الليلة التي بدأ فيها تاريخ صنع الله إبراهيم

بقلم: محمد الحمامصي

أخذت مكاني في المقعد قبل الأخير بالمسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، حيث جاورني ثلاثة يمنيين أحدهم صحافي والأخر طالب دراسات عليا بالمعهد العربي التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة والأخر كاتب قصة، وما أن بدأت الحديث مع جيراني حول الكتابة النسوية اليمنية وتميز هدى العطاس ونبيلة الزبير وغيرهما، حتى وجدت الكاتب الروائي صبري موسى يتطلع بحثاً عن مقعد خال، فدعوته للصعود والجلوس في المقعد الخالي جواري.
ساعدته حتى استقر في المقعد، وبدأ حديثنا عما دار في أروقة الملتقي، قلت له أن ثمة كلمتين لفتتا نظري وتكررتا أكثر من مرة داخل أروقة الملتقى وهما القطيعة والتجاوز، حيث يعتبر جيل الرواية التسعيني أنه في قطيعة مع ما قبله وذلك بفضل تجاوزاته لما أنتجت الأجيال السابقة. فأكد أن هذا الكلام لا يستند إلى حقائق أو براهين، وأنه ليس هناك أجيال بالمعنى التي يتردد اليوم. وأشار أن التجربة الإبداعية تنهل من بعضها البعض في محاولة للإضافة والامتداد.
وقال صبري موسى أن هذا الملتقى وسابقه لم يطرحا أهم المحاور الجوهرية التي يمكن أن تضع الأجيال الجديدة على حجم ما أنجزوه، وأقصد بذلك أنه لم تجر دراسة حول المقومات والعناصر الرئيسة في الأعمال الروائية السابقة والتي كتب لها البقاء في الكتابة الرواية الجديدة، كما أن ما تردده دراسات بعض النقاد عن إضافات الرواية الجديدة موجود في الأعمال الروائية الممتدة من نجيب محفوظ وحتى الآن.
ثم انتقل بنا الحديث الى جائزة الملتقى فقلت أن هناك أكثر من مرشح بينهم بهاء طاهر وإدوارد الخراط وإبراهيم الكوني وخيري شلبي وجمال الغيطاني، واتفقنا على احتمالية فوز إدوارد الخراط بها.
عندئذ دخل وزير الثقافة فاروق حسني وسط حراسه يرافقه د. جابر عصفور، بعد ذلك توقف الحديث لتبدأ وقائع الحفل الختامي حيث تحدث جابر عصفور حديثاً جميلاً كعادته اختتمه بتقديم أعضاء لجنة الجائزة والتي كانت أسماءها سرية حتى هذه اللحظة، وبعد أن اصطف الجميع يتوسطهم وزير الثقافة، تم تقديم رئيس اللجنة الروائي السوداني الطيب صالح لإعلان الفائز وحيثيات فوزه، وبعد أن أثنى الطيب صالح على الرواية العربية وكتابها وارتقى بها الى العالمية، قال إن الفائز رائد من رواد التجريب في الرواية العربية، له لغة خاصة يقتصد فيها إلى درجة التقشف، حينئذ قلت في نفسي وهمست لمن يجاورني إنه إبراهيم أصلان، لكنه حين أكمل قائلاً : تخدم كتابته التي كرسها لفضح القسوة والظلم وجفاف ينابيع الرحمة في قلوب البشر، وأنه لم يحجم عن دفع الثمن الباهظ الذي يتقاضاه حراس معبد الفن وهو كما تعلمون معبد مقدس لكنه أيضا معبد ملعون، أيقنت أن الجائزة ذهبت لجمال الغيطاني، لكن المفاجأة كانت فوز صنع الله إبراهيم.
