المال السياسي يهدد شفافية الانتخابات في تونس

مخاوف من عودة ممارسات الحقبة السابقة

تونس - أثار "استنجاد" أحزاب سياسية برجال أعمال كبار ووضعهم على رأس القوائم الانتخابية على حساب النشطاء "قلقا" لدى الناخبين التونسيين من تأثير "رؤوس الأموال" على نزاهة الانتخابات وشفافيتها، فيما أعربت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عن "تخوفها" من "خطورة" المال السياسي على اتجاهات الرأي العام وعلى نتائج صناديق الاقتراع.

ويرى الناخبون أن تنافس الأحزاب السياسية الكبرى، مثل حركة النهضة الإسلامية وحركة نداء تونس، على استقطاب رجال الأعمال وترؤسهم لقوائم انتخابية في جهات لها ثقلها الاقتصادي والسياسي يعكس عدم ثقتها في عمقها الشعبي ومؤشر على أن تلك الأحزاب تراهن على المال السياسي لشراء الأصوات أكثر مما تراهن على أصوات أنصارها اقتناعا ببرامجها.

ويخشى غالبية التونسيين من "تزوير عقول الناخبين" من خلال حملات انتخابية "غير نزيهة" تشحن الناس وتستقطبهم إما بـ"توظيف الدين" ليجد الناخب نفسه بين خيارين "التصويت للمؤمنين" أو "التصويت للعلمانيين"، وإما بـ"توظيف المال" ليجد الناخب صوته في مزاد سوق انتخابية.

ويبدو تأثير المال السياسي أكثر خطورة في المدن الكبرى التي تعتبر خزانا انتخابيا بامتياز تحسم إلى حد بعيد طبيعة نتائج عملية الاقتراع، مثل مدينة صفاقس التي توصف بالعاصمة الاقتصادية، ومدينة سوسة التي توصف بالعاصمة السياحية، إضافة إلى تونس العاصمة التي تعد محرارا لقياس شعبية الأحزاب ومدى إشعاعها.

ورشحت حركة النهضة ضمن قوائمها الانتخابية 9 رجال أعمال بارزين من بينهم محمد فريخة صاحب شركة "سيفاكس" للطيران وهي أول منافس لشركة الخطوط التونسية المملوكة للدولة في تونس.

وكشفت أسماء رؤساء القوائم الانتخابية لحركة نداء تونس عن ترشيح 7 رجال أعمال، من بينهم منصف السلامي ورضا شرف الدين، الذين يديران إخطبوطا من الشركات الاستثمارية الكبرى في مدينة صفاقس وتونس العاصمة وعدة مدن أخرى.

وتسعى كل من حركة النهضة ونداء تونس إلى "الاستثمار الانتخابي" في رجال الأعمال من خلال الاستفادة من "الثقل" الذي يحظون به في ظل غياب شخصيات سياسية موالية لهما تحظى بثقة الناخبين.

وأعرب رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات شفيق صرصار عن تخوفه من تأثير المال السياسي على نزاهة الانتخابات، لافتا إلى أن هناك "تهديد جدي لنزاهة الانتخابات وشفافيتها في ظل مراهنة عدد من الأحزاب على رجال الأعمال".

واستنكر الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي "توظيف رجال الأعمال في خدمة أجندات حزبية واستقطابهم على رأس قائمات انتخابية طمعا في أموالهم ومراكزهم الاجتماعية"، مشددا على أن "المال السياسي سيصادر حرية الناخبين خلال عملية التصويت وسيدفع باتجاه انتخابات فاقدة للنزاهة والشفافية وتفوز فيها الأحزاب الأكثر قدرة على ضخ المال".

ودعا رئيس حزب المجد عبد الوهاب الهاني إلى عدم تحويل البرلمان القادم إلى برلمان لرجال الإعمال وعدم التداخل بين سلطة المال والسلطة التشريعية.

وقال الهاني إن ''ما لم يجرؤ عليه بن علي، جرأت عليه الترويكا'' وسمحت بالتداخل بين سلطة المال والسلطة التشريعية، داعيا رجال الأعمال إلى الاستقالة من مؤسساتهم لخوض الانتخابات أو سحب ترشحهم.

وعزت جنات بن عبدالله، المرشحة عن قائمة مستقلة، استقطاب الأحزاب السياسية الكبرى لرجال الأعمال إلى "نزعة خدمة المصلحة الحزبية الضيقة" على حساب المصلحة الوطنية"، مؤكدة أن "ترؤس عدد من رجال الأعمال لقائمات في مدن لها ثقلها الاقتصادي والسياسي والانتخابي يشكل خطرا على حرية الناخبين".

وأضافت بن عبد الله "إن أخطر ما يهدد الانتخابات القادمة هو شراء الأصوات إما بطرق مباشرة، أي الرشوة، أو بطرق غير مباشرة من خلال السطوة التي يمارسها المال في توجيه مواقف الناس واتجاهات الرأي العام".

وإضافة إلى "الاستنجاد" برجال الأعمال، تراهن حركة النهضة الإسلامية على الضخ المالي من شبكات الجمعيات الإسلامية التي تنشط تحت يافطة "جمعيات خيرية" وهي جمعيات سلفية ممولة من بلدان خليجية.

ويحذر المراقبون من "خطورة وتداعيات الذي يمارسه المال السياسي على حرية الناخبين"، مشددين على أن "الانتخابات البرلمانية القادمة لن تعكس إرادة التونسيين وحرية اختياراتهم السياسية في ظل تسلل المال السياسي إلى صناديق الاقتراع".

كما يحذر المراقبون من أن تفرز الانتخابات برلمانا أغلب ممثليه لجهات ومدن لها ثقلها الاقتصادي الأمر الذي سيعمق تهميش الجهات المحرومة التي قاد أبناؤها ثورة يناير/كانون الثاني 2010 احتجاجا على التهميش الاجتماعي والسياسي.