اللقاء الاميركي الايراني الثاني في بغداد: تطابق أفكار امبريالية ومصالح تاريخية مشتركة

يلتقي الدبلوماسيون الأميركيون والإيرانيون ثانية في بغداد لمناقشة مستقبل العراق أو بالاحرى مستقبلهم في العراق. وهذه ليست المرة الاولى، فقد سبق وان عقد المسؤولون من كلا الطرفين لقاءات عديدة فيما بينهم خلال الأعوام الماضية. وربما كانت أكثر فترات التعاون الأميركي-الإيراني إيجابية منذ سقوط نظام الشاه، هي تلك التي شهدتها الشهور القليلة التي أعقبت هجمات الحادي عشر من أيلول بعد أن تمكنت الادارة الاميركية حينها من إنشاء تحالف دولي عريض، استطاعت من خلاله، وبمساعدة ايران، ان تطيح بحكومة "طالبان" الأفغانية ومن ثم الاحتلال الغاشم للعراق. ولسائل ان يسأل عن الاسباب التي تجعل اتفاق الجمهورية الايرانية مع الدولة الامبريالية الاميركية - صاحبة العداء للقضية العربية والاسلامية – واردا وهي الدولة التي تحمل راية الاسلام في المنطقة وبالذات في العراق وسوريا وجنوب لبنان؟ ما هي الأمور العظمى التي يطلق عليها في القاموس السياسي بـ "أمور الدولة العظمى السرية والاستراتيجية" في أن تجعل من هذه الدولة الاسلامية حليفا مخلصا بل مشاركا في احتلال العراق؟
يتهم البعض النخبة الوطنية العراقية باطلا بأنها تحمل الكراهية والعنصرية ضد الجارة ايران. ولكن الحقيقة لا تتعلق بموضوع علاقتنا الانسانية الودودة تجاه الشعب الايراني الجار بل أنها تكمن في أحداث موضوعية سجل التاريخ فصولها ومنذ القدم. أنها أحداث التاريخ والحاضر بين حضارتين مختلفتين في الاصل وفي المنطق. فأرض بلاد الرافدين لا تشبه قطعا بلاد فارس، وأهل بلاد حمورابي وابراهيم الخليل وعقلانيتهم الكونية تختلف الى حد كبير عن أحلام امبراطورية بلاد داريوس وسايروس بالرغم من أن الحضارة الفارسية كانت قد تميزت وساهمت هي أيضا بدورها الانساني ولكن بنكهة وطابع مميز بل خاص بها. وهكذا، وبدون شك، سجل التاريخ ألإحداث بأمانة فكان نصيب العراق وأهله صفحات ثمينة من ألأرشيف ألحضاري والإنساني تقتدي به المجتمعات والدوائر العلمية والانسانية ناهيك عن الرسالة السماوية التي رفعها ابن العراق وأب الانسانية النبي ابراهيم الخليل (عليه السلام) الى العالم معلنة بدون منازع بأن العراق هو مهد حضارات وأديان و مرجع الامم السماوية.
في نفس هذا الوقت سجل التاريخ أرشيفا متباينا عن حضارة بلاد فارس حيث استطاع الايرانيون من تأسيس أول امبراطورية في التاريخ، برجالها وذهبها وطموحاتها العظمى ونزعاتها التوسعية وقد استطاع قادتها أيضا ان يضموا الى امبراطوريتهم بقوه السلاح حضارات شاسعة واسعة: كالحضارة البابلية أي منطقة وادي الرافدين، وسوريا، ولبنان، ومصر، وبعض المدن والجزر الاغريقية، بل وحتى بعض أجزاء من الهند! وكانت أول امبراطورية استعمارية في التاريخ بعدئذ لحقتها الامبراطورية الرومانية وحلت محلها. وكانت الديانة المجوسية بمذهبها الزرادشتي نسبة إلى الحكيم الإيراني زرادشت المولود عام 628 قبل الميلاد تقوم على مبدأ وجود رب واحد وهو "أهورامازدا"، و لها بعض الطقوس مثل تقديس النار و الصلاة حولها. وفي عهد الساسانيين في الفترة من 226 إلى 561 ميلادية أصبحت الديانة الزرادشتية هي الديانة الرسمية في البلاد وبعد الفتح العربي تحول الكثيرون تدريجيا إلى الإسلام وقد هرب الزرادشتيون في القرن العشرين إلى هرمز في الخليج العربي و منها اتجهوا إلى الهند.
واذ أخذنا على سبيل المثال لا الحصر بعض الامثلة في المجتمع الايراني نجد بأن المناسبة المهمة بل الأهم في ايران التي تُعطل الحياة ولمدة أربعة أيام متتالية وهي الوحيدة من هذا النوع هي ليست لمناسبة اسلامية بل هي مناسبة عيد فارس النوروزي. وهذا اليوم هو مناسبة تاريخية لبلاد فارس في عهود ما قبل الإسلام حيث اتخذت من النار إله. ولكن أين هي المشكلة وما هو الشيء غير الطبيعي من هذا الموضوع. أليس لديهم الحق كإيرانيين في الدفاع والفخر بتاريخهم هذا؟ أليسوا هم احفاد بلاد فارس وقم وطهران؟ ولكن أليس من حق العراقي أيضا من أن يدافع عن عراقيته وعروبته وتاريخه العظيم؟ ألم نبني بابل وأور والعراق؟ ألم نكن نحن أحفاد نبوخذنصر وعلي والمنصور؟
من هذا المنطق تقترب فكرة الامبراطورية الفارسية القديمة من الفكرة العامة للإمبراطورية الحديثة وكما حال أميركا وإمبراطوريتها فقد برزت اهدافها الاستراتيجية المبنية كما كان القرن العشرون أي استمرار التفوق الأميركي في العالم، وإبقاء القرن الحادي والعشرين قرناً أميركياً، كما كان القرن التاسع عشر بريطانيا، والقرن الثامن عشر فرنسياً، وهذا يقتضي استمرار وابقاء التفوق العسكري الأميركي، والتكنولوجي قائماً بين الولايات المتحدة وبين جميع دول العالم.
وقد شاءت الاقدار في أن يقع العراق في الفخ الاميركي، وكان ما كان وقد شاءت الصدف أيضا من ان تتلاقى افكار امبراطورية بلاد فارس القديمة وتتجدد بعد أن اكل عليها الدهر وشرب مع الحلم الاميركي الجديد لتأخذ مسار يتوافق مع الحالة الدينية للمنطقة وحالة العراق الجديد. وبهذا انطبقت المصالح العليا والتاريخية لإيران وتوافقت مع هذه المصلحة القومية للشيطان الأكبر وكما سمته هي سابقا بنفسها، لكن اليوم وجدت الدولة الاسلامية في الهدية ألاميركية والمتمثلة بالعراق الاسير الدليل الكافي للعمل وللمنافع المشتركة. فبعد مهزلة الديموقراطية في العراق وما جاءت به من وجوه قريبه من ايران ظهرت الصوره ووضعت النقاط على الحروف.

الدين الاسلامي السياسي في خدمة أحلام ايران الفارسية في الوقت الذي عاش العراق سنوات الحصار القاسية لتنتهي باحتلاله، أصبحت ايران قوة شرق اوسطية لها اليد على التجارة في أسيا والغرب انها بلد من 70 مليون نسمة ولها العديد من التبعيات في العراق ودول الخليج: في البحرين، الكويت والعراق بالاضافة الى المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي النفطية. يمثل الشيعة الاقلية في الدين الاسلامي حيث تصل نسبتهم الى 9% من مجموع المسلمين في العالم ولكن ما تريده ايران هو زعامة فارسية لمنطقة الشرق الاوسط وذلك بتنصيب قوى شيعية في العراق ولبنان. ان ايران تدفع الملايين من الدولارات من اجل مساندة حزب الله اللبناني بالاضافة لمساعدة العديد من الطوائف الشيعية في العراق والكويت والبحرين والسعودية من اجل اقامة دول طائفيه قريبة منها، وقد لوحظ في العديد من هذه الدول نشاط واسع للمواطنين من التبعيات الايرانية وخاصة في الجمعيات الدينية والانتخابات السياسية في مدن تواجدهم وقد لوحظ في الايام التي تلت احتلال العراق بأن ايران قد دفعت هذه الجمعيات الى عمل المزيد من البلبلة في داخل دول الخليج. وقد ساهمت السلطات الايرانية في خلال السنوات الاربعة الماضية ومنذ بداية الاحتلال الاميركي في العراق من بناء استراتيجية ذات طابع ديني تتخذ من التشيع كرأس حربة في المنطقة. تطابق في الاهداف وأن تغير الزمن لقد كانت أحداث الحادي عشر من أيلول هي البداية التي انطلقت من خلالها الولايات المتحدة لتدشين واقع جديد ورسم معالم جديدة؟ وهكذا ساهمت الإدارة الأميركية في تشكيل معالم تلك الإمبراطورية وقامت في إبرازها وتجسيدها سريعًا على أرض الواقع وكان جوهر سياستها الخارجية: المصلحة القومية العليا أي الثروة أو النفط، والقوة. وقد وجدت الادارة الأميركية الحل المناسب لمصالحها وكما تقول فقد وجدته بالديمقراطية ولكن الحقيقة هي أبعد من ذلك بكثير. وهي ان أميركا المتواجدة منذ أكثر من عشرين عاما في الشرق الاوسط قد جاءت مدفوعة من أجل تثبيت قوس استراتيجي يسمح لها قبل كل شي من مراقبة اهم من ينافسها في الطاقة أي روسيا والصين. العراق ضحية الاطماع والتشدد الايراني من أجل فهم الاسباب التاريخية للظلم والحروب الذي وقعت في العراق وجب الرجوع الى بديات القرن العشرين حين تقاسم الحلفاء الفرنسيون والبريطانيون بقايا الامبراطورية العثمانية المتفسخة وبعد أن قسم العراق ظلما في معاهده سايكس بيكو السيئة الصيت. حيث تم اغفال القيمة والحجم الكبير لهذا البلد وتم اضعافه في حدود ضيقة في الجنوب وهي الحدود الوحيدة التي تسمح له بمنفذ بحري استراتيجي ومعقول خلافا لما تتمتع به الدولة الجديدة والصغيرة نسبيا التي رسمتها نفس هذه المعاهدة والمتمثلة بالكويت حيث خصص لها وبجرة قلم الجزء الرئيسي من المنفذ لتنفرد متقاسمة الجزء الاكبر مع ايران ولتأخذ المساحة العظمى للشواطئ المطلة على الخليج بينما تم السماح للعراق بفتحة صغيرة لا تتناسب مع الحجم السياسي والاستراتيجي لتاريخه وحجمه في المنطقة. ولسنا هنا بصدد الحكم على مسألة شرعية دولة الكويت أم لا، ولكن فقط لتبيان الغبن الذي أصاب العراق من هذا التقسيم الاستعماري. أن منطقة الشرق الأوسط هي مهد الاديان المتعددة وقد عاشت هذه الاديان وتآخت بروح من التسامح والمسؤولية لهذا نستطيع البت من أن حروب العراق والمنطقة ليس لها اسباب وجذور دينية أو عنصرية ضد إيران. ان الاحتياطي العراقي من النفط هو الثاني في العالم، ولكن ليس هناك سوى مخرج صغير على الخليج وقد كان هذا سبب مهم من الاسباب الرئيسية لحروب العراق كحربي الخليج الأولى والتي يصفها الكثير بأنها كانت حرب بين العرب والفرس من اجل السيطرة الاستراتيجية على المنطقة. نفط سني ونفط شيعي، ونفط كردي وهنا يطرح السؤال نفسه عن الدوافع وأسباب التقارب الايراني الاميركي في العراق المُحتل؟ للجواب عليه وجب أولا معرفة سبب تقسيم وتدمير العراق عسكريا وما تريده الادارة الاميركية من وجودها في العراق. أن الفراغ الذي تركه سقوط الاتحاد السوفيتي والذي من خلاله شعر العراق ودول عربية اخرى بفقدان قوة مساندة قد ساعد من التعجيل من تمزق العالم العربي وضمور نظريته القومية في الوقت الذي تقدمت دول اخرى في المنطقة مثل ايران، تركيا، اسرائيل. وهكذا جاء موضوع تدمير العراق وتقسيمه طائفيا ليأخذ الاولوية في خطة الشرق الاوسط الكبير الرامية الى اعادة تكوين المنطقة وتدمير الدول التي اخرجتها معاهده سايكس بيكو، أي ابدال دول الاوطان بدول الطوائف والاديان وهكذا يصبح قسم من ا لوطن العراقي بعراق الشيعة وأخر بعراق السنة بدون ان ننسى كردستان، وكل حسب دوره طالما توفرت العوامل والبؤر وطالما بقى فاعلا ذراع ايران. انها سياسة التقطيع لدول المنطقة، نثر العالم العربي وتشطيره الى اشلاء. وما علينا الا أن ننظر الى ما حصل ويحصل في العراق فلسطين. انها طريقة أميركا في ابتكار الحروب المسبقة وتقطيع الاوطان ومن ثم تجلس لتصبح الطرف الذي يساوم تارة مع الشيعة وتارة مع السنة، أو مرة مع سوريا ومرة أخرى مع لبنان وهلم جرى.
وبهذا استطاعت اميركا من عمل توازني لقوى ومصادر الطاقة في المنطقه، تقسيم طائفي لدول النفط المراد منه تقسيما طائفيا للنفط: بعد أن سيطرت الولايات المتحدة سابقا على النفط السني في المملكة العربية السعودية والخليج عملت ومنذ اللحظات الاولى من الاحتلال بتقديم العراق على طبق من ذهب الى ايران من أجل انشاء مصدر اخر مهم شيعي يضم العراق وايران وبهذا يُسهل السيطرة على المصادر الثلاث الأولى في العالم أي السعودية، العراق وايران، وبانتظار ما سيجري مستقبلا في كركوك سيتسنى بعدها تسميتة ربما بالنفط الكردي. ومن هذه المحصلات وباستثناء بحر الشمال فقد استطاعت الولايات المتحدة من وضع اليد والسيطرة على جميع الطرق والإمدادات النفطية في العالم. فبعد السيطرة على الغاز والنفط في منطقه بحر قزوين والسيطرة على خطوط الامدادات التي توصلها الى مواني تركيا وبحر عمان من بحر قزوين وباكو وصولا الى تركيا سوف تضع يدها تماما على مصادر الطاقة في الخليج.
الخلاصة من كل هذا هو اننا كعراقيين وطنيين لم ولا نكن أي عداء لأي من جيران العراق. ان ما يحاك ضد العراق وسيادته هو صراع مصالح ونفوذ استراتيجي تشترك وتساهم فيه ايران بقوة الدين واهميته عند العراقيين بعد أن استطاعت من تسخيره سياسيا لخدمة نواياها الاستعمارية. الفرق البسيط والعظيم في نفس الوقت يتمثل في أن ايران ذات الجذور الامبراطورية المهيمنة قد وظفت العقيدة في استراتيجية سياسيه تخدم مصالحها وان ما يقود ساستها هو مشروع وطني ايراني بحت لا يتعارض مع القوى الفاعلة في المنطقه (اميركا- اسرائيل) بل هي شريك فعال في المخطط الاميركي الاحتلالي خصوصا بعد أن قُدم العراق لها على طبق من ذهب. أن ما يدفع الشعور الوطن العراقي صوب الاتجاه السلبي هو حالة طبيعية وكرد فعل للعنجهية الايرانية التي خرجت عن مسارها الوطني المحدد وهذه هي دلائل قد كتبتها علاقات الدولة الفارسية في عصور ما قبل الاسلام وما زالت لحد الآن. أن اجتماع بغداد الثاني هو حصيلة طبيعية لمصالح الدولتين ولكنها على حساب العراق العرب وسيادته والشيء الخطير من كل هذا هو أن يجري الطرفين مباحثاتهم على أرض عراقية محتلة. الا يكفيكم هذا من برهان يا أولي الالباب؟ أمير المفرجي