المالكي والأخطار الثمانية

بقلم: ماجد أحمد السامرائي

في العراق تشبثت الأحزاب السياسية بأهم عنصر من عناصر الديمقراطية الذي يفتح الطريق أمام سلطة الحكم وهي "الانتخابات" ومنتجها التشريعي البرلمان، مع اغفال مقصود في بعض الأحيان لجوهر السلطة الديمقراطية ومادتها الحية: تنفيذ رغبات وآمال الشعب. وليس كل حاكم تقليدي يصل إلى السلطة عبر الانتخابات التي أصبحت سمة شائعة للحكم، قادر على أن يصبح زعيماً سياسياً وقائداً شعبياً. في الحالة العراقية يفترض أن تشكل الديمقراطية وسيلة انقاذ، حيث يمر البلد بمفترق طرق بين أن يحافظ على كيانه كدولة مستقلة موحدة بهويته التاريخية، أو أن ينحدر إلى مهاوي التمزق والاندثار في وديان النسيان والظلمات. بلد ضعيف متعدد الرايات والطوائف والأعراق.

مهما يقال اليوم عن الكتل والقوائم السياسية ودرجات الفوز واستحقاقاتها، فقد أصبح نوري المالكي "الحاكم الأول في العراق" لأنه صاحب الكلمة الأخيرة في قرارات السلطة التنفيذية بعد ثمانية شهور من الفوضى السياسية التي أعقبت نتائج الانتخابات والتي كشفت عن الحقيقة المعروفة والتي حاول بعض السياسيين عدم التصريح بها، وهي اللعب بالطوائفية السياسية للحفاظ على السلطة للمرة الثانية منذ عام 2005 فيما ظل شعب العراق كل تلك الأيام وما زال متفرجاً نازفاً دم محنته الكبرى في جرائم الاحتلال ومافيات القتل والفساد والأخطر من ذلك كله التنفيذ المبرمج لثقافة التقسيم والكراهية والصراع الطائفي. كانت أدوات ومعايير مطبخ صناعة السلطة خلال الشهور الماضية طائفية، وخضع نوري المالكي في سعيه للوصول إلى الحكم في جانب من نشاطاته لتلك المعايير. وتم ايصال الأمور قبل توليه الحكم إلى حافة الهاوية مما كان يهدد وحدة العراق. وللأسف كانت الفرصة متوفرة للخروج من نفق المحاصصة الطائفية، لكن بعض الزعامات والمرجعيات وتحت هواجس الخوف على المصير السلطوي تشبثت بذات الطبخة التي صنعت حكومة 2005. لكن عودة المالكي للسلطة تختلف كلياً الآن عن ولايته الأولى.

المالكي اليوم يبحث عن الدخول في ميدان الزعامة ليضم اسمه إلى قائمة الزعماء السياسيين الذين حكموا العراق. لكن الزعامة الوطنية لا تنتج عبر الانتخابات حتى لو كان الفوز فيها 100% الزعامة هي ناتج مخاض وطني شعبي كبير، ولا يختلف اثنان على أن العراق وقع تحت أبشع احتلال عسكري، فلا يعقل أن يحقق البطولة الشعبية من لم يقاوم الاحتلال، بل جاء للسلطة بأفضاله..وقد توضع التبريرات لابعاد هذه الشبهة عنه وعن غيره من قادة العملية السياسية الراهنة. ولعل الطريق الوحيد لذلك هو تلبية الحاجات التاريخية المباشرة للشعب العراقي، وبذلك ينفتح مسار الزعامة الوطنية لمن يريدها بجدارة.

لكن هناك معوقات ومخاطر جدية تواجه الحالم بالزعامة الوطنية العراقية وهو المالكي، عليه تجنبها، وهذه المخاطر لا تتعلق باستمراره الشكلي في السلطة، فلا توجد قوة سياسية ستسقطه عبر البرلمان لاستناده مرة ثانية على المعادلة الطائفية "الشيعية الكردية" بعد تعهداته الخطية لتلبية مطالب الأكراد في الخارطة الجغرافية والسياسية القومية. كما لا توجد امكانية نجاح سيناريو انقلاب عسكري مع تواجد خمسين ألف جندي أميركي على أرض العراق ومن بين أهدافهم الأساسية حماية نظام الحكم الحالي.

المخاطر التي أتحدث عنها تتعلق بانغلاق الأبواب أمام مشروع زعامته السياسية، وتعطّل امكانيات الانفراج لتلبية حاجات المواطنين الأساسية. وهذه السطور هي بمثابة نصائح عبر الاعلام ليس للدفاع عن بقاء واستمرار السلطة الحالية أو عنه شخصياً، وانما حرصاً للحفاظ على الحد الأدنى من مستلزمات بقاء العراق موحداً وبعيداً عن مخاطر الانهيار.

قد تتطور الحالة السياسية الحالية بعد توفير عنصر الاستقرار الأمني، واذا ما خضعت لشروط المعايير الوطنية الصادقة إلى فرص للاصلاح الوطني الشامل في جميع الميادين، والتخلي عن الطوائفية السياسية المريرة. وللمالكي تجربة خاضها محاولاً الخروج من دائرة الحكم التمثيلي لحزب الدعوة إلى ميدان الزعامة الوطنية السياسية عبر الشعارات. هذه المحاولات جرت خلال انتخابات مجالس المحافظات 2008 ونجح من خلالها في كسب أصوات هائلة ووصلت فيه الحالة في الدعوة إلى المصالحة مع البعثيين، لكنه تراجع بعد تحذيرات كوادر حزبه الدعوة العدو اللدود للبعثيين. ثم أعاد التجربة في فترة الانتخابات الأخيرة ونجح كذلك مما ولد لديه يقيناً بأن المشروع الوطني هو العصا السحرية كشعار مجرّب قبل الانجاز.

اذن المالكي يعيش اليوم منعطفاً مهماً في مساره السياسي ما بين تكراره لتجربة السلطة التمثيلية التقليدية لحزب الدعوة وقد تتسع في شعارها للتعبير الطائفي، ويحسب أيامه إلى ما سبقها من الدورة الأولي من حكمه، وبين خيار الزعامة الوطنية السياسية.. فأي طريق سيختار؟ ارضاء من والاه أم ارضاء شعب العراق؟ ارضاء متطلبات الحزب والآديولوجيا وامتداداتها العابرة للحدود أم تلبية احتياجات القيم الوطنية وهوية العراق الموحدة واعادة العراق لممارسة دوره المدني والحضاري ومكانته العربية التي ينتمي اليها ولديه جميع المستلزمات لذلك؟

سياسة ارضاء الموالين والمصفقين والمنافقين سهلة عن طريق توزيع المغانم في السلطة التي تتسع لكثر من هؤلاء وغيرهم، لكن مهمة ارضاء شعب العراق عسيرة جداً، خصوصاً في ازاحة الظلم والضيم الذي واجهه منذ عام 2003 ولحد اليوم والتي أضيفت إلى سلسلة المظالم القديمة.

لكن المحنة الحالية يشارك في مسؤوليتها حكام اليوم.

لا نريد سرد سجل المظالم، ولكن أمثلتها الشاخصة تتمثل بتقارير المنظمات الدولية والعراقية التي تتحدث عن أرقام مخيفة لا يمكن تجاوزها: منظمة الشفافية الدولية قالت في أكتوبر 2010 ان العراق هو من بين أربع دول الأكثر فساداً في العالم. ورئيس هيئة النزاهة العراقية قال: قيمة الفساد المالي للوزارات العراقية للعام 2010 فقط تجاوز المليار دولار. واحدى منظمات حقوق الانسان العراقية قالت: هناك عشرة ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر واثني عشر مليون شاب عراقي عاطل و3.2 مليون معوّق. وهذه الأرقام متداخلة.

لعل أولى المخاطر التي يواجهها المالكي هي تجاهله لواقع المحنة العراقية بسبب ما يبرره له الحواشي والمستشارون بأن الأرقام مبالغ فيها، أو وقوعه تحت ضغوط الانغمار في البرنامج الحكومي والمصالح الفئوية الخاصة، وبعض برامج السياسات الداخلية والخارجية التي يريد من خلالها عبر العلاقات العامة تحسين وجه الحكومة وليس عبر البرنامج الانقاذي. ان عدم الاستماع إلى صوت الشعب المدمي مباشرة والاكتفاء بالتقارير اليومية للدوائر الخاصة هو نصف الطريق إلى الفشل، وهو السد المانع أمام الزعامة الوطنية.

