المالكي وحزبه: اعتراف بالهزيمة؟

للشيعة مراجع وللدعوة مرجعه

المالكي المحترم لانشك في اخلاصه لقضيته العظيمة وفق معاييره وقناعاته، فقد قدم ولاشك، كل ما استطاع تقديمه لهذه القضية. ورفض خارطة الاصلاح السياسي التي أجمعت عليها أبرز الأحزاب، وحاول لأعوام أن يقوم بإصلاح الوضع على طريقته، فكلما اختلف مع حزب او جماعة، بعث إليهم كتيبة دبابات.

لكن الافلاك والنجوم عاكسته، فلم ينجح في تطبيق نظرياته، لا عسكريا ولا سياسيا. ربما لأن حسين الشهرستاني اخفى عنه الحقيقة، وربما لاننا نحن معارضوه منعناه من ذلك!

حاول التخلص من معارضيه بمذكرات اعتقال وبحرمان من الترشح، لكنه لم يعاقب الشهرستاني بل عاد وتحالف معه، ويقال أن (الخبير) النووي وعد المالكي بأن لا يخفي عنه الحقيقة (منا ورايح). وأول الحقائق التي اعترف بها له هي أن الفوز بثمانين او تسعين، أو مائة وعشرين مقعد حتى، لن يكون مهما، لأن توقيعه على أي إتفاق، لم يعد ذا قيمة، والحكومات تتشكل بالمفاوضات لا بالدبابات. ولذلك ربما، استقل الطائرة وغادر بعيدا، على امل ان الخارج سيفعل مالا يستطيعه الداخل!

إن النقاش حول شكل الحكومة سيتطلب ملاحظة جوانب عدة ومهمة، لكن على ذلك ان لا يجعلنا ننسى ان الاولوية هي لابعاد مجنون امسك بمقود الطائرة، وحين سننظف غرفة الكابتن من الجنون، سيمكن لمن هم اقل جنونا او اكثر عقلا ان يستأنفوا الحوار المفيد حول التسويات، وهو حوار اوقفه المالكي منذ لحظة خروج الاميركان رغم اصرار رئيس الجمهورية جلال طالباني على انعقاده مرارا دون جدوى.

في الحكومة الجديدة التي ستشكلها المعارضة الحالية، لن يفكر احد بإقصاء وتهميش الستين او السبعين (وحتى التسعين مقعداً) التي يحصل عليها ائتلاف المالكي وأتباعه، رغم ان الشعب سيتابع كيف ستتصرف المفوضية والقضاء مع نهج الرشوة المفضوحة الذي اعتمده هذا التكتل في شراء اصوات الناخبين بشكل علني، وبما يمثل سابقة لم نعهدها بهذا المستوى في الماضي.

لكن هؤلاء سيظلون جزءا من ممثلي الشعب وسنحرص كمواطنين على الدفاع عن حقهم في ممارسة دورهم التشريعي والرقابي، وسنكون متحمسين لرؤية الكفاءات منهم وهم ينخرطون في الحكومة، ويساهمون في تصحيح ما يمكن تصحيحه على هذا الصعيد، شرط ان لا يستثمروا "خبرة ثمانية اعوام في السلطة" لافساد رئيس الحكومة المقبل، وتحريضه على ارتكاب الاخطاء، والتحول الى مستشارين سيئين ورطوا المالكي وجعلوه يتمادى، ونخشى ان يحلموا بتكرار الحكاية مع خليفته.

"لقد هزمناكم". هذا ما يقوله انصار المالكي، ساخرين من فكرة ان المعارضين حصلوا على نصف أصوات الشيعة، وان في وسع هؤلاء تشكيل الكتلة الأكبر.

ولكن من قال لكم اننا منتصرون اساساً بالمفهوم السطحي الذي تعرفونه عن الانتصارات المخزية؟

نحن نعلم أن صوت الحمق ينجح منذ عقود في هزيمتنا. ليس ذنب المساكين الذين يتعرضون للتظليل ويشتموننا، ويصفقون منذ عقود، للدبابات الذاهبة، والموتى العائدين. بل هي دورة التاريخ السوداء التي نغطس فيها.

لسنا بحاجة الى انتخابات لتثبتوا انتصار الجنون على العقل. ولو لم يكن الجنون منتصرا لما كانت بلادنا تعيش واحدة من اسوأ لحظاتها وتعجز حتى عن رفع القمامة من شوارع كبريات مدنها.

لكن ماذا بعد، وهل نستسلم؟ وماذا عن ملايين العراقيين الذين صوتوا حتى في معاقل المالكي، للمسار المتعقل ضد المسار المجنون، وكانوا مع سياسة الحوار وضد الارتجال والتسرع والمكابرات الفارغة؟

إن ازاحة الحمق من دار الامارة امر صعب. لكن الأصعب منه بقاء الحمق هذا يتحكم بمصائرنا. ولن نكل او نمل، من معارضته.

سرمد الطائي

كاتب عراقي