الله لن يضيع مصر... أو هكذا نأمل

منذ البواكير الاولى للدولة العربية الاسلامية، ونصرة الدين والطلب بالدم المراق هما المفاتيح السحرية التي تفتح كل المغاليق المستعصية امام كل طامح لعرش او طالب لحكم. فقرون طوال مرت علينا والقمصان الملطخة بدماء المغدورين هي الرايات التي يتقنع تحتها كل مغامر وطامع بمجد الكلمة العليا. وشواخص كثيرة من تاريخنا المترع بالآلام كانت فيها الدموع التي تذرف خوفا من الله واحياءً لسنن انبيائه هي الباب التي يلج منها كل مشتهٍ لملك عضوض.

منذ سنوات، وعندما اراد الرئيس المصري الراحل انور السادات ان ينتزع تعديلا للمادة الدستورية التي تنص على تقييد مدة رئاسة الجمهورية بمدتين كحد أقصى ليجعلها مفتوحة على استعادات متوالية للذة التنصيب الاولى، لم يجد افضل من ان يقرنها بسلة تعديلات كانت حلواها – بل جزرتها - هي المادة التي طورت من الصيغة التي وضعت فيها الشريعة في النظام الدستوري المصري بجعلها هي المصدر الرئيسي للتشريع، وليست مجرد مصدر رئيسي مِن مصادره كما كان الحال في الدستور السابق، متزلفا ومداهنا لمشاعر الشعب المصري المتدين ليظفر من خلالها بكلا الحسنيين، البقاء في الحكم مدى الحياة، ولقب الرئيس المؤمن.

وتأسيا، يدخل فخامة الرئيس - المؤمن سلفا - جحر الضب خلف اسلافه، ليتلفع بشهداء الثورة وليفترش دمائهم مرتقىٌ للتفرد في الحكم مستعينا متجملا باعادة محاكمة المتورطين باعمال العنف ضد الثوار، ليمرر في واحدة من اكثر ممارسات الانتهازية السياسية المواد التي تعلنه حاكما مطلقاً ومنزها لقراراته ضد "الطعن عليها بأي طريق وأمام أية جهة"، محصنا لها من جميع اجراءات "وقف التنفيذ أو الإلغاء" ومسقطا حق الدولة والشعب حتى من تلك "المنظورة أمام أية جهة قضائية" ومهدداً انه سوف" يتخذ الإجراءات والتدابير الواجبة" اذا "قام خطر يهدد ثورة 25 يناير أو حياة الأمة أو الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها".

وقد يكون الشعب المصري قريب العهد بالاستبداد والديكتاتورية يفهم بالتأكيد المعنى الحقيقي لهذه "الاخطار". وقد يكون تعود عليها وعلى المبررات الكثر لاعلان "الطوارئ"، ولكن اللافت في هذه القرارات ان الرئيس المصري، وباسم الاسلام، يمنح نفسه صلاحيات يتجاوز بها حتى على الخلفاء الراشدين، ويقايض "قوموني" بـ"اسمعوا واطيعوا". ويستبدل الالتزام بالقانون الذي اقسم - بكتاب الله -على احترامه واعلائه، بمفهومه الخاص عن "رضا الله".

مشكلة الاخوان المسلمون، وجميع حركات الاسلام السياسي، لو تجاوزنا عدم ايمانهم الاصيل بالديمقراطية كوسيلة للتداول السلمي للسلطة، هو انهم يحاولون ممارسة الحكم بعقلية قوى المعارضة، والنوع المحظور منها، وهذا ما يبدو جليا بالعدائية المستمرة المتقاطعة مع مفهوم الدولة والشرعية وفصل السلطات الذي يؤطر مثل هذه القرارات الانقلابية، وكما يتجلى من خلال الغموض وعدم التحديد -المقصود - لاهداف ومتبنيات الجماعة بالنسبة لشكل النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتملص المستمر من التحديد الواضح للمواقف تجاه المسائل ذات الاهتمام المجتمعي العام مثل حقوق المرأة والاقباط والمواطنة الحرة والعادلة، مما يضعهم في موقف تضاد مستمر مع قطاعات واسعة من الشعب.

ان التأسيس لـ"شرعية جديدة تاجها دستور يرسي ركائز الحكم الرشيد الذي ينهض على مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية" لن يكون من خلال تقسيم المجتمع الى شعب خانع مطيع وحاكم مطلق ينطق بكلمة السماء، كما الاقتصاص لدماء الشهداء لا يكون من خلال جعل قرارات الرئيس "نهائية ونافذة بذاتها"، والا فلماذا استشهدوا اصلا.

ليس من الديمقراطية، ولا الشرعية، مثل هذا التحول – الوقح - من الشعارات التي تدعو الى إقامة دولة مدنية ديمقراطية بمرجعية اسلامية تقوم علي مبدأ المواطنة، في إطار مجال عام يتسم بالحرية والمساواة والعدالة، الى نظام شمولي يستلهم التجربة الايرانية من خلال الديمقراطية الشكلية المفرغة والمقيدة بسلطة المرشد الاعلى - العام في الحالة الاخوانية - ممتزجة بالنموذج الوهابي السلفي المقدس والمعلى من أولي الامر وما يصدر عنهم في اطار تكون فيه الشريعة في موقع ذيلي تبريري لممارسات وتوجهات الحكم.مع ما يمثله هذا "التفلت" من خطر ماحق على الاستقرار السياسي والاقتصادي وقابليته العالية على انتاج التسلط والاستبداد والديكتاتورية.

نتحسس على البعد معاناة اخواننا المصريين، ونشاطرهم صعوبة ان يهضموا دعوة الرئيس مرسي لهم ان "يستبشروا خيرا بالمستقبل." من خلال مثل هذه القرارات الصادمة، ونقر للرئيس والاخوان قوله "نحن ان شاء الله ماضون الى الأمام لا يوقف مسيرتنا أحد." فيبدو ان صدور هذه القرارات بعد زيارة كلينتون قد يشي لترتيبات وتفاهمات معينة بين الاخوان والغرب لمرحلة ما بعد العدوان على غزة، ولكننا نستل من كلمات الرئيس امنية ورجاء وامل بأن "الله لن يضيع هذا الوطن أبدا" وان لا تكون نهاية آماله على يد الاخوان.

جمال الهنداوي