الخطر الثاني - هو هيمنة شعور الخوف من الآخر الوطني العراقي وذلك بالانغلاق الحزبي الضيق وهيمنة عقلية المعارضة في العمل السياسي.. والاستهزاء من مشروع المصالحة الوطنية، والخوف ناتج عن الضعف، فيما تنتج القوة والاقتدار مساحات واسعة للاستماع إلى الآخر. مشاعر الانغلاق الداخلي تنتج عنها بصورة ميكانيكية نوازع الثأر والحقد والعداء لخصوم الأمس، بدلاً من صناعة ورعاية بيئة البناء والتقدم والاستقرار السياسي والتسامح والسلم الأهلي والاجتماعي. لقد قننت بعد احتلال العراق 2003 تقاليد الاحتراب والثأر والحقد الذي يصل حدود محاربة لقمة العيش اضافة إلى شل الفعاليات الوطنية وحصرها بهذه الأحزاب الحاكمة.. وهذا ما صنعه "قانون الاجتثاث سيئ الصيت" الذي صممت فكرته داخل دوائر البنتاغون ومن قبل مجموعة اليمين المتطرف (بول وولفوتيز وريتشارد بيرل ودوغلاس فيث وتومي فرانكس). وتأكيداً على ذلك أورد المثال التالي: كنا نحن مجموعة السفراء المتمردين على نظام صدام ما بين عامي 1991 و2003 ومن دون مبالغة تلك الظاهرة الفريدة لم تحدث من قبل في عالم المعارضات السياسية حيث تجاوز عددنا الثلاثة عشر سفيراً معارضاً لصدام واقامة لجوء غالبيتنا كانت في لندن. وفي أحد أيام أواخر عام 2002 وقبيل مؤتمر لندن قمنا أنا والزميل السفير ستار الدوري بزيارة أحمد الجلبي في مكتبه حيث كان رئيساً للمؤتمر الوطني العراقي وسألناه عما سمعناه عن وجود قانون لاجتثاث البعثيين بعد تغيير النظام، وما سيؤدي هذا الاجراء من نتائج سياسية سلبية واسعة لا تخدم مبادئ التسامح والوحدة الوطنية العراقية. وكانت للزميل الدوري مقترحات بديلة في هذا الشأن لا مجال لذكرها في هذه السطور.. أجابنا الجلبي بالحرف الواحد ومدً يده على الرف مبرزاً قائمة بأسماء على صفحة واحدة قائلاً "ان المجتثين لن يتجاوزوا الأربعة عشر شخصاً من الدائرة الخاصة بصدام حسين". ولكن الواقع أصبح غير ذلك مثلما هو معروف بعد أن وجدت أحزاب الدعوة والمجلس الأعلى وفيما بعد الأكراد الفرصة التاريخية للانتقام بعد أن حوله بريمر إلى قانون قال لهم عنه انه شبيه بـ"اجتثاث النازية". ان نتائج حملة الاجتثاث قد تركت آثارها الحزينة على آلاف العوائل البريئة، وخلّف هذا القانون وتطبيقاته سيولاً من الكراهية والحقد والثأر. صحيح ان قادة حزب الدعوة والمالكي كأمين عام للحزب هم أكثر من صفق لذلك القانون ونفذوه باندفاع شديد لكونه جاء رداً انتقامياً جاهزاً على قرار مجلس قيادة الثورة في عهد صدام بإعدام من يثبت انتسابه لحزب الدعوة.. على قاعدة الدم ينتج الدم. ولكن هذا القانون سيندثر وستنقلب آثاره السياسية على مدبريه ومنفذيه وسيأتي اليوم وليس ببعيد ليتنصل منه أصحابه بعد أن تكون السكين قد ذبحت الضحية. لابدّ من الخروج من دائرة العنف والثأر خصوصاً ان من بيده السلطة والحكم قادر على اشاعة المصالحة الحقيقية مثلما حصل على يد مانديلا وحزبه في جنوبي أفريقيا. وغيرها من الأمثلة الانسانية، ولكن للأسف ما زال مناخ الانتقام سائداً عند المتطرفين الخائفين على مغانمهم من داخل الأحزاب والمجموعات السياسية "الشيعية". ان القيادات المسؤولة في تلك الأوساط الحزبية بحاجة إلى مراجعة جدية لهذه القضية انطلاقاً من مصلحة وسلامة الوطن، بل ان المالكي هو الأكثر مسؤولية وحاجة اذا ما أراد الانتقال من الحاكم التمثيلي إلى الزعيم السياسي، في أن يطرح مشروع مصالحة جدية عبر مؤتمر وطني عراقي غير انتقائي تتم الدعوة من خلاله لجميع الرموز الوطنية العراقية ممن هم خارج العملية السياسية برغبتهم أو باقصاء متعمد، ومن أطراف للمقاومة الوطنية التي لم ترتكب جرائم بحق دماء العراقيين يساهم بشكل سريع لنقل البلاد إلى مرحلة من الاستقرار السياسي والأمني والوحدة الوطنية.

