الماضي يناقش أنماط الرواية العربية الجديدة

كتب ـ أحمد فضل شبلول
تمرد على الجماليات الروائية المألوفة

يفرق د. شكري عزيز الماضي بين ثلاثة أنواع من الرواية العربية هي: الرواية التقليدية، والرواية الحديثة، والرواية الجديدة، متوقفا بالبحث والدراسة عند تجارب روائية جديدة متعددة في مبانيها ومتنوعة في معانيها ودلالاتها الفنية، وهي تجارب لا تنحصر في بيئة عربية محددة بل تمتد لتشمل الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، رافضة بعنف الجماليات الروائية الراسية.
ويرى الماضي أن الرواية التقليدية نتاج رؤية تقليدية للفن والإنسان والعالم، وهي ببنائها العام وأدواتها تعيد إنتاج الوعي السائد، وعلى الرغم من ذلك يجد القارئ روايات تقليدية في معظم الأقطار العربية في العقود الأخيرة من القرن العشرين لكنه وجود هامشي وضعيف وغير مقبول أو مستساغ.
أما الرواية الحديثة فقد ظهرت تلبية للحاجات الجمالية الاجتماعية المستجدة دون إغفال لأثر التراث من ناحية والمؤثرات الأجنبية من ناحية ثانية، وهي من ناحية أخرى تعبير عن وعي فني متطور وتجسيد فعلي لمفاهيم أدبية ونقدية جديدة تتصل بوظيفة الرواية وصلتها بالواقع وعلاقتها بالمتلقي.
ويرى كتاب "أنماط الرواية العربية الجديدة" أن التجديد الأدبي والفني لا يقتصر على التغيير في الأسلوب ولا يعني التزيين والزخرف وإضافة الأصباغ والألوان ولا يعادل مسايرة الدرجة السائدة في مكان آخر، بل يعني ما هو أعمق من هذا كله وأدل من هذا كله، إنه يعني إحساس الأديب بأن الأدوات القديمة أو المألوفة لم تعد ناجعة في تحليل الواقع والتفاعل معه وتفسيره وفهمه، ولهذا كان لابد من البحث عن أدوات جديدة فاعلة في هذا المضمار، أو بمعنى آخر حيازة جمالية للعالم أو بحث عن عالم أفضل.
وفي الرواية الحديثة كثيرا ما يستخدم ضمير المتكلم بدلا من ضمير الغائب، أو نجد تعددا في الرواة وتنوعا في الضمائر، والاعتماد على لغة إيحائية تصويرية بعيدا عن التقرير والمباشرة.
ومهمة الفن الروائي في الرواية الحديثة تكمن في إثارة الأسئلة والإجابة عن أسئلة أخرى.
أما الرواية الجديدة فهي مفارقة للرواية الحديثة، ويرى الماضي أن هزيمة عام 1967 كانت الحد الفاصل بين مرحلتين في حياة الرواية في الوطن العربي، ما أدى إلى تهيئة المناخ الملائم للتمرد على الجماليات الروائية المألوفة وإبداع شكل روائي جديد بعناصره وبنائه وتفاعلاته الذاتية والموضوعية وفلسفته وقيمه الفنية التي يسعى إلى تجسيدها.
وعلى ذلك فالرواية الجديدة كما يرى الماضي تعبير فني عن حدة الأزمات المصيرية التي تواجه الإنسان، فعندما تتشظى الأبنية المجتمعية ويفقد الإنسان وحدته مع ذاته، لابد من الاستناد إلى جماليات التفكك بدلا من جماليات الوحدة والتناغم، ومن هنا تولد الرواية الجديدة التي تفجر منطق الحبكة القائمة على التسلسل والترابط أو البداية والذروة والنهاية، وتحطيم مبدأ "الإيهام بالواقعية".
ويتوقف الباحث الأردني د. شكري عزيز الماضي في كتابه الجديد "أنماط الرواية العربية الجديدة" الصادر عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت (العدد 355) عند تجارب روائية عربية جديدة ظهرت بوادرها في العقود الأخيرة من القرن العشرين وحتى يومنا هذا، في مصر والمغرب وتونس والجزائر والعراق ولبنان وسورية والأردن وفلسطين.
ويضم الكتاب صوت روائيين شبان جدد إلى جانب صوت المرأة الروائية، وصوت الروائيين الذين نشأوا وترعرعوا في حقل الرواية الحديثة، ثم ما لبثوا أن تحولوا إلى حقل الرواية الجديدة، ولاشك أن هذا التنوع يتيح فرصة أكبر لاستخلاص الفكر الروائي العربي الجديد بألوانه وأطيافه.
يضم الكتاب أحد عشر فصلا وتصديرا وخاتمة، وفي كل فصل من فصوله يقف الكاتب بالبحث والدراسة عند اسم روائي معين أو عند عمل أو أعمال روائية معينة.
والأسماء الروائية العربية التي توقف عندها الماضي بالبحث والدراسة هي: إميل حبيبي (السرد المهجن والمفارقات)، سليم بركات (بنية السرد الغنائي)، إلياس خوري (بنية السرد / الدوائر الدلالية)، صلاح الدين بوجاه (بنية السرد الفسيفسائي)، تيسير سبول (بنية السرد / جماليات التفكك والتشظي)، مي التلمساني (البنية السردية / سيرة الأشياء)، أحمد المديني (بنية السرد / النمو الاستعاري)، فاضل العزاوي (بنية السرد / الرواية = القصيدة)، إبراهيم نصر الله (بنية السرد / التناسل اللاعضوي وتراسل الأجناس)، الطاهر وطار (بنية السرد / جماليات الرعب وانهيار المجاز والترميز)، رؤوف مسعد (تفتت البنية السردية وانكسار المعنى).
وبعد هذه الجولات في عالم هؤلاء الروائيين العرب يخلص الماضي إلى أنه لم ينحصر ظهور الرواية الجديدة في بيئة عربية بعينها، بل امتد ليشمل الوطن العربي بأكمله، وأن هذه التجارب الروائية ترفض التقاليد الجمالية الراسية وتتمرد على المنظومات الفكرية والأيديولوجية المألوفة، وأنها تستند إلى مفاهيم جديدة وفلسفة فنية خاصة، مع ملاحظة غياب البطولة وغياب البطل أو الشخصية المحورية، ووجود حساسية خاصة تجاه الزمن، فهناك محاولات دؤوبة لكسر الزمن أو تجميده أو نفيه.
أما عن اللغة في هذه التجارب الروائية فتقوم بمهمات متعددة منها جذب القارئ ودفعه إلى متابعة القراءة من خلال توليد الأسئلة والتساؤلات المستمرة وتعدد المستويات اللغوية والميل إلى اللغة المكثفة والموحية واستخدام السخرية والتهكم والرموز المنوعة، وغير ذلك.
ويلاحظ الباحث أن هذه الروايات لا تضحي بقارئها، وأن فعل الكتابة لا يكتمل إلا بفعل القراءة، وأن هناك مجالا واسعا لقراءات نقدية متعددة، وربما تأويلات متعارضة أو متناقضة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية