الليبراليون العرب والإسلام السياسي

بماذا يسمون فقهاء الدين الذين لا يقحمون الدين في السياسة؟

يشتد الهجوم في أيامنا على الاتجاه الليبرالي العربي بنعته بالفاشية والتعالي على إرادة الشعوب والنظرة الازدرائية لعقائد الناس وقيمهم، في سياق ردود الفعل على الأحداث المصرية الجارية. قرأنا لكُتاب كثيرين من تيار الإسلام السياسي يرددون هذه الاتهامات، ملوحين بالكفر بكل القيم الحداثية والتنويرية التي «اكتشفوا أنها مجرد طلاء زائف»، بعد أن وقف الليبراليون ضد «الحكم المنتخب»، وتحالفوا مع الجيش في «انقلابه ضد الشرعية».

لا نحتاج للتذكير هنا بأن «الإخوان» الذين لم يشاركوا في بدايات «ثورة 25 يناير»، هم أول من تنكر لحلفائهم من الشباب الليبرالي، كما أنهم سعوا بوضوح لا لبس فيه للانفراد بالمؤسسة العسكرية وتوظيفها في الصراع السياسي، تلك حقيقة بديهية لا غبار عليها، ولها سوابق عديدة في ساحات إسلامية أخرى (أبرزها التجربة الإيرانية في نهاية السبعينيات التي يسردها رئيس الجمهورية الإيراني الأول أبو الحسن بني صدر في كتابه الأمل المخدوع).

ليس همنا في هذا المقال تتبع مسار العلاقات بين الاتجاهين الليبرالي والإسلامي ومحاولات الائتلاف والتقارب الفكري في العقود الأخيرة، وإنما سنكتفي بالوقوف عند المقاربة الإسلامية السائدة لليبرالية التي نعتبرها مصدر الخلل الرئيس في الروابط المتوترة بين الطرفين.

تتعين الإشارة هنا إلى أن الخطاب الإسلامي تحول بصفة عامة من عدائية صريحة لليبرالية المختزلة في مقولة العلمانية إلى انفتاح إجرائي على الأطروحة الليبرالية ملخصة في مبدأ الشرعية الانتخابية ضمن نسق سياسي تعددي.

في المرحلة الأولى، اصطدم خطاب الإسلام السياسي بالليبرالية فكراً وممارسة في محورين رئيسيين هما: مبدأ شرعية الحكم ومعيار التعددية الفكرية والسياسية. واعتبر رواد الإسلام السياسي الأوائل أن شرعية الإرادة الفردية الحرة والتعاقد الاجتماعي السيادي تتعارض وعقيدة الحاكمية لله ومبدأ شمولية الشرعية بصفتها دينا ودولة، كما رأوا أن التسامح بالمفهوم الإسلامي مقيد بحدود التنوع الداخلي في ممارسة الدين وتأويله، ومن ثم يتعارض مع الأفكار والأيديولوجيات، التي لا تستند للمرجعية الإسلامية. ومن هذا المنظور، خلص الإسلاميون الأوائل إلى أن الليبرالية هي التعبير السياسي المحايد عن التصورات العلمانية المناوئة للدين.

وكان من الطبيعي في هذه الفترة أن تتجذر القطيعة بين حركات الإسلام السياسي والاتجاه الليبرالي، وأن تصل في بعض الأحيان إلى حد العداء الشرس (مثلما كان الشأن في علاقة الإخوان المسلمين في مصر بحزب الوفد الذي تعرض بعض رموزه للتصفية الجسدية التي اتهم بها الجهاز الخاص التابع للجماعة).

بيد أن مرحلة الثمانينيات، وما تلاها شهدت انفتاحاً واسعاً بين التيارين، وصلت التحالف الانتخابي والسياسي في العديد من الساحات العربية، مما كان له أثران بارزان في الفكر والممارسة. فمن حيث الأثر الفكري، بدأت بعض الأدبيات الإسلامية تميز بين ليبرالية علمانية معادية للدين وأخرى منفتحة عليه، وشكلت نظرية «عبد الوهاب المسيري» في العلمانية الكلية والعلمانية الجزئية الإطار التصوري لهذا التمييز الذي لا يلغي فكرة الهوية التصورية المستقلة للإسلام منظوراً إليه كنسق كلي له مرجعيته الشمولية الخاصة المحددة لضوابط الانتماءات الدينية والعقدية.

