المالوف الليبي ينزل ضيفا على باريس

باريس - من هدى ابراهيم
المالوف يمثل الموسيقى التقليدية للجماهيرية

اتاح "مسرح المدينة" لجمهور باريس المتفتح على الالوان الاجنبية الاثنين الالتقاء مع فرقة حسن عريبي الليبية "للموشحات والالحان العربية" في حفلة نادرة صفق فيها الجمهور كثيرا لشخصية المعلم عريبي.
وقد جلس حسن عريبي على راس ثلاثين عازفا ومغنيا ومعروف انه تمكن عبر اعادة توزيعه لموسيقى المالوف وعمله عليها من المساهمة كثيرا في حفظ النوع الذي لم يكن مسجلا وملحنوه مجهولي الهوية ورثت الحانهم عن الاندلس.
ولم يترك عريبي بصماته على هذه الموسيقى التراثية التقليدية فقط وانما هو لحن لكثيرين في المشرق العربي ومن بينهم سعاد محمد والراحلة هدى سلطان اضافة لعلية التونسية فضلا عن الالحان التي وضعها للاغنية الليبية.
كما أسس عريبي وترأس لفترة "مؤتمر الموسيقى العربية" الذي تترأسه راهنا المصرية رتيبة الحفني والذي يعقد دوريا مؤتمرا خاصا به يجمع كبار معلمي ومؤلفي الموسيقى في العالم العربي.
وقبل ان تصدح الموسيقى في ارجاء المكان حيا عريبي "رجال الفكر والفن الذين يحافظون على ثقافة الشعوب على امتداد المعمورة ويعملون لنشر الامن والامان والسلم والسلام والمحبة وصدق الصلة والتواصل".
كما ابى عريبي ان يمر الحفل دون ان يشدد على فكرة ان الشعوب التي تنسجم مع فنونها وتراثها يمكن لها ان تتواصل من خلال ثقافاتها وموروثاتها.
بالزي التقليدي الليبي الاخضر والطربوش ذي الشرابة الطويلة استهل اعضاء الفرقة الحفل وقوفا بنشيد "الله اكبر فوق كيد المعتدي" الذي كان نشيدا وطنيا لكل من مصر وسوريا وليبيا ايام الوحدة وصار نشيد ليبيا الوطني بعد الانفصال.
وبعد المقدمة الخطابية والنشيد الوطني ادت الفرقة نوبة مالوف "نعس الحبيب" في غناء جماعي صدح في القاعة التي عمرت بتصفيق توالى بينما راح الايقاع وعلى عادة المالوف التونسي يتمهل ويتسارع متنقلا بين الالحان.
اعقب ذلك اداء دور "طرز الريحان حلة الورد" تلاها قصيدة "السلامية" الصوفية وقصيدة "دمعي جرى".
وكان عريبي قبل كل موشح او نشيد يقدم لذلك بقليل من الشرح فحين همت الفرقة باداء قصيدة "المنفرجة" للشاعر يوسف بن محمد بن ميمون التلمساني المعروف بابن النحوي وهي قصيدة اعتبرها "من عيون الادب العربي" قال: "ما قراها قارئ وهو في ضائقة الا وفرج الله عنه".
ويقول مطلع القصيدة "اشتدي يا ازمة تنفرجي، قد آذن ليلك بالبلج".
واختتم الحفل بلحن صوفي "يا مولانا يا رحيم" وتصاحب غناء الفرقة مع عزف على آلات العود والقانون والكمان والدفوف.
وكشف حسن عريبي انه اضاف على الموشحات وقصائد المالوف في حفلة باريس مقطوعات موسيقية تخللها عزف منفرد حيث اجاد هشام البكاري على الكمان وعريبي فتاح حسن على الناي وعريبي يوسف حسن على القانون.
وشارك في الفرقة عزفا وغناء ثلاثة من اولاد عريبي الذي قال انه جاد في نقل هذه الفنون لاولاده.
وفاجأ عريبي في تقديمه لمقطوعة موسيقية بعنوان "المحبة" بالقول ان لحن اغنية "دارت الايام" التي وضعها عبد الوهاب لام كلثوم مأخوذ عن لحن ليبي قديم واضعه مجهول واعاد عريبي توزيعه في لحن اخذه عبد الوهاب كاملا.
وقال عريبي عن الموضوع ان عبد الوهاب "الذي كان صديقا اعترف بذلك في المقابلات الصحفية لاحقا".
ويشرح محمد عريبي ان ما يميز المالوف التونسي عن غيره من المالوف السائد في المغرب العربي قائم في كون ليبيا اول بلد مغربي الى الشرق من حيث الجغرافيا لذلك فان موسيقى هذا البلد ظلت مفتوحة على الشرق.
والموشح يتخذ في ليبيا شكل الوصلة حيث وفي نفس النشيد مجموعة من الموشحات ما يقرب هذه الموسيقى من الموسيقى الشرقية.
ولا ينفصل المالوف في ليبيا عن الموشح بل هو يرتكز عليه بتركيبته الخماسية التي ولدت في الاندلس والمتعارضة مع القصيدة العربية.
وتملك ليبيا تراثا موسيقيا غنيا لكنه الاكثر تواريا في المشهد الموسيقي العربي والشمال افريقي.
واذا كان هذا التراث الموسيقي مرتبطا بالموروث الاندلسي لبلدان المغرب فان موسيقى المالوف استمرت وانتشرت في ليبيا بفضل الطرق الصوفية قبل ان يشهد مسارها ثورة في القرن العشرين.
وكان هذا الفن نما بشكل مستقل بعيدا عن الصالات والعروض ليمثل الموسيقى التقليدية للجماهيرية واكتست نصوصه في القرن العشرين ابعادا اخرى بانفتاحها على الجمهور العريض ونقلها الى الاذاعة والتلفزيون في الستينات.
في هذه المرحلة بالذات لعب عريبي دورا كبيرا في اعادة تأهيل وانهاض هذه الموسيقى في حين ظلت الاغنية الحديثة في ليبيا بعيدة عن الازدهار.
ويسمى هذا النوع من الموسيقى "مالوف" في تونس وطرابلس وبنغازي والقسطنطينية في حين يسمى "الصنع" في الجزائر العاصمة والـ" غرناطي" في تلمسان و الـ"آلة" في المغرب فيما يطلق على النوع في اوروبا اسم الموسيقى العربية-الاندلسية كما يكتب المختص في علم الموسيقى كريستيان بوشيه على المنشور المرافق للحفل.