المؤسسة العسكرية التركية.. تداعيات داخلية

انقلابَي الستينيات والثمانينيات من القرن المنصرم قد جاءا عقب نهضتين اقتصاديتين

يتوقع خبراء أتراك أن تفضي السياسات الراهنة لحزب العدالة والتنمية، على الصعيدين الداخلي والخارجي، إلى تمهيد السبيل لعودة الدور السياسي للجيش التركي، ذلك أن تنامي جنوح تحالفات الدولة التركية إبان حكم العدالة والتنمية من جهة الغرب وإسرائيل، إلى جهة تيارات الإسلام السياسي في بلدان المنطقة، من شأنه أن يدفع بالغرب إلى لعب دور في مساعدة المؤسسة العسكرية التركية على العودة إلى صدارة المشهد السياسي مجددا.

مثلما ساندها في السابق عبر تحريضها على الانقلاب على السلطة المدنية الحاكمة مرات شهيرة في تاريخ تركيا الحديث. حيث يوقن الغرب بأن المغانم الاستراتيجية التي تتوخاها حكومة العدالة من وراء هذا التحالف، هي التي كبلت الحكومة المدنية التركية عن لعب دور مؤثر في مناهضة تنظيم "داعش" وبقية التيارات العنفية الراديكالية في المنطقة، وهو ما يتعارض –تماماً- مع السياسات الغربية الراهنة في الإقليم.

تداعيات العدالة

علاوة على ما سبق، برأسها تطل التداعيات الداخلية لسياسة حزب العدالة والتنمية الإقليمية المتحالفة، ولو في الخفاء، مع الإسلام الراديكالي على مستوى الإقليم، حيث يبرز عاملان داخليان ضاغطان، فالحكومة المدنية الحالية، تواجه لأول مرة، كماً كبيراً من الاحتقان الشعبي الكردي، من جراء سياسة حزب العدالة والتنمية من المعركة التي كانت مستعرة في بلدة كوباني الكردية السورية، إذ سقط عشرات المنتفضين الأكراد لأول مرة منذ تسعينيات القرن الماضي، وكان من الممكن لهذه التظاهرات أن تستمر وتكدر السلم العام في البلاد، وتحرّض القاعدة الاجتماعية والسياسية العلوية على التحرك –أيضاً- للتعبير عن الاستياء من سياسة حزب العدالة والتنمية في عموم المسألة السورية، لولا نداء زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان ودعوته إلى التهدئة.

لا يرى أصحاب هذا الطرح أن مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والدستوري الذي وصلت إليه تركيا هذه الأيام، يمكن أن يشكل عائقا أمام أية تطلعات للمؤسسة العسكرية بالعودة إلى الحياة السياسية العامة، بحيث يمكن الادعاء بأن تركيا قد ولجت بالفعل وبشكل تام، ولا رجعة فيه، إلى عصر ما بعد الحياة العسكرية. ويستندون في ذلك إلى أن انقلابَي الستينيات والثمانينيات من القرن المنصرم قد جاءا عقب نهضتين اقتصاديتين وسياسيتين واسعتين، حققهما وقادهما كل من: عدنان مندريس وسليمان ديميريل على التوالي، ولم تشكلا عوامل رادعة للمؤسسة العسكرية عن اتخاذ تدابيرها الخاصة. كما أن انقلاب أواسط التسعينيات من القرن ذاته على نجم الدين أربكان، لم يكن يتضمن الملامح المتعارف عليها للانقلاب العسكري الكلاسيكي.

وقياسا على ذلك، يخلص أنصار هذا الرأي إلى أن الظروف الاستثنائية التي تعيشها تركيا –حاليا- كما تلك التي تحيط بها إقليميا ودوليا، يمكن أن توفر مجتمعة مناخا مواتيا ومشجعا للمؤسسة العسكرية، كي تقدم على اتخاذ خطوات أو تبني إجراءات استثنائية قد لا تتماشى والسياق العام للتطور السياسي والاقتصادي الذي تشهده تركيا منذ عقود. وهي الخطوات والإجراءات التي قد لا تنطوي بالضرورة على السمات والمعالم المتعارف عليها للانقلاب العسكري الكلاسيكي أو التقليدي، حسبما هو متفق عليه في الأدبيات السياسية أو مبادئ ونظريات علم النظم السياسية، ولا سيما أن تدخل الجيوش في العملية السياسية لا يمكن أن تختزل -فقط- في الانقلاب العسكري، كلاسيكيا كان أم حداثيا أم إلكترونيا، وإنما قد يتأتى في صور متنوعة وأشكال وإجراءات متعددة، كممارسة الضغوط على الحكومة المدنية، أو حملها على اتخاذ إجراءات أو قرارات بعينها، أو تحصين الجيش ضد أية محاسبة أو مساءلة، وتمتع رجالاته وقياداته ومؤسساته ومنشآته بمزايا ربما تقلص من سلطة الدولة أو سيادة القانون عليهم.

تغيرات طارئة

وههنا، برأسه يطل التساؤل البحثي المهم والمركب بشأن تأثير حدوث أية تغيرات، قد تطرأ على الاعتبارات المحفزة والعوامل المساعدة، السالف الإشارة إليها، على التزام الجيش التركي بسياسة النأي الاضطراري بالنفس عن الحياة السياسية من عدمه. فربما يستنفد حزب العدالة مقاصده ومراميه من إبعاد الجيش عن الساحة السياسية، مثلما كان يعمل بدأب في مستهل انفراده بالحكم، بعد أن تضطره تحديات داخلية وضغوط خارجية لإعادة النظر في هذا المسعى، أو تهدئة وتيرته نسبيا أو مرحليا، بل قد يلجأ إلى التنسيق مع الجيش في مواجهة خصومه السياسيين المدنيين كالمعارضة العلمانية أو جماعة فتح الله غولن مع اشتداد وطأة الصراع السياسي فيما بينهم خلال الآونة الأخيرة.

على صعيد آخر، ربما تتبدل مواقف الداعمين الغربيين إزاء مسألة تحييد الجيش التركي عن السياسة من جراء ارتباك الأوضاع الإقليمية والدولية بفعل التداعيات الأمنية والجيو-ستراتيجية السلبية للثورات والانتفاضات الشعبية العربية، كما الحرب على الإرهاب و"داعش" وسائر التنظيمات الراديكالية المتطرفة، فضلا عن تطلع القوى الغربية لإعادة هندسة منطقة الشرق الأوسط جيو-ستراتيجيا وإثنيا، بما يتماشى ومصالح هذه القوى وتطلعاتها الاستراتيجية المستقبلية، وهو ما قد يتطلب تعظيم مشاركة الجيش التركي في عملية صناعة القرارات المتعلقة بالسياسات الخارجية والأمنية والعسكرية للدولة التركية، خصوصا مع استمرار فرص وآليات التنسيق الاستراتيجي مع الحلف الأطلسي، أو غيره من الحلفاء الإقليميين أو الدوليين من أجل التعاطي مع هذه الارتباكات وتهيئة الأجواء لبلوغ تلك التطلعات.

وفي هذا السياق، برز جليا ملمح مهم لتأهب الجيش من أجل استعادة حضوره على الساحة، وذلك حينما سعى إردوغان مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 لإدراج جماعة "خدمة" التي يتزعمها الداعية الإسلامي المقيم في بنسلفانيا: فتح الله غولن، ضمن قائمة الجماعات والمنظمات الإرهابية، حيث أوردت وسائل إعلام تركية أن إردوغان فشل في إقناع الجيش بالموافقة على ضم الجماعة إلى تلك القائمة، خلال اجتماع مجلس الأمن القومي الذي دام عشر ساعات، حيث اشترط الجيش أن تُدرج على تلك القائمة كل الهيئات الدينية المشابهة لجماعة غولن، علاوة على المنظمات الكردية الداعمة لحزب العمال الكردستاني، ومن ثم قررت قيادات الجيش تأجيل النظر في الأمر برمته.

التظاهر الشعبي مع مَن؟
وارتأى مراقبون أتراك أن هذه كانت هي المرة الأولى -منذ عدة سنوات خلت- التي يستعيد الجيش خلالها صوتاً قوياً داخل مجلس الأمن القومي، خصوصاً مع تفاقم الحديث عن انزعاج المؤسسة العسكرية من المسار الذي اتخذته مسيرة حزب العدالة والتنمية للحلّ السلمي مع حزب العمال الكردستاني، والتي اضطرت الحكومة إلى تجميدها بإيعاز من الجيش بعد اتهامه لـ"الكردستاني" باغتيال ثلاثة من ضباطه نهاية أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته.

اعترافات أردوغان

في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، نجح الجيش في انتزاع اعتراف من الرئيس رجب طيب إردوغان، بأن كل الجماعات الإسلامية في تركيا تشكل تهديداً لأمن الدولة، مما يستوجب وضعها في إطار المنظمات غير الشرعية والخارجة على القانون. وقد تجلى ذلك في اعتراض الجناح العسكري داخل مجلس الأمن القومي التركي (الجنرالات) على طلب إردوغان تصنيف جماعة "خدمة"، التي يتزعمها الداعية الإسلامي فتح الله غولن، بوصفها منظمة غير شرعية، داعياً إلى وضع كل الجماعات الدينية في إطار واحد وعدم التمييز بينها، مما أدى إلى تعليق اتخاذ قرارٍ بهذا الصدد، وتأجيله للاجتماع التالي للمجلس، مع إجراء التحقيقات اللازمة في الموضوع.

وقد استفاد الجناح العسكري داخل مجلس الأمن القومي من الحرب التي أعلنها إردوغان على جماعة "خدمة" التي يتزعمها رجل الدين فتح الله غولن، التي اتهمها إردوغان بالتغلغل في أجهزة الدولة وتشكيل "دولة موازية" حاولت الانقلاب على حكومته، وذلك بعدما اتهم قضاة ومحققون تابعون للجماعة حكومته بالفساد والرشوة نهاية عام 2013. وفي هذا السياق، كشفت صحف إسلامية ويسارية وجود تقارير أمنية سرية تشمل رصد كل الجماعات الدينية في تركيا، ووضع رمز أمني لكلٍّ منها مع جمعها تحت مظلة تقرير واحد سمي كشف المنظمات الخارجة على القانون: "منظمات الدولة الموازية".

وانطلاقا مما ذكر آنفا فيما يخص تطور علاقة الجيش التركي بالعملية السياسية صعودا وهبوطا، يبدو جليا أن قضية العلاقات المدنية – العسكرية عموما، وعلى مستوى دول الشرق الأوسط على وجه التحديد، تحتاج إلى المزيد من الجهد والاجتهاد على مستوى البحث العلمي، حتى يمكن التنظير لها على النحو الأفضل، وتأطير تلك العلاقات بما يتماشى وطبيعة التحولات الثقافية، كما خصوصية الأوضاع الاجتماعية والتجارب السياسية في تلك الدول.