اللهاث التركي وراء السراب الأوروبي

بقلم: محمد ملكاوي

هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي والمبعوث الأمريكي السابق إلى الشرق الأوسط، اعترف بأن الأسد الراحل كان يمارس ضده ما اسماه بسياسة المثانة، التي عرفها كيسنجر باطالة الفترة الزمنية أثناء التي تستلزمها المحاورات والنقاشات والضيافات، لوقت طويل لا تحتمله مثانة رجل كبير في السن بمثل عمر كيسنجر، وبحسب البروتوكولات السياسية والاتيكيتات الدبلوماسية، فمن غير اللائق أن يستأذن لدخول الحمام لافراغ مثانته، ومن غير الطبيعي أن يستكمل بعد إفراغ المثانة أي نقاش سياسي، وهكذا كان الاسد يضغط على هذا الثعلب الأمريكي، داخليا بمثانته حتى يرضخ للمطالب السورية، "بس دخيلك لا تفضحني واتركني ادخل الحمام"، ودخول الحمام كما نعرف ليس كالخروج منه.
من السياسات الأخرى المتبعة حاليا، وبالأخص مع تركيا، ما يسمى بسياسة خلع البنطلون، إي أن يتم تجريد المتفاوض من كل شيء حتى ملابسه، وشيراك عبر عن الموافقة على التفاوض مع تركيا بما معناه، أننا لن نترك تركيا للتطرف! شي حلو، لكن ما المطلوب وفرنسا هي من طالب بالاعتذار لصالح الأرمن في مذابح مختلف على صحة نسبتها، وبعد أن تقيم فرنسا نصبا لضحايا الأرمن في فرنسا، ترد تركيا بالمثل فتقيم نصبا لمليون شهدي جزائري قضوا على يد الاحتلال الفرنسي.
سياسة خلع البنطلون كما عرفها الدكتاتور الباكستاني مشرف واصفا تطور العلاقات مع الكيان الصهيوني بمنهج الخطوة خطوة، مطبقة من جانب الأوروبيين تجاه تركيا، فتركيا مطلوب منها أن تخلع عذارها، وتقلد الطاووس الغربي على حساب قيمها وقوميتها وتاريخها العريق، لربما بعد هذا تدخل النادي الأوروبي، في حين أن الغربيين يقولون بان على تركيا أن تتكيف مع القيم الأوروبية التي يصرح البابا بنديكت بأنها قائمة على القيم المسيحية، يقول الأتراك بان على الأوروبيين أن يختاروا بين أن يكون النادي الأوروبي مسيحيا مغلقا أو ديمقراطيا، والعكس عند الأوروبيين مع التلاعب في الكلمات.
المطلوب من تركيا، وطن كردي، والتخلي عن قبرص التركية، والاعتذار للأرمن جراء المجازر المختلف على حجمها، ومسالة التشريعات الإسلامية وفرض الحجاب، وتحجيم الديمقراطية التركية بحيث لا ينسل منها أي حزب ديني حاكم، وتقييد القوميين الأتراك وغيرها من حقوق الاقليات التي فتحت المجال لما يسمى بالجالية اليهودية للمطالبة بتعويضات عن أملاك في اسطنبول، وغيرها وغيرها من تعويضات قد تطال تعويضات عن حرب القرم مع روسيا القيصرية.
لكن الحقيقة تكمن في أن التغريد التركي غربا لن يصل بها إلى غايتها، حتى لو ضمت إلى الاتحاد الأوروبي بعد شهر، علما بان الموعد المفترض قد يصل إلى عشرة سنين أو خمسة عشر سنة بحسب تقديرات دوفليبيان؛ وبشرطه الملغوز بعندما يحين الوقت! الشرط الذي أوضحه بقية الأوروبيين بتصريحهم بأن دخول تركيا للاتحاد لا يعد مضمونا ولكنه سيعتمد على إصلاحات داخلية داخل تركيا نفسها، يعني أن تقص الشارب وتخلع الطربوش، منتهية بالبنطلون.
منبع افتراضي هذا قائم على فشل فكرة العولمة التي باتت تهدد اقتصاديات الدول الأوروبية قبل غيرها، ناهيك عن فشل التصويت على الدستور الأوروبي، فيما باتت الدول الأوروبية رديفا لحلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة وبعد إدخال عدد من الدول المنفكة من المعسكر الاشتراكي في شرق أوروبا، وبالتالي فان فكرة الاتحاد الأوروبي باتت مهددة بالتبعية الكاملة للولايات المتحدة، ولو نظرنا إلى رد فعل رئيس وزراء فرنسا عقب أحداث 7/7 في لندن لوجدنا الرأي الرسمي الفرنسي ينهج باتجاه الانكفاء على تنمية ما يسمي بالاقتصاد الوطني! (عبارة الوطنية الاقتصادية!) لاحظ الكلمة وطنية اقتصادية يعني بفصيح العبارة لا عولمة ولا اتحاد أوروبي؟ وممن من فرنسا الراعي الثاني للاتحاد بالتشارك مع ألمانيا! فلماذا تلهث تركيا وراء سراب التغريب! علما بان مكانها متوفر في التحالفات الإسلامية.
الكاتب احمد القديدي في مقالته في الشرق القطرية بتاريخ 24/8/2005 بعنوان "كيف بدأ الغرب يتخلى عن العولمة؟"، يبين بأن القوى المتوسطة مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا باتت تخشى الضياع في الاتحاد الأوروبي لأنها تعتقد أنه عسكريا وستراتيجيا واقتصاديا وبالطبع ثقافيا وإعلاميا لا بد أن يظل محمية أمريكية إلى نصف قرن قادم مع إدراك أن العولمة هي الهيمنة وتوسيع فجوة الفوارق والمظالم وبأن الولايات المتحدة سوف تنفرد بالقوة.
فهل وقعت تركيا في الحفرة التي احتفرها القوميون الأتراك ضمن ما صار يسمى بسياسة تتريك الشعوب العربية والإسلامية التي انتهجتها جمعية الاتحاد والترقي أوائل القرن الماضي، إي بحفرة التغريب الأوروبي؟ سؤال مطروح على القوميين الأتراك.
محمد ملكاوي
باحث أردني مستقل Sadoog2@yahoo.com