الخطر الثالث - هو تعطيل بناء الدولة العراقية العصرية الحديثة. فبعد اسقاط دولة العراق ومؤسساتها وأجهزتها المدنية عبر الاحتلال العسكري الأميركي عام 2003 وتحت عناوين أيديولوجية غريبة عن خصوصيات العراق تبنتها الأحزاب الحاكمة في العهد الجديد حُرم هذا البلد من امكانيات وكفاءات كثيرة كانت في مجموعها تشكل الجهاز التقني لحركة الدولة. لقد تكونت في العراق خلال العقود الأخيرة طبقة من الكفاءات العلمية والفنية والأكاديمية والابداعية في جميع الميادين لا يمكن حسابها وفق النظرة الأيديولوجية الضيقة وولائها السياسي، وبدلاً من رعايتها واستقطابها في بناء الدولة الجديدة لكونها ناتج تراكم الخبرات، تم تصفيتها عبر حملة الاغتيالات المنظمة بتوجيه وادارة أجهزة مخابرات أجنبية تستهدف بالدرجة الأولي منع مواصلة العراق لتطوره وتقدمه فيما هاجر من تمكن الخلاص من الموت.ومنع الكثير من الكفاءات لخدمة البلد تحت شعارات جاهزة " الصداميون" لقد سادت خلال السنوات السبع الماضية نظرية احلال الأميين والجهلة بدلاً عن الكفاءات. لأن الكفاءة النظيفة نور ساطع يطرد الغباء والأمية والجهالة والشرّ والتخلف. ان التحدي الذي تواجهه الزعامة العراقية هو مقدار ملامستها لناصية البناء والتقدم المدني عبر تنمية عصرية جديّة وبالاعتماد على الموجود من الكفاءات بعد دعوتهم مضافاً اليهم ما يمكن بناءه من قدرات وكفاءات شابة جديدة. فالدولة لا تبنيها جيوش الحزبيين وبينهم كثر من الأغبياء والجهلة المرّوجين لفكرة الاعتماد على الذات ومنع الانفتاح على الكفاءات العراقية الصادقة.. ان المقياس الحقيقي لمن يحلم بالزعامة هو أن يتمكن من اختراق جدران الحزبية الضيقة نحو الأفق العراقي الواسع.

الخطر الرابع- ابقاء سياج العراق وأبوابه مشرعّه أمام القوى الاقليمية والدولية ودوائر الاستخبارات الأجنبية بكل أنواعها ومافيات القتل والتخريب والارهاب. لأن تلك القوى والدوائر لا تسمح ببناء عراق وطني مستقل في سياساته وقراراته، والطريق الفعلي هو منع وتحريم نشاط وفعاليات الجماعات والمنظمات السياسية والثقافية والاجتماعية والتي تستظل بشعارات زائفة كمنظمات المجتمع المدني وغيرها، وان يرتفع شعار الولاء للوطن العراق أولاً في مختلف الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية.

الخطر الخامس - هناك فهم سائد بان الزعامة السياسية تعني الفردية او الجنوح نحو الدكتاتورية. وحقائق العصر تشير إلى غير ذلك. الزعامة في العالم الديمقراطي تعني التميز في القرار السياسي الشعبي أي الخروج عن تقاليد السلطة اليومية والتفاعل مع ضمائر الناس.. أليس العراق اليوم بحاجة إلى قرارات غير تقليدية جريئة؟ هل يستطيع المالكي أن يكسر تقاليد العمل اليومي ويخترق حواجز الحزبية والطائفية بقرارات شعبية جريئة تلامس معاناتهم وهو بذلك لن يكون خارجاً عن الاطار العام للدستور ولبرنامجه الحكومي.. وهذا لن يتحقق ان لم يتأمل لوحده بما يهّم جميع العراقيين بعد أن يدرس بعمق ودون انحياز فئوي معاناة الناس الجماعية والفردية ويتفاعل مع برامج حلفائه خصوصاً "العراقية " التي حملت لواء "المشروع الوطني" ويستخرج من خلالها إلى جانب غيرها مبادرات سياسية شعبية جريئة. هل يتمكن المالكي من أن يقرأ ويشاهد ويستمع يومياً إلى شكاوي الناس في الصحف والفضائيات المعارضة والاعتيادية، أو ملاحظات ونصائح الوطنيين العراقيين من خارج حزبه ودائرة حكمه ويسد آذانه عن أصوات المتملقين والمنافقين أفراداً أو جهات محلية أو خارجية، أم انه سيظل حبيس توجيهات ونصائح المرجعيات الأيديولوجية؟

