المأثرة التي على العراقيين إجتراحها

من السهل جداً القول بأن عام 2015 سوف لن يختلف عن عام 2014، فعراقياً سوف لن يتم القضاء على الفساد، ولن يزول الأرهاب، ولن ينتفل العراق من الطائفية والتقاسم الطائفي والأثني، إلى الممارسة الديمقراطية السليمة، والتي واحدة من تجلياتها حقوق المواطنة وحكم الأغلبية السياسية.

لن تختفي المظاهر الشائنة لا في شوارع بغداد وأحيائها ولا في المدن العراقية وأحيائها، ولن تتم مراجعة وتعديل الدستور، ولن يتم التحول من النظام البرلماني الذي أثبت فشله ولا جداوه في وضع كالوضع العراقي إلى النظام الرئاسي مثلاً، ولن تصبح عندنا أحزاب ببرامج وطنية واضحة، ولن يتخلى الطائفيون عن طائفيتهم، ولا العنصريون عن عنصريتهم، ولن يتوقف السراق عن السرقة والمرتشون عن الرشوة، والفاسدون عن الفساد، والمهيجون عن التهييج.

لن يسن ويفعل قانون الخدمة الوطنية، ولا قانون الخدمة الإلزامية، ولن يجري التعداد السكاني، لن يعاد لمصانع القطاع العام نشاطها، هذا إذا لم يصر على بيعها إلى القطاع الخاص، وبأبخس الأثمان، كما بيعت أملاك الدولة في عهد بريمر ومن جاء بعده، ولا يعاد للدولة هيبتها وإعتبارها، ولا للقانون سيادته.

سيظل الحال على ما هو عليه، حيث ستشتد وتتقوى سلطة القوى خارج الدولة، بحيث يكون تأثيرها هو الأفعل والأقوى، مستغلين بذلك ظروف البلد الطارئة، وسيتضاعف تضيّق الخناق على الناس، الذين سيطالبون بشد الأحزمة على البطون، والإستمرار بتقديم دماء أبنائهم عربون وفاء للوطن الذي أصبح في مهب الريح، وستحافظ النخب السياسية على إمتيازاتها، إن لم توسعها، وستظل متحكمة بكل شيْ تقريباً.

لن يتحسن الاقتصاد، ولن تقل البطالة، لن تحل أزمة السكن، ولن تصبح بغداد نظيفة، ولن تتوقف طلبات الإقليم، ولا تخرصات وإبتزازات كاكة مسعود. أما أسعار النفط فإنها مهما تحسنت فأنها لن تصل إلى ما كانت عليه في العام المنصرم، وربما سيحتاج الأمر إلى هزّة عنيفة للإقتصاد العالمي، وأحداث لا يمكن حالياً تصورها، ليقفز سعر برميل النفط إلى مائة دولار أو ما يزيد.

هل يعني هذا أن لا جديد ولا تغيير تحت سماء العام الجديد؟

نزعم أن التغيير قد بدأ، ربما ليس خلال العام المنصرم، وإنما قبله، لكن أكله لن يأتي في هذا العام، وربما حتى العام الذي يليه، ولكن بعض ملامحه ستتضح أكثر فأكثر.

سيضعف الدعم المالي، وربما الإعلامي للعناصر المتطرفة تدريجياً، حتى يتلاشى في نهاية المطاف، لكن داعش سيكون بإمكانها الإعتماد في المرحلة القادمة على التمويل الذاتي من خلال ما حازته من أموال ومقدرات ومعدات، تفوق ما تمتلكه بعض الدول. ولكن هذه الإمكانية المادية غير مُتجددة، وهي مهما عظُمت فإن مآلها النفاذ، وهذا ما ستتبين ملامحة، ربما قبل منتصف العام الحالي، وسينعكس حتماً على تراجع داعش، ومن المحتمل أن تفقد داعش كامل ديالى، وصلاح الدين، وكركوك، قبل نهاية النصف الأول من هذا العام، وستكون الضربة القاضية لها، خسارة كنزها الموصل، الذي تشير كل المعطيات بأنها ستفقدها بسهولة، مثلما إحتلتها بسهولة، وسيؤثر إنهزام داعش في الموصل الذي سيكون أشبه بالإنسحاب المنظم على صورة داعش التي لا تقهر، مما يجعل من المستحيل عليها بعد ذلك مسك أي بقعة من الأرض العراقية.