امتلأت القاعة بالصفير والتصفيق، صعد صنع الله تسلم شهادة التقدير والدرع وسلم بشكل مسرحي خاطف على المصطفين على المسرح والتقط معهم صورة، ثم توجه ليلقي كلمته التي زلزلت خشبة المسرح والقاعة، أسند الدرع على الجانب الأمامي للمنبر، ثم قال أنه لا يعرف الارتجال في مثل هذه المواقف ولكنه أعد ورقة سيقرأ منها وبدأ:
"أشكر اللجنة التي يمثل أعضاءها الأمة التي أصبح مستقبلها في مهب الريح ومن بينهم محمود أمين العالم الذي زاملته في السجن وتعلمت منه ومن رفاقه قيم العدالة، إن هذا الاختيار يثبت أن العمل الجيد يجد التقدير المناسب دون الحاجة للعلاقات أو مداهنة السلطة.. لم أتوقع أبداً هذا التكريم ولم أسع إليه فقد حرصت دائماً على البعد عن المؤسسة الرسمية، وهناك من هو أحق مني بالجائزة، بعضهم أموات مثل غالب هلسا وعبد الحكيم قاسم ومطيع زيد دماج وعبد العزيز مشري وهاني الراهب وغيرهم، والبعض الآخر من الأحياء مثل محمد البساطي وسحر خليفة والطاهر وطار ورضوى عاشور والياس خوري وخيري شلبي وبهاء طاهر وفؤاد التكرلي وإبراهيم أصلان وجمال الغيطاني وحنا مينا وغيرهم كثير ."
ثم اتهم الأنظمة العربية بالتواطؤ المزري مع ما يحدث على الساحة العربية وقال:
"في هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وتقتل النساء الحوامل والأطفال وتشرد الآلاف وتنفذ بدقة منهجية واضحة إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه، لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان، وعلى بعد خطوات من هنا يقيم السفير الإسرائيلي في طمأنينة، وعلى بعد خطوات أخرى يحتل السفير الأميركي حيا بأكمله بينما ينتشر جنوده في كل ركن من أركان الوطن الذي كان عربيا.
لا يراودني شك في أن كل مصري هنا يدرك حجم الكارثة المحيقة بوطننا، وهي لا تقتصر على التهديد العسكري الإسرائيلي الفعلي لحدودنا الشرقية ولا على الإملاءات الأميركية وعلى العجز الذي يتبدى في سياسة حكومتنا الخارجية وإنما تمتد إلى كل مناحي حياتنا.
لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم، لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات وصندوق أكاذيب، لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة أو عدل، تفشى الفساد والنهب، ومن يعترض يتعرض للامتهان وللضرب والتعذيب. وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب أن يغمض عينيه أو يصمت، لا يستطيع أن يتخلى عن مسئوليته .
الواقع مرعب ..
وأعلن اعتذاري عن عدم قبول الجائزة لأنها صادرة عن حكومة لا تملك مصداقية منحها."
أثناء إلقاء صنع الله إبراهيم لكلمته لم ينقطع التصفيق والهتاف والصفير في المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، بل إن بعض الواقفين خلفي رددوا "استقيل .. استقيل" يقصدون بالطبع فاروق حسني وزير الثقافة والذي مضي على وجوده في الوزارة ما يقارب الخمسة عشر عاماً، وما أن انتهى صنع الله من كلمته حتى شق الصفوف تتبعه زوجته متوجها الى خارج المسرح وسط أذرع امتدت من كل اتجاه وتصفيق مستمر وقبلات وربتتات وأحضان الكثيرين من الحضور، في الوقت أحاطت أيضاً حالة من الذهول والدهشة والإحباط بالكثيرين داخل المسرح، أما أعضاء لجنة الجائزة ووزير الثقافة والأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة فقد انشقت خشبة المسرح لتبتلعهم بعد صفعات صنع الله إبراهيم ولم يفيقهم من دوامة السقوط إلا مبادرة وزير الثقافة الذي تقدم الى المنبر ليقول وسط تصاعد الضجيج والهتافات المعادية له والمحيية لموقف صنع الله إبراهيم: "إن الجائزة وسام على صدر النظام، ولو لم يكن هذا النظام يسمح بهذه الحرية ما كان يمكن لصنع الله إبراهيم أن يتقدم بهذا الاعتذار. وإني لأعتذر للجنة الموقرة التي أمضت وقتا مضنيا في اختيار كاتب جيد، لكني أعتذر عن مشروع جائزتها لأنه مشروع لا طائل من ورائه."
حتى الآن والأمور لا تزال داخل جدران المسرح الصغير، حتى إذا فتحت الأبواب رأيت وكأن القاهرة كلها عن بكرة أبيها تتحدث حول موقف شجاع ووطني سيتصدر سيرة حياة صاحبه ويضيء تاريخ المثقف المصري الذي انطفأ مع رحيل رواد من أمثال محمود عباس العقاد وطه حسين ويوسف إدريس وتهميش أصوات حية لا داعي لذكر أسمائهم.
