي أنظار المراقبين السياسيين بسبب الدور الذي لعبه في مساندة عضو مجلس النواب الأمريكي إريل هيلليارد مرشح الحزب الديمقراطي عن الدائرة السابعة بولاية ألباما، وقد رأينا أن نتعرض في هذه المقال لحجم الأموال في الانتخابات الأمريكية لكي نزود المهتمين ببعض المعلومات المركزة عن المال وحجم تواجده في الانتخابات الأمريكية.
ويشير الكاتب أنطوني كورادو في كتابه عن الإصلاح المالي للانتخابات (الأمريكية) إلى أن لجان العمل السياسية ظهرت بالأساس للحد من سطوة المال على الانتخابات والسياسية الأمريكية وذلك عن طريق توثيق التبرعات المالية للمرشحين السياسيين وتحريم بعض أنواع التبرعات وخاصة تبرعات الشركات الكبرى المالية المباشرة للمرشحين السياسيين، وكذلك تشجيع المرشحين السياسيين على التقليل من تكاليف حملاتهم الانتخابية.
وقد مثل ظهور الإذاعة والتلفزيون وانتشارهما في الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين خطرا عظيما على الانتخابات الأمريكية للتوسع في استخدام الإذاعة والتلفزيون في الإعلان والتكلفة الباهظة لهذه الإعلانات التي أصبحت تمثل عبئا طائلا على المرشحين السياسيين.
ففي عام 1956 على سبيل المثال بلغت التكلفة الكلية للنفقات الانتخابية 155 مليون دولار أمريكي انفق 9.8 مليون دولار منها على إعلانات الراديو والتلفزيون فقط، وفي خلال 12 عاما أو تحديدا في عام 1968 وصلت التكلفة الإجمالية لنفقات الحملات الانتخابية 300 مليون دولار بينما قفزت تكلفة إعلانات الراديو والتلفزيون حوالي ستة مرات لتصل إلى 58.9 مليون دولار.
هذا الارتفاع السريع والرهيب في تكلفة الحملات الانتخابية دفع العديد من السياسيين إلى التفكير في تنظيم دور المال في الانتخابات والحد منه، ومن هذا المنطلق ظهرت لجان العمل السياسية.
وتشير مختلف التحليلات إلى أن ظهور لجان العمل السياسية لم يضع حلا نهائيا لمشكلة حجم المال في الانتخابات وتأثيره عليها، لأن نفس السياسيين الذين قننوا وظائف لجان العمل السياسية بحثوا عن وعثروا على العديد من الثغرات القانونية التي حدت من دور لجان العمل السياسية والقوانين المنظمة لدور المال في الانتخابات واللجان المشرفة على مراقبة هذه الظاهرة وعلى رأسها لجنة الانتخابات الفيدرالية (FEC)، وسوف نتناول فيما يلي بعض مشكلة تنامي دور المال في الحملات الانتخابات الأمريكية.
أولا تشير الدراسات إلى تزايد تكلفة الانتخابات الأمريكية بشكل مضطرد، ومن أحدث هذه الدراسات تقرير أصدرته لجنة الانتخابات الفيدرالية الأمريكية في 27 يونيو 2002، وقدر رصد التقرير حجم موارد وتبرعات لجان العمل السياسية خلال الفترة من 1 يناير 2001 وحتى 31 مارس 2002، وتوصل التقرير إلى أن 4328 لجنة عمل سياسية أمريكية جمعت 397 مليون دولار أمريكي خلال هذه الفترة المذكورة، بزيادة قدرها 13.7 % عن نفس الفترة في عام 2000، كما أنها أنفقت 315.9 مليون دولار أمريكي بزيادة قدرها 12 % عن الدورة السابقة.
وقد ذهب من هذه الأموال 131.4 مليون دولار إلى المرشحين السياسيين، بزيادة قدرها 5.6 % عن عام 2000. وقد وزعت هذه الأموال بشكل متساوي تقريبا على الحزبين الرئيسيين إذ حصل المرشحون الجمهوريون على 66.4 مليون دولار، بينما حصل الديمقراطيون على 64.8 مليون دولار.
ومن ناحية أخرى ذهبت معظم الأموال التي تبرعت بها لجان العمل السياسية إلى المرشحين القدامي وليس لمنافسيهم، إذ حصل المرشحين القدامي على 115.1 مليون دولار أو ما يعادل 87.6 % من تبرعات لجان العمل السياسية.
