المالكي في كركوك ليس نجاد في أبوموسى!

بقلم: رشيد الخيُّون

لم أسمع بجزر أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى إلا عصر الثلاثاء (30 نوفمبر 1971). كنا حينها طلبةً في ثانوية قتيبة بمدينة الثورة (صدام ثم الصدر)، وكانت الدراسة بالتناوب صباحَ مساء. أمرتنا إدارة الثانوية بالخروج إلى تظاهرة في ساحة التحرير وسط بغداد. ركبنا الباصات ولم نكن نعلم ما هو الحدث، فالانقلابات الصحيحة والوهمية كثيرة، وعند كل واحدة تُخرج الجماهير لتأييد التنكيل بمقترفيها. وصلنا ساحة التحرير ورددنا هتافات ضد الاحتلال الإيراني للجزر، وتأكيد عروبتها، وإشارات إلى عمالة شاه إيران. جرى ذلك قُبيل إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة (2 ديسمبر 1971) بيومين.

كان من حسن حظ الجزر أن العلاقة بين النظامين العراقي والإيراني متوترة، وإيران تعمل على إسقاط النظام ببغداد، ومن جانبه يرد العراق باحتضان المعارضة الإيرانية، الدينية منها والعلمانية. ولم يهدأ الحال حتى اتفاقية الجزائر (مارس 1975) المجحفة بحق العراق، تلك التي تظاهر النجفيون ضدها قبل غيرهم حين رددوا في المواكب: "شط العرب إلنه (لنا) مية بالمية يحسين شوف الخريطة" (شاهد عيان). وقعت الاتفاقية مقابل وقف دعم الحركة الكردية العراقية. انقضت تلك الأيام وما زالت قضية الجزر قائمة.

ظلت إيران على الرغم من قيام الثورة وما ينتظر منها من حلِّ متعلقات النظام السابق، والتوجه لإقامة علاقات حسن الجوار، إلا أن تصدير الثورة جعلها تتحدث بمنطق الثورة الدائمة (مذكرات منتظري). وبعد حين تبدلت الدنيا بالعراق، وأتى إلى السلطة مَن كان مدعوماً مِن إيران، فلما أُثيرت قضية الجزر في اجتماع البرلمانيين العرب الملتئم بأربيل (11 مارس 2008)، اختلف الوفد العراقي على اعتبار إيران دولة محتلة، مع أن البرلمانيين العرب كافة قد تضامنوا في بيانهم الختامي مع العراق ضد العنف الجاري، ومع وحدته.

ما بين زيارة نجاد إلى جزيرة أبو موسى (11 أبريل 2012) وزيارة المالكي إلى كركوك (8 مايو 2012) أقل مِن الشهر، وربما يُسأل: ما الربط بين الزيارتين؟ نعم ليس من ربط منطقي، لكن هناك من تحدث في الإعلام وكتب مغالياً في الحال إلى حد تشبيه زيارة المالكي إلى كركوك، وهي بلدة عراقية، بزيارة نجاد إلى أبو موسى وهي جزيرة إماراتية، لاعباً على وتر إسلامية الشخصيتين وإلى الصِّلات مع إيران المأخوذة بحساسية مفرطة من قِبل خصوم المالكي.

كركوك ليست أبو موسى، لم يحتلها العراق، لا من قبل ولا من بعد، مثلما لم يحتل أربيل ولا السليمانية، فهو كله العراق، ولا ضير في أن يكون إقليم له خصوصيته، ولا ضير أيضاً في كردستانية كركوك، لكن ضمن خيمة العراق. فالكلام عن احتلال العراق لكركوك أو أربيل منذ 1921 أراه عاطفياً جداً.

أليس أبرز مؤسسي الدولة العراقية، ومؤسس الجيش، وهو جعفر العسكري (قُتل 1936) كان كردياً؟ كذلك كان أبرز قادة الجيش ثم صار الرجل الأول في الدولة بكر صدقي (قتل 1936) كردياً؟ وإن بين بُناة الدولة العراقية كانوا كرداً، ذلك إذا علمنا أن أحذق وزير داخلية دعماً للوحدة الوطنية هو الكردي سعيد قزاز (أُعدم 1959)، وأن الأجدر في الإدارة كان آخر رئيس وزراء العراق أحمد بابان مختار (ت 1976). فليس لكم انتزاع كُردية هؤلاء.