لقد انفجرت العقول والقلوب المليئة بالأوجاع والجروح والصرخات تأول وتفسر وتكشف وتفضح، فأطلت الفرحة والشماتة في وزير الثقافة ووزارته من أفواه وعيون وأذان الكثير من الكتاب والمبدعين كباراً وصغاراً، في نفس الوقت الذي تلبس البعض حالة هستيرية لا هي دليل فرحة على ما حدث ولا هي دليل حزن، ولكنها حالة بين بين، والبعض الأخر اعتبر الأمر لعبة سياسية خسر فيها الجانب الأضعف والذي لا يملك مقومات بقائه، أيضاً كان هناك من أعلن تأييده الموقف كلية معتبراً أنه صفعة كان لابد منها لإيقاظ الضمائر النائمة وتصحيح ضمائر خربة وإحياء دور المثقف المصري ومواقفه الشجاعة إزاء قضايا وطنه وأمته العربية، بل إن هناك من تمنى لو أنه صاحب الموقف معتبراً أن صنع الله قاد بشجاعة صوت المثقفين العرب والمصريين المهمش والمسكوت عنه خوفاً من الاعتقال وما يحمله من تبعات السجن والتعذيب، وأن موقفه هذا يعد تاريخياً وسوف يكون مفصلياً في تاريخ الثقافة العربية عامة والثقافة المصرية خاصة.
هناك أيضاً قلة رفضت الموقف كلية وفي صلابة كاشفة أنه يسئ للثقافة المصرية ومتهمةً صنع الله إبراهيم بالفجاجة، لكنها في نفس الوقت اتهمت وزير الثقافة وشلته وأمين عام المجلس الأعلى للثقافة وشلته بالتواطؤ وأن الجميع على علم بموقف صنع الله الرافض للمؤسسة الرسمية في مصر .. فلماذا اللعب بالنار؟ هل أرادوا شراء موقف صنع الله الرافض للتطبيع مع العدو الإسرائيلي؟ أم أرادوا كسر أخر صوت للمقاومة وإعلان موت دور المثقف المصري والعربي المناهض للاحتلال في كل صوره وأشكاله؟
لكن المدهش الفج حقاً فيما سمعت وشاهدت وسط الضجيج الذي أعقب الموقف هو قول أكثر من روائي مصري بارز أن وزير الثقافة وجماعته وأمين عام المجلس الأعلى للثقافة وجماعته يستحقون أكثر مما حدث لهم من صنع الله إبراهيم، لأن اختيارهم غير موفق وأن هناك من هو أجدر بالجائزة من صنع الله، في إشارة واضحة الى ذواتهم.
لقد أخرج الموقف الكثيرين عن أطوارهم الطبيعية، في دلالة واضحة الى عمق التردي الذي آلت إليه الرؤية الثقافية في علاقتها بالسلطة وقضايا الأمة، ومدى التأثيرات السلبية للسلطة على علاقة المثقف بقضاياه الإبداعية وقضايا أمته الوطنية، وليس أدل على ذلك من قول الروائي السوداني الطيب صالح حين سئل عن رأيه فيما حدث (دول مصريين في بعضيهم)، كأنه موقف لا يخصه ولا يخص الكاتب والمثقف العربيين، أو كأنه موقف مصري وليس موقفاً عربياً يستحق من كل مثقف ومبدع أن يفاخر به ويتمني لو أتيحت له فرصة تكراره.
كل هذه الأصوات كانت تخرج من أفواه ممتلئة بالطعام، فقد كان بانتظار المدعوين عقب انتهاء وقائع الحفل الختامي لملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي، مائدة عامرة بالمأكولات والحلويات والمشروبات، لكن عندما حدث ما حدث، لم يخرج الوزير وبالتالي ظلت المائدة مغلقة لحين وجود إذن بافتتاحها، لكن عندما لم يأذن أحد ناور الجميع وتم اقتحام المائدة فيما عدا الركن الذي كان خصص للوزير ورفاقه، لذا فإن الحديث أخذ طعم الحريق، لتظل الليلة ليلة تاريخية موقفاً وتصرفاً وردود أفعال. محمد الحمامصي
كاتب وصحفي مصري hamamsi@yahoo.com