الخطر السادس - تجاهل مبادئ هوية العراق العروبية.. وهذا أمر يتعارض ومشاعر أكثر من 80% من العراقيين تشكل العروبة انتماءهم وهويتهم الأصلية وليست العنصرية.. ان ذلك لا يعني تجاهل وجود أقليات قومية شريكة في الهوية (الأكراد والتركمان وغيرهم) ان عروبة العراق ليست بدعة أو دعوة سياسية لحزب أو مجموعة أو تيار، انها استجابة لحقيقة تاريخية. كما ان هذه العروبة لا تعني الاطار الدبلوماسي الشكلي (العراق عضو في الجامعة العربية). فعلى سبيل الافتراض لو تتم الدعوة اليوم لتأسيس الجامعة العربية مجدداً فهل لا يتقدم العراق للانتساب اليها؟ ان أكثر المخاطر التي يتعرض اليها العراق بعد كارثة الاحتلال هي تجريده من هويته العروبية تحت مسميات "الاختلاف والتعدد العرقي والطائفي" مطلوب التعبير جدياً عن صدقية انتماء العراق لأمته العربية، عبر اجراءات وسياسات تبرز في الخطاب السياسي والاعلامي الحكومي، وليس الاكتفاء باصرار العراق على استضافة القمة العربية. الخطر السابع - الخطر الطائفي.. فقد حفلت السنوات الماضية بنمو سرطاني للثقافة الطائفية، وللأسف أصبحت الهوية الطائفية وثيقة المرور نحو الجامعة والنادي ومحطة التلفزيون والمعرض الفني والابتكار العلمي وسط غياب خطاب سياسي واعلامي وطني شامل.. وهذا ساعد عناصر التفتيت والتخريب الاجتماعي والثقافي أن تأخذ دورها الرائد في الفعاليات العامة في المجتمع.. الزعيم الوطني العراقي بحاجة إلى القيام بمبادرات شعبية واسعة تؤكد حرص النظام والدولة العراقية الجديدة على تحريم الثقافة الطوائفية على جميع الصعد والميادين. والخطر الآخر المرتبط بذلك هو تصدر رجال الدين واجهات ادارة العملية السياسية في العراق وشؤونها خلال الفترة الماضية.. ومع احترامنا لهذه النخبة من رجال الدين (الشيعة والسنة) ولدورهم الدعوي، فان مكانهم الحقيقي هو الجوامع والحسينيات وهذا ليس تقليلاً من دورهم، ولكن هذه هي وظيفتهم، ويمكن أن تقام لهم الصروح والمراكز اللائقة بمهمتهم الاخلاقية والدينية تجاه الأفراد بعيداً عن الادارة السياسية.

الخطر الثامن - الزعيم أو القائد السياسي هو من يحسن قراءة الوقائع والأحداث ويمتلك حس المقارنة الموضوعية حتى وان صدرت عن أعدائه.. وقد تكون دروس الأعداء خيراً من قوائم التبجيل والتعظيم من الموالين والمنافقين.. عراق اليوم لا يعيش حصاراً اقتصادياً مثلما عاش لأثنتي عشرة سنة عجاف، ويلام النظام السابق انه ابتكر "النفط مقابل الغذاء" أو صنع" البطاقة التموينية" من أجل تمشية ماكنة النظام والدولة وحياة الناس.. لقد وضعت في العراق بعد عام 2003 مئات مليارات الدولارات سواء عبر مساعدات الأميركان أو أموال العراق من ثروته النفطية، فأين ذهبت والبلد لم يحل بعد مشكلة الكهرباء في ظل الفساد الذي أصبح العلامة المميزة للأجهزة الحكومية. العراق بحاجة إلى حملة انقاذ اقتصادي تتعلق أولاً بالحاجات الآنية للمواطنين قبل الاحتياجات التنموية.وكذلك في تشجيع أصحاب رؤوس الأموال العراقيين في الخارج ووضع التسهيلات أمامهم للاستثمار في العراق خصوصاً أولئك الذين أصبحت لديهم مكانة معروفة في الأوساط التجارية والاستثمارية العربية والعالمية.

العراق بحاجة إلى نهضة سريعة واستثنائية وهذه لا يصنعها سوى قادة استثنائيون.. وللأسف الشديد التشكيلة الوزارية الحالية لا تعطي الانطباع بامكانية حدوث تغيير جدي نحو مسار النهضة المطلوبة، وهذا ليس تشاؤماً ولكنه قراءة للواقع..ولكن المالكي قادر على أن يكون زعيماً استثنائياً.. فهل سينتزع هذا الشرف التاريخي عبر اخراج الوطن من محنته؟

ماجد أحمد السامرائي

لندن