ولا تمثل الأرقام الحالية التكلفة النهائية للإنتخابات الأمريكية، إذ يشير تقرير أصدرته لجنة الانتخابات الفديرالية في 15 مايو 2001 إلى أن مرشحي انتخابات الكونجرس وحدهم جمعوا ما يعادل 1.047 بليون دولار أمريكي في دورة انتخابات 1999-2000، أنفقوا منها 1.006 بليون دولار أمريكي، وهو ما يمثل زيادة قدرها 34 % عن دورة 1997-1998، والتي جمع فيها المرشحون السياسيون 781.3 مليون دولار أنفقوا نها 740.4 مليون دولار، وقد بلغ عدد هؤلاء المرشحين في عامي 1999-2000 ما يساوي 2416 مرشح.
وتعتبر هذه الأرقام قفزة عالية جدا إذا قارناها بتكلفة انتخابات الكونجرس في عامي 1989-1990، إذ تشير الأحصاءات إلى أن مرشحي الكونجرس جمعوا في هذه الدورة 471.7 مليون دولار، وأنفقوا 446.3 مليون دولار، أي أن نفقات انتخابات الكونجرس زادت أكثر من الضعف خلال عقد من الزمان.
وتعتبر تكلفة انتخابات مجلس الشيوخ أكثر بكثير من تكلفة انتخابات مجلس النواب، إذ تشير الإحصاءات الخاصة بانتخابات 1999-2000 إلى أنه نافس على مقاعد الكونجرس 2083 مرشحا جمعوا 610.4 مليون دولار، بينما نافس على ثلث مقاعد مجلس الشيوخ في نفس الدورة 333 مرشحا جمعوا وحدهم 437 مليون دولار.
ويشير دان فرومكين في مقالة نشرها في جريدة واشنطن بوست في 4 سبتمبر 1998 إلى أن متوسط تكلفة المنافسة على أحد مقاعد مجلس الشيوخ في عام 1996 وصل إلى 3.765 مليون دولار، بينما يبلغ متوسط تكلفة المنافسة على أحد مقاعد مجلس النواب 675 ألف دولار أمريكي في نفس العام.
أما بالنسبة لانتخابات الرئاسة فحدث بلا حرج، إذ يشير تقرير للجنة الانتخابات الفيدرالية يرصد نفقات انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة خلال عام 1999 وحتى 31 يوليو 2000 إلى أن جورج بوش استطاع جمع 94 مليون دولار خلال تلك الفترة، بينما استطاع جور جمع 49 مليون دولار بينما جمع جميع المرشحين بما في ذلك المنسحبين 342 مليون دولار.
وبالطبع لا تمثل هذه الأموال كل النفقات الانتخابية، إذ يشير دان فرومكين في مقالته السابق الإشارة إليها إلى أن التكلفة النهائية لحملة انتخابات الرئاسة في عام 1996 والتي تنافس فيها بيل كلينتون مع بوب دول وصلت على 2.7 بليون دولار، و بالطبع زادت هذه الأموال في انتخابات 2000 الرئاسية.
ثانيا الإحصاءات السابقة تقودنا إلى سؤال هام وهو مصدر هذه الأموال؟ ومن أين تأتي؟ خاصة وأنه من الواضح أن لجان العمل السياسية لا تتكفل بكل هذه الأموال، ويقودنا هذا إلى الحديث عن الثغرات التي فتحها قانون لجان العمل السياسية، فالقانون كما ظهر في السبعينات وضع سقفا على حجم الأموال التي يمكن أن تتبرع بها المؤسسات والأفراد مباشرة للمرشحين السياسيين، فقد منع تبرعات المؤسسات وحدد حجم تبرعات الأفراد بألف دولار لك مرشح وخمسة ألاف دولار لكل لجنة عمل سياسية، بحيث لا تتعدى تبرعات كل فرد المباشرة للمرشحين أو للجان العمل السياسية أكثر من 25 ألف دولار في العام.
