اللغة الاكدية: اقدم لغة دبلوماسية في الشرق الاوسط

لندن - من محمود القصاص
المان يتجولون في المتحف العراقي لآشور بانيبال

يعرف العاملون في الحقل السياسي ان هناك مصطلحات خاصة يستخدمها الدبلوماسيون من كافة الجنسيات، وتمثل ما يشبه لغة خاصة لا يفهمها بعمق الا من يعرفون خلفياتها. ويصدق هذا القول في حالة اللغة الانجليزية هذه الايام، والفرنسية منذ مطلع القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. لكن ما لا يعرفه الكثيرون ان هذه التقاليد الدبلوماسية قديمة في منطقة الشرق الاوسط التي حفلت بالحضارات العظيمة، اذ كان للبلاط الملكي لغة خاصة يتحدث بها افراده ويستخدمونها للحوار مع غيرهم من الملوك، بخلاف اللغة السائدة التي كان يتحدث بها رجل الشارع العادي.
ولعبت اللغة الاكدية التي ظهرت في العراق هذا الدور كلغة دبلوماسية يستخدمها الملوك ومن يمثلهم في حواراتهم ومراسلاتهم.
وتعد اللغة الاكدية احدى اللغات العربية القديمة التي شاع استخدامها في منطقة الشرق الاوسط منذ منتصف الالف الثالث قبل الميلاد. وتستمد اللغة الاكدية اسمها من الجماعات التي كانت تتحدث بها وهم الاكديون الذين سادت حضارتهم بلاد الرافدين (العراق حاليا). وهؤلاء ترجع تسميتهم الى مدينة "اكد" عاصمة الملك سرجون الاكدي كما يقول الدكتور علي ياسين الجبوري رئيس قسم الدراسات المسمارية بجامعة الموصل.
ويضيف "عندما وصل الاكديون الى جنوب بلاد الرافدين وجدوا السومريين يقطنون بها. والسومريون هم اول من ابتدع الكتابة المسمارية منذ منتصف الالف الرابع قبل الميلاد وذلك بهدف تدوين واردات المعبد السومري وتوثيق معاملاتهم الاقتصادية مثل البيع والشراء والرهن وتدوين الاحداث الاجتماعية مثل الزواج والطلاق والتبني. وعندما انتقلت السلطة السياسية الى الاكديين بزعامة الملك سرجون الاكدي كان الشعب الاكدي قد اختلط اجتماعيا واداريا وسياسيا مع السومريين واستخدموا حروف الخط المسماري السومري لتدوين شئونهم الاقتصادية ولكن بلغتهم الاكدية".
ومنذ منتصف الالف الثالث قبل الميلاد غلبت اللغة الاكدية على اللغة السومرية في الانتشار والاستخدام حيث ان التجار الاكديين ساعدوا في نقل تراثهم اللغوي الى بلاد الشام والاناضول. هذا بالاضافة الى العامل السياسي اذ امتد سلطان الدولة الاكدية لهذه البلاد منذ عهد سرجون الاكدي وخلفائه.
غير انه حتى عندما انتهت الدولة الاكدية سياسيا بقيت اللغة الاكدية وسيلة للتدوين في كل بلاد الرافدين كما يقول الدكتور علي الجبوري. وحتى عندما جاء الامورويون مع مطلع الالف الثاني قبل الميلاد، والاموريون نسبة الى كلمة سومرية تعني الغرب أي انهم قوم جاءوا من الغرب، ابقوا على استخدام اللغة الاكدية الا ان لهجاتهم الاصلية كان لها تأثيرها بحيث ان اللغة الاكدية اصبحت ذات لهجتين: الاولى عرفت بالبابلية والثانية عرفت بالآشورية.
ولم يقتصر استخدام اللغة الاكدية على الصعيد الاقتصادي، بل اصبحت لغة المدارس والعلوم والمعارف التي لابد للطلبة من اتقانها لكي يؤهلوا للعمل مدرسين او كتبة.
وكانت المراسلات الرسمية كلها تكتب باللغة الاكدية والخط المسماري. وتحوي المتاحف العالمية مثل المتحف البريطاني واللوفر ومتاحف اسطنبول وبرلين مئات الآلاف من النصوص المسمارية في مختلف الموضوعات.
ويضيف العالم العراقي "غير ان اللافت للنظر حقا هو الرسائل الملكية المتبادلة بين ملوك العراق القدامى وملوك الدول المجاورة التي كانت مكتوبة باللغة الاكدية على الرغم من ان كثيرا من هؤلاء الملوك كانت لهم لغاتهم الخاصة مثل الفراعنة المصريين. فملوك سلالة اخناتون كتبوا رسائلهم مع ملوك بلاد الرافدين بها، وقد عثر على مجموعة من هذه المراسلات في موقع تل العمارنة في مصر والتي كانت عاصمة الفرعون المصري اخناتون، وهذا يدل على انها كانت اللغة الدبلوماسية المستخدمة للمراسلات بين الملوك في هذه الفترة".