فالمسيري نفسه (والاتجاه الذي يشكل امتداداً له) هو من بلور المقاربة الجديدة للحاكمية القطبية في شكل أبستمولوجي رخو أطلق عليه مقولة «الممارسة النظرية المستقلة» وأطروحة «التحيز المعرفي»، وإنْ كان المقصد واحد وهو رسم إطار نوعي فاصل بين المرجعية الإسلامية والمنظومة الفكرية والقيمية للحداثة المنعوتة بالغربية. إنما جرى في الواقع هو استبدال سردية «الدس اليهودي والمكائد الماسونية» بخطاب أكثر رصانة مستمد من أدبيات ما بعد الحداثة وخطاب المدرسة ما بعد الكولونيالية من أجل الهدف ذاته، وأن تغيرت المفاهيم والعبارات.

وعلى المستوى العملي، أدى الانفتاح الديمقراطي التدريجي والمحدود الذي أرغمت عليه الأنظمة العسكرية العربية منذ منتصف الثمانينيات إلى انخراط التنظيمات الإسلامية - الممنوعة غالباً من الأطر القانونية للعمل السياسي– في تحالفات مؤقتة مع الأحزاب الليبرالية في الاستحقاقات الانتخابية، تطورت في بعض الأحيان إلى اندماج حزبي كامل (كاندماج بعض الإسلاميين المصريين في حزب «العمل»، واندماج بعض المجموعات الإسلامية المغربية في أحد حزبي الحركة الشعبية).

نشط الليبراليون العرب بقوة في الدفاع عن التنظيمات الإسلامية خصوصاً في مصر وتونس خلال الحقبة السابقة، ودفعوا غالياً ثمن هذا الدفاع، قبل أن ينقلب عليهم الإسلاميون بعد وصولهم للحكم بعد أن انتفت الحاجة العملية إلى الاستناد إليهم في المواجهة مع أنظمة الحكم.

ولقد عادت أجواء المواجهة عند المحطة الأولى في مسار الانتقال الديمقراطي التي هي المحطة الدستورية، فظهرت التناقضات الفكرية بين الخطاب الليبرالي، وخطاب الإسلام السياسي حول المرجعيات الأساسية للنظام السياسي، وأطر الشرعية ومنزلة الدين في الشأن العام.

ومع أن الطرف الليبرالي قبل من دون تردد بمبدأ دين الدولة ومنزلة الدين في التشريع، مما كان من شأنه حل مشكل المرجعية الإسلامية العليا للدولة، فإن الخلاف تمحور حول الحريات العامة التي هي السقف المعياري والقانوني للنظام الديمقراطي. والواضح من مواد عديدة فرضها الإسلاميون الحاكمون أن المقصود هو إفراغ التعددية السياسية من مضمونها النظري والفكري باسم الدفاع عن حاكمية الدين وهيمنته، مما يترجم اختلافاً عميقاً حول فهم الدين ومنزلته في الشأن العام. إنما رفضه الليبراليون العرب هو مشروع تحويل الدين إلى أيديولوجيا للدولة الشمولية تتقوى به ضد حرية الفرد وتنوع المجتمع المتعدد في أفكاره وخياراته المعيارية، وليس الدين في مرجعيته العقدية والرمزية والحضارية التي لا خلاف حولها.

ما كشفت عنه الأحداث الجارية في مصر وبقية بلدان «الربيع العربي» هو الهنات ونقاط الضعف الأصلية في «الحلف الليبرالي– الإسلامي»، الذي كان قائماً على مجرد دوافع ظرفية مؤقتة، ولم يستند إلى مراجعات فكرية حقيقية من لدن «مفكري» الإسلام السياسي الذين توهموا أن الديمقراطية التعددية هي مجرد مسلك إجرائي للوصول للحكم، لتطبيق ما عز الوصول إليه بطرق مغايرة.

السيد ولد أباه

كاتب موريتاني