المؤرخ الحكيم بين الطوسي وابن الجوزي

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
هناك كتابات متشنجة

حسن عيسى الحكيم من المؤرخين الذين عرفتهم منذ أكثر من 40 سنة، اشهد بأنه متمكن من تخصصه ، دقيق في كتاباتته، جاد في عمله. يحث الخطى من اجل أن يصنع تاريخا لنفسه ولكن من خلال دأبه على توثيق تراث وتاريخ العراق ومدنه وخاصة النجف الاشرف والحلة والكوفة والناصرية.

ولد في مدينة النجف الاشرف سنة 1941، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها، ودخل قسم التاريخ بكلية الآداب – جامعة بغداد - ونال البكالوريوس1974، والماجستير 1974 والدكتوراه 1982. كانت رسالته للماجستير بعنوان: "الشيخ الطوسي أبو جعفر محمد بن الحسن 285-460 للهجرة 899-1068" وأطروحته للدكتوراه بعنوان: "كتاب المنتظم لابن الجوزي: دراسة في منهجه، وموارده، وأهميته". اشتغل مدرسا ومعاونا لعميد كلية الفقه جامعة الكوفة ورئيسا لقسم التاريخ بكلية الآداب – جامعة الكوفة وعميدا للكلية ورئيسا لجامعة الكوفة منذ سنة 2004 وحتى سنة 2006. حضر ندوات ومؤتمرات كثيرة داخل العراق وخارجه وهو عضو في اتحاد المؤرخين العرب وجمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين ونقابة المعلمين وعضو في الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق.

كتب عنه صديقنا حميد المطبعي في موسوعة "أعلام وعلماء العراق" والتي نشرت سنة 2011، وقال إنه يسعى في حقل تخصصه المعرفي نحو "الدقة في تحليل النصوص والصبر على دراستها".

كما رصد صديقنا الدكتور صباح نوري المرزوك في "معجم المؤلفين والكتاب العراقيين 1970-2000" جانبا من مؤلفات الحكيم ودراساته ومنها انه أصدر كتبا عديدة منها: "ابن الجوزي، وزارة الإعلام، بغداد، 1988 و"الشيخ الطوسي أبو جعفر محمد بن الحسن"، وطبع في النجف الاشرف سنة 1975 وكتاب "المنتظم لابن الجوزي: دراسة في منهجه وموارده وأهميته"، وطبع في بيروت 1985 وكتاب "بغداد في تراث ابي العلاء المعري"، وطبع 1987، و"مظاهر الدس الشعوبي في العصر السلجوقي" مشترك، بغداد، 1991.

له دراسات كثيرة منشورة في المجلات المتخصصة وخاصة مجلة التراث الشعبي التي تصدر في بغداد.

يقول عن منهجه في الحياة: "الكتابة القليلة بعمق وتحليل أفضل من الكتابة الكثيرة بحشو واجترار والصدق في الكتابة أمانة يجب الحفاظ عليها".

حين أحيل على التقاعد لمناسبة بلوغه السن القانونية كرمته كلية الآداب بجامعة الكوفة وقالت عنه إنه قضى في خدمة التاريخ والحركة العلمية نصف قرن. ومما قيل في الاحتفالية أن الدكتور الحكيم يعد رائدا من رواد الحركة التعليمية في العراق وهو أيضا رائدا في مجال التأليف والنشر ومتخصصا في مجال التأريخ الإسلامي. وقد مارس الحكيم عدة مناصب من بينها نائب الأمين العام لاتحاد الجامعات العربية. كما انشأ مؤسسة التراث النجفي. وأجرى معه مراسل وكالة "شفقنا" لقاء خاصا في الثاني من مارس/اذار 2012 عبر فيه – بدقة - عن آرائه، وأفكاره ومنطلقاته في فهم التاريخ، وكتابته، وفي ما كتبه المستشرقون، وفيما يجب أن نفعله لتنقية كتبنا التاريخية من الشوائب، وكيف نستخدم التاريخ وسيلة وأداة لتحقيق الوحدة بين المسلمين.

ومن آرائه التي يعتد بها وتصلح لان تكون دليل عمل مستقبلي في العراق وغيره من البلدان العربية والإسلامية انه يقول بأن الفكر الإمامي الشيعي فكر منفتح وأول من درس الفكر المقارن هو الفكر الإمامي، وكان الشيعة يحترمون المذاهب كافة في المناظرات التي كانت تعقد في العصور الإسلامية، وحتى الأئمة كانوا يحثون شيعتهم على احترام الطرف الآخر فقد كان ابن الكواء وهو شيخ الخوارج يتناول الإمام علي في مسجد الكوفة بحضور الإمام والإمام لم يمنعه.