وللتأكيد على اهمية هذه اللغة نجد ان الملك الآشوري سرجون الثاني يؤنب احد حكام المقاطعات الآشورية في بلاد بابل قائلا قائلا له: لا تكتب لي باللغة الآرامية وانما باللغة الاكدية. وهذا دليل واضح على ان الملوك البابليين والآشوريين كانوا يفضلون استخدام اللغة الاكدية في مراسلاتهم على اية لغة اخرى.
والقارئ للنصوص الاكدية يجد ان كثيرا من الافعال والاسماء في اللغة العربية الحالية ذات جذور تمتد للغة الاكدية مثل الفعل سرق بالعربية الذي هو في الاكدية "شرق". كذلك فان اغلب الضمائر المتصلة والمنفصلة متشابهة بين اللغتين.
وقد خلد الاكديون واللغة الاكدية حضارة بلاد الرافدين حيث ان ما تم اكتشافه من نصوص مسمارية مدونة باللغة الاكدية اعطت صورة واضحة عن حياة المجتمع العراقي القديم بجوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. بالاضافة الى الجانب الادبي مثل القصص والاساطير والجانب الديني.
ويقول الدكتور الجبوري "ومن هنا كان التفكير في مشروع مكتبة آشور بانيبال الذي جاء بفكرة بسيطة وهي استحداث قسم للدراسات المسمارية بكلية الآداب بجامعة الموصل. وكان هناك لقاء مع الرئيس صدام حسين وعرضت عليه فكرة احياء مكتبة آشور بانيبال فامر مباشرة بتنفيذ الفكرة واعتبار هذا المشروع مشروعا استراتيجيا لجامعة الموصل."
ويضم مشروع احياء مكتبة آشور بانيبال مشروعين فرعيين: الاول معهد الدراسات المسمارية وهو معهد يقوم بتخريج طلاب الماجستير والدكتوراه فقط. والثاني احياء المكتبة وسيكون المبنى الجديد على طراز خاص يناسب التاريخ الآشوري ورصدت له الدولة مبالغ مالية هائلة.
وستكون مكتبة آشور بانيبال على عدة طوابق. الطابق تحت الارضي سيكون به مخازن تودع بها نتائج التنقيبات الاثرية بالمستقبل، والطابق الارضي سيكون معرضا تعرض به نصوص من المكتبة نأمل ان تبلغ حوالي الف نص. وتم الاتفاق مع المتحف البريطاني على عمل نسخ من النصوص الاصلية. وتضم مكتبة آشور بانيبال 25 ألف لوح مكتوب تم اكتشافها في منتصف القرن التاسع عشر على يد العالم هرمز رسان، وكلها موجودة الآن بالمتحف البريطاني.
وتضم هذه المكتبة كافة نصوص المعرفة. وقد قال الملك آشور بانيبال في احد كتاباته: "ارسلت الكتاب لكل المدن لجمع كل النصوص وجلبها لمدينة نيرو وحتى اذا وجدوا نصا لم يذكر فعليهم ان يستنسخوه ويحضروه".
اما الطابق الثاني فسيكون به مكتبة يحاول العلماء العراقيون جمع نواتها من الاصدقاء والعلماء المتعاونين من الدول الاخرى، اذ ان ظروف الحصار اثرت كثيرا على الناحية العلمية بالعراق لانه لا يسمح بوصول الكتب العلمية. وسيضم الطابق الاول كل ما كتب عن مكتبة آشور بانيبال منذ اكتشافها سواء عن طريق الشراء ام التصوير. والهدف خدمة أي باحث عراقي او عربي او اجنبي. وستكون هناك دور ضيافة لاستضافة الباحثين الزائرين.
وفي النهاية يقول الدكتور علي الجبوري ان العراقيين تركوا لمسات كبيرة للانسانية فهم اول من ابتكر الكتابة يليهم المصريون. كما ان العراقيين اول من شرع القوانين مثل قانون حمورابي، وكثير منها لا يزال موجودا في التراث العربي والاسلامي. وفي الفلك والرياضيات وجدنا نصا رياضيا مكتوبا لنظرية فيثاغورس في تل حرمل يؤكد ان العراقيين هم اقدم من كتبوا في الرياضيات، وهم اول من وضع جداول اللوغاريتمات واول من وضع دراسات في الفلك والتنجيم ووضعوا دراسات عن حركة الكواكب وتأثيرها على الزراعة والمرض وغيره.