اللعب بالنار: رائحة حريق 'قاهرة 52' تتسلل الى الانوف

بقلم: د. يحيى القزاز

ثمة إشارة واضحة في مفترق الطرق، وصرخة محذرة من وطن تتصارع أحشاؤه الملتهبة، ومن دولة تزعزع استقرارها، ومالت أركانها، وباتت فوق حافة الانهيار. وان رائحة حريق "قاهرة 52" بدأت تتسلل إلى الأنوف، وخيوط دخان تلوح في سماء القاهرة منذرة بانفجار لا يقدر أحد على إخماده أو التحكم فيه. وعجز النظام الحاكم عن تقديم أي دليل مادي للإصلاح ساعد على انتشار حركة "كفاية" المعارضة في كل ربوع مصر، ولم تنجح قوات الأمن في محاصرتها ومنع تغلغلها في الحواري والنجوع، لذلك لجأ الحزب الوطني لاختراع طريقة جديدة لمواجهتها بمظاهرات مضادة مؤيدة للنظام.
المظاهرات المضادة من اختراع النخبة الحاكمة، سابقة لم يعرفها التاريخ الديمقراطي من قبل، تعتمد على الوقيعة وإثارة الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، مستغلة مجموعة من طبقة سحقها الفقر، وبعض ممن اضطرته ظروف معيشته القاسية لاحتراف البلطجة كمصدر للرزق. يُمنح الفرد منهم جنيهات قليلة فيمنحهم صوته، وهتافه بحياة الرئيس، ويعطيهم يده التي تضرب إخوته المعارضين. نخبة حاكمة جمعتهم مصلحتهم، وأعماهم جشعهم عن إنقاذ الوطن، لا يعرفون الفرق بين مصالحهم الخاصة ومصالح الوطن العامة، ولا الفرق بين إدارة دولة وإدارة "جمعية فئوية" أسسوها بليل وأسموها الحزب الوطني، اختزلوا الوطن فيها، ومنحوا رئيس مجلس إدارتها سلطات مطلقة من احتكار السوق إلى عقد صفقات الاستيراد (التدخل الأجنبي) والتصدير (مسئولون للتسول لدعم الجمعية والحفاظ على استمراريتها).
منع حركة "كفاية" من التظاهر السلمي يوم الاستفتاء، وضربها بعصي الشرطة و"بلطجية" الحزب الحاكم هو بروفة مصغرة لما يمكن حدوثه في الفترة القادمة وحتى انتخاب الرئيس القادم (إن كان هناك انتخاب). وفي الديمقراطية الحقيقية الانتخاب يعني التجمهر والتظاهر والنقد، فهل يحتمل مجلس إدارة "الجمعية الفئوية الحاكمة" النقد وهل يسمحون بالتظاهر؟ أم إن التظاهر يهدد الأمن العام ويمنع الاستثمار، والنقد تطاول على رئيس