داعش ستخسر العراق كله، لكن الإرهاب سوف لن ينتهي، فنحن لم نكن نعرف داعش قبل سنتين أو أكثر لكننا تعرضنا لإرهاب لا يقل عنفاً عن إرهاب داعش، تارة باسم القاعدة، وتارة بإسماء أخرى، وما زال بالإمكان أن تظهر منظمات إرهابية أخرى من جنس القاعدة والنصرة وداعش، وإن بقدرات أقل، إذا لم يتم معالجة قضية الإرهاب جذرياً، فكراً وحواضناً ودعماً، من خلال إتباع سياسة تقضي على مسببات الإرهاب، وسيكون لهذا حديث آخر.

لا أفق ولا مستقبل لداعش، لا في العراق ولا في غير العراق. كان لداعش وظيفة أو عدة وظائف، أدت بعضها، وعجزت عن تحقيق البعض الآخر، وهو الأهم، ما حققته من أهداف بسبب ضعف وهزال خصومها المحليين وأخطائهم الفادحة، وربما وإلى حد بعيد لا جدراتهم بالقيادة، وما لم تحققه من أهداف فبسبب ردات الفعل من قبل قوى فاعلة في العراق، المرجعية تحديداً، وتغيير المزاج العام للمواطنين العراقين بكل تلاوينهم، وبسبب ردات الفعل الإقليمية، الإيرانية على وجه الخصوص، بحيث تم تعديل موازين القوى بسرعة، مما أدى إلى تغيير حسابات القوى التي كانت داعمة لداعش سراً أو علانية، وحتى تلك القوى التي دعت داعش للتدخل ووفرت لها الغطاء السياسي والحاضنة والملاذ الآمن.

لن يكون القضاء على داعش جهد جهة أو جماعة أو طائفة، وإنما سيكون جهداً جماعيا، سيشترك فيه العرب والكرد والتركمان، الشيعة والسنة والعلمانيون، لقد وحدّت داعش المجتمع العراقي من حيث أرادت تمزيقه، وهذه نقطة بالغة الأهمية على الساسة العراقيين إستثمارها لأقصى حد، والوقوف بوجه إي خطاب طائفي من أي مصدر صدر، وتصحيح كل الممارسات الخاطئة، التي كان بعضها رد فعل، وبعضها الآخر من فعل الطائفيين المتعصبين.

من الضروري في هذه الظروف البالغة التعقيد أن يصدر تشريع يجرم الطائفية، وأن يعلو الخطاب الوطني على أي خطاب سواه، وعلى هذا الصعيد ينبغي تحويل الحشد الشعبي إلى حشد وطني، يكون نواة لأعادة الوحدة للمجتمع العراقي، فليس ثمة ما يوحد العراقيين أكثر من وقوفهم في خندق واحد في مواجهة الإرهاب الذي هو عدو الجميع.

إن قضاء العراقيين على الإرهاب بجهدهم الذاتي أولاً، وعدم الوقوع في فخ التفريط بالسيادة، وإستقلال القرار الذي يجب أن يكون عراقياً أولاً وأخيراً، يعني من جملة ما يعنيه فشل داعش ومن خطط لداعش، أما الآخرون، فيجب أن يكونوا وفي أحس الأحوال مساعدين في هذا الجهد الكبير لدحر الأرهاب، ورغم صعوبة هذا الخيار الذي أشبه ما يكون بالسير على نصل سيف إلا أننا سوف لن نعد أنفسنا قد إنتصرنا على داعش إذا فقدنا إستقلالنا النسبي من جديد، وعاد الاحتلال وبطلب منا هذه المرّة. يجب أن تكون هزيمة داعش مما يفاخر به، ينبغي أن يرفع قامة العراق عالياً، ويضعه في المرتبة التي يستحقها بين شعوب المنطقة، وفي العالم كله، ويؤكد جدارة العراقيين بوطنهم الرائع العراق.

العراق خال من داعش أمر ممكن جداً، ولعله سيتحقق عام 2015، ولكن الأهم عراق حر مستقل وخال من الإرهاب، وهو الأمر الأخطر والأصعب، وهو المأثرة التي على العراقيين إجتراحها.