عدا هذا أن العراق في خرائط البلدانيين وروايتهم هو هذا الذي فيه كرده وعربه وبقية أممه، فالمسعودي (ت 346 هـ)، وكذلك ابن رستة (ق 10 ميلادي) حددا نهاياته الشمالية مِن أعلى الموصل، وقديماً كان مصطلح النهايات يُعبر عن الحدود (الدُّوري، تاريخ الاقتصاد العراقي في القرن الرابع الهجري). "السَّواد وهو العراق، فقالوا حده مما يلي المغرب، وأعلى دجلة من ناحية آثور وهي الموصل القريتان..." (التنبيه والإشراف، الأعلاق النَّفيسة).

جاء العام (1742) في تقرير المطران عمانوئيل(ت 1773)، أسقف بغداد- كان العراق يسمى بغداد أيضاً: "الآن فهي ولاية خاضعة للسلطنة العثمانية. وهي واسعة جداً، إذ تشمل مناطق عديدة هي كلدة وما بين النهرين، وقسماً من البادية العربية، وتمتد حدودها إلى بلاد فارس وإلى ديار بكر شمالاً، وتشمل منطقة مادي شرقاً، وهي المعروفة بكردستان" (مجلة بين النَّهرين).

وجاء في تنظيم العراق الإداري، مِن قبل مدحت باشا (قُتل 1884)، تقسيمه إلى عشرة سناجق (ألوية أو محافظات) العام (1869): بغداد، شهرزور (كركوك وتتبعها أربيل)، السليمانية، الموصل، الدِّليم (الأنبار)، كربلاء، الديوانية، البَصرة، العمارة (ميسان)، المنتفك (النَّاصرية). وعندما تفصل إدارة الموصل، أحياناً، لشأن أمني، ويكون اتصالها مباشرة باسطنبول، تبقى شهرزور والسليمانية تابعة لها (صحيفة الزوراء، العدد: 2 المؤرخ 12 ربيع الأول 1286هـ).

أكتب هذا، ولست مقدساً لتراب أو لحدود، فالإنسان قبل كلِّ شيء، إنما وحدة العراق هي الظل الوارف على رؤوس الجميع، وبشكل سلمي ديمقراطي هذا ما قاله رئيس الإقليم: "العراق لنا وكردستان لكل العراقيين"! دعائم الوحدة والإخاء أبلغ مِن دعائم التباعد والكراهية. فنحن أول مَن استبشرنا بأن يكون رئيس العراق كردياً، وهو تأكيد على المواطنة لا نصفها. ولا أظن أننا في أقصى الجنوب كنا نتحدث بحقوق قومية للكُرد عبر منشورات مكتوبة بالكردية إنما بالعربية.

لا أريد الدخول في أمر كركوك، ولا يهمني أن تكون تابعة للمركز أو الإقليم فهو بالأخير عراق وهذا الأمل المأمول، لكن الضجة على عقد مجلس وزراء العراق بكركوك لا مبرر لها، ولا شبه ولا تلاقي بين زيارة المالكي لكركوك العراقية وزيارة نجاد إلى أبوموسى الإماراتية، فالمالكي عراقي داخل العراق، ونجاد أجنبي داخل بلاد أخرى تحت القوة والاحتلال. لم يكن هناك معنى لمقاطعة الوزراء الكُرد لاجتماع مجلس الوزراء بكركوك، وكل ما أُثير مِن ضجة.

ألا تصبح كركوك مذبحاً يُنحر فيه العراق بمركزه وإقليمه معاً؟ فالنفط آيل للنضوب إذا كان هو الفتنة، فقد قدم وزير النفط الأسبق عصام الجلبي، أحد التكنوقراط المختارين في مجاله، التعازي بأشهر وأقدم بئر فيها، وهي بابا كركر(صحيفة المواطن)، طُمر بعد أن نَفطَ الذَّهب الأسود لعقود طويلة.

فكروا بالعراق خيمة مِن هجير العاديات، فهو الغائب الوحيد في الملفات المطروحة على طاولات الحوار، عفواً الشِّجار!

رشيد الخيون