واستطاع السياسيون إيجاد عدد متنوع من الثغرات في القانون والتي استخدموها لإمداد حملاتهم السياسية بمئات الالاف أو ربما ملايين الدولارات، ومن أهم هذه الثغرات أن القانون لم يضع سقفا على حجم الأموال التي يمكن أن ينفقها شخص أو منظمة ما لمساندة فكرة سياسية يؤمنون بها، إذ اعتبر القانون هذه المسألة جزء من حق الأفراد في حرية التعبير، وقد فتح هذا الأمر الباب أم الأفراد والمنظمات لإنفاق كميات هائلة من الأموال تساعد مرشحيهم المفضلين بشكل غير مباشر. ففي العادة تقوم تلك الهيئات بدعم أفكار بعينها خلال موسم انتخابات معينة، وبالطبع يستفيد من تلك الدعاية المرشح السياسي الذي تتقارب أفكاره من الأفكار التي تروج لها المؤسسات الثرية.
وتقوم الأحزاب بنفس الشيء تقريبا وهو الانفاق ببذخ على حملات الدعاية المساندة لأفكار معينة والتي تفيد بشكل غير مباشر مرشحي الحزب.
وتسمى الأموال المنفقة من خلال هذه العملية بالمال الناعم (Soft Money)، وهو مال الذي يساعد المرشح السياسي بطريقة غير مباشرة، وبالطبع يصعب رصد هذا المال عن طريق لجنة الانتخابات الفيدرالية، ويعتبر أحد الأسباب الرئيسية للأرقام الفكلية التي تتكلفها المعارك الانتخابية.
وقد ظهرت محاولات قانونية عديدة مؤخرا لتفنين هذا المال بسبب أثاره السلبية على الانتخابات، وسوف اتعرض سريعا لبعض النماذج المعبرة عن حجم هذا المال.
إذ يشير دان فرومكين إلى أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي جمعا أكثر من 262 مليون دولار من الأموال الناعمة في حملة انتخابات الرئاسة لعام 1996 انفقت معظمها على دعاية تساند قضايا معينة.
ويشير فرومكين على أنه في بعض هذه الأعلانات خصص معظم الوقت للحديث عن مرشحي الرئاسة وخلفياتهم ومؤهلاتهم، ومع ذلك تم إدراج الأموال التي انفقت على هذه الإعلانات كأموال ناعمة وليس أموال جامدة ترصدها لجنة الانتخابات الفيدرالية.
ويقول أيضا أن بعض الاتحادات وجماعات المصالح انفقت 70 مليون دولار في نفس الدورة الانتخابية لمساندة أغراضها السياسية.
وفي عام 1997 جمع الحزبين الجمهوري والديمقراطي 74 مليون دولار كأموال ناعمة.
ويقول روميش راتنسار في مقالة نشرها في 2 نوفمبر 1998 في مجلة تايم الأمريكية أن في عام 1998 قامت 70 مؤسسة بإنفاق أكثر من 260 مليون دولار أمريكي على الدعاية الانتخابية. وأوضح أيضا أن الديمقراطيين انفقوا 17 مليون دولار على دعاية انتخابية لانتخابات الكونجرس في عام 1998 بينما انفق الجمهوريون 38 مليون دولار كدعاية على الانتخابات ذاتها.
وفي الخاتمة أحب أن أشير إلى ثلاثة قضايا أساسية، أولها أن هذه الأموال الطائلة مصدر ازعاج للعديد من السياسيين والمحللين الأمريكيين، وذلك بسبب أثارها السلبية على العملية السياسية الأمريكية، وسوف أحاول ان اتناول بعض هذه الأثار السلبية في مقالات مستقبلية إن شاء الله.
ثانيا ليس المطلوب هو النظر إلى الأموال كعوامل إفساد ذات تأثير سلبي فقط، فهناك حاجة على منظور محايد يدرك مزايا الأموال وعيوبها كمؤثر على الانتخابات والعملية السياسية الأمريكية.
وأخيرا فهم حجم الأموال التي تستهلكها العملية السياسية الأمريكية بشكل محدد ودقيق هو أمر ضروري للمسلمين والعرب الأمريكيين ولكل مهتم بالتأثير على العملية السياسية الأمريكية، وأتمنى أن تساعد هذه المقالة والمقالات المشابهة في توضيح الصورة أما صانعي القرار العربي والمسلم في أمريكا وخارجها. * علاء بيومي ، كاتب وباحث سياسي - واشنطن