ومما يدعو إليه الدكتور حسن عيسى الحكيم هو احترام الرأي الآخر ورفض التقاطع لان ذلك يضر بالوحدة الإسلامية "فالرأي والرأي الآخر جميل والاحتفاظ بالرأي جميل جداً سواءً التقى مع الرأي الآخر ...".

ويضيف أن علماءنا وأئمتنا كانوا يدعون لذلك وهنالك مؤتمرات علمية انعقدت في النجف من أجل قضية فلسطين وقضية الجزائر وقضايا العالم الإسلامي فعندما تحدث أي قضية تسيئ إلى العالم الإسلامي كانت النجف تستنكرها بغض النظر عن المكان والمذهب في هذا الجانب. وطالما نحن مسلمين وتجمعنا كلمة التوحيد فهنالك ثلاث نقاط يتفق عليها المسلمون كلياً بلا أي نقاش وهي: التوحيد، والنبوة والمعاد.

وحول كتابة التاريخ يقول: في كتابة التاريخ في العالم الإسلامي، الكتابات متنوعة ومختلفة. صحيح أن هنالك كتابات هادئة وهادفة، وهنالك كتابات متشنجة. في الواقع نحن بقدر ما نحترم الآخرين ولكن مسألة التشنج والتطرف بمجرد وجود نص معين بكتاب ما توجه السهام إلى ذلك الكتاب أو إلى المذهب ويقال أنتم على هذا الخط. في الحقيقة ما مكتوب في المصادر هو وجهات نظر تعبر عن صاحب الكتاب، ونحن لا نعتقد أن جميع الأحاديث صحيحة ولا جميع الروايات صحيحة، بعضها كتبتها السلطة، بعضها بوحي معين ... أنا درست الشيخ الطوسي ووجدت الشيخ الطوسي يوجّه نقداً للكليني وللصدوق في كثير من الأحاديث، بينما الكليني والصدوق من القمم الشامخة، فهذا لا يمنع في أن تكون هنالك وجهات نظر واعتراضات، أنا أجد نصاً غير عقلاني عند الطبري على سبيل المثال أنقده بروح محايدة هذا هو المطلوب نحن دائماً نريد الحياد لأن التاريخ أمانة، هذه الأمانة كيف نوصلها للناس وللمجتمع، أن لا نكون منحازين، أن لا نكون معتدين على الآخر، أن لا تصدر منا كلمات نابية اتجاه الطرف الآخر هذه الأمور كلها غير مطلوبة.

وفيما يتعلق بالمناهج التاريخية: المدرسية، والجامعية وهل هي تنسجم مع ما يمر به العراق من تحولات قال:

في الحقيقة لا. إلى هذه اللحظة لم تغير كثيرا، اليوم يوجد توجه في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لإعادة النظر في المناهج وشكلت لجان لمختلف العلوم والموضوعات من متخصصين حتى يوضع حد لحالات الاحتقان الموجودة في هذا الكتاب أو ذاك، المسألة رائعة وجميلة فيما لو أخذت طريقها السليم لأن الكتاب سوف ينقل إلى الناشئة بما فيه من خطأ أو صواب والناشئة تتلقى هذا. وهنا من المسؤول عن هذه القضية، بكل تأكيد المسؤول هو المؤلف أو الكتاب الذي يدرس هذه المادة، أنا لا أقول في تأليف الكتاب أن نكون دكتاتوريين ونفرض آراءنا على الآخرين، لا ولكن يمكن أن أقول أن هذا الكتاب هو مفردات متفق عليها وعلى صاحبه إذا أراد أن يتوسع أو يضيف فالأمر متروك له. وفيما اذا كانت هناك اراء مغلوطة فيجب معالجة الامر بأدلة منطقية لأن الوصول إلى الخبر هو أن لا نسقّط الخبر وإن كان ضعيفاً إلا إذا كنا نمتلك آليات التسقيط ..." ألديك الدليل أو البرهان الذي يضعف هذا أو ذاك أطرحه أما إذا لم يكن لديك الدليل فيمكن أن تسلك طريق السكوت أو الهدوء في هذا الجانب، فإن كنا نمتلك الأدلة والبراهين الكاملة بحيث يقتنع بها الطرف الآخر فهذا ممكن".

ومما يؤكده الدكتور حسن عيسى الحكيم: "أن التاريخ كتبته السلطة الحاكمة فهي التي أوحت للمؤرخين أن يكتبوه مع ما ينسجم وخطها آنذاك، فسياسة الترغيب قائمة وسياسة الترهيب قائمة في هذا الجانب، ولذلك حُذفت نصوص واستُبدلت نصوص ووضعت فضائل وحذفت أخرى. ونحن الآن بعيدين عن السلطة نعمل بالحياد التام فلا يوجد ترغيب ولا ترهيب وأمامنا نصوص فكيف نحاكم هذه النصوص فنعطي الحقيقة البيضاء إلى القارئ وهي أمانة علمية، إذن علينا أن نحترم ما هو مكتوب بغض النظر عن إيجابياته وسلبياته فهو موروث وجزء من التراث وأبدأ بهذا الموروث لأصنفه وأغربله، فالسليم أضعه في جانب والسقيم في جانب آخر...".

وحول حرية الفكر والموقف من الكتب التي تعبر عن وجهات نظر مخالفة لما هو سائد ومعروف قال:

"الكتاب الجيد اليوم هو الذي يفرض وجوده ويكون بمتناول الجميع والإنسان اليوم له القدرة على التمييز فيقول هذا كتاب جيد وهذا كتاب غير جيد وأنا في رأيي أن لا نضيّق على أي كتاب حتى إذا كان يتقاطع مع فكرنا فنحن مثلاً خدمنا البعض في منع كتبهم، فبمنع الكتاب ترجم إلى لغات العالم فأنا أقول يدخل الكتاب ونقرأه جميعاً وإذا لدينا القدرة على إسقاطه نؤلف قبالته وهذا هو الصحيح ومثل آخر الفلسفة الماركسية هي موجودة ويمكن أن نسقطها بفلسفة إسلامية أخرى ويبقى القارئ هو الذي يميّز هذا عن ذاك، والإنسان حريص على ما منع كما نعلم، وأنا من رأيي حتى الكتب السلفية لا تمنع، أنا وقفت مرغما على عملية إحراق الكتب أيام عملية السلامة الفكرية إبان النظام البائد في كليات بغداد لتراث كبير جداً. وهذا خطأ فعندما يحرق كتاب ما فإنه سوف يطبع منه المئات بل الآلاف. الفكر يبقى فكراً ولا يقاومه شيء.

وحول ماكتبه المستشرقون قال: ثمة دراسات عديدة للمستشرقين وثمة أخطاء وقعوا فيها وهناك نقد لهم ونحن من طرفنا لا بد أن نقول للمستشرق إنك لم تفهم التاريخ الإسلامي بشكل جيد، أو إنك لم تقف على هذه المسألة وقفاً جيداً وهذا غير صحيح فالنقد قائم وموجود ونحن نحتاج إلى الحقيقة والى رجال يكتبون بالطريقة السليمة الصحيحة.

نحن اليوم بحاجة إلى التخصص حتى تأتي الكتابات عميقة فعلى الجميع أن يتخصص فإذا قمنا بعملية التخصص المعرفي فسوف لا يبقى شيء.

ومثل ذلك قضية الحسين عليه السلام فقضية الحسين لها أهمية تاريخية، ونحن نتمنى عندما يصدر كتاب عن الحسين من أي مكان من العالم لو يصدر من النجف ونحن نحتاج إلى القضية التي تخص أهل البيت وطبعاً الإمام الحسين له الجانب الأكبر ونحتاج إلى خطابة ناضجة وهذه نقطة أساسية مهمة فعلى الخطيب أن ينتقي النص السليم والصحيح ويورده على المنبر، فالحسين ليس بحاجة إلى مديح وبكاء أبداً فالحسين هو الحسين.

أنا أقول دائماً أن للإمام ثورتين ثورة سلمية أيام معاوية عبر المراسلات التي كانت ثورة بذاتها وهذه قضية لم نسمعها على المنابر ولم يتطرّق إليها الباحثون لا من قريب ولا من بعيد. وثورة أيام يزيد كانت مسلحة أدت إلى استشهاده ولم تكن ثورة الإمام الحسين عفوية وسريعة وغير مخطط لها وإنما لها قدمها وجذورها. فعلينا فهم الأئمة فهما جيدا من خلال فهم الإمام، وأنا أقولها بمرارة إننا لم نكتب عن الإمام علي وعن الإمام الحسين عليهما السلام بالشكل المطلوب.

اليوم الفرصة متاحة للباحث أمامه الانترنت، تأتيه المراسلات بالسرعة المطلوبة وكثير من المخطوط تحقق وتطبع فبعد أن كان الباحث يقطع الفيافي بحثاً عن الكتاب، اليوم تبقى المسألة كيف يوظف هذا ولكن هنالك مسألة تحز في النفس على البعض أن يبتعد عن المسروقات. فحين يجد الباحث رأيا جميلا عليه أن يشير إلى صاحبه لا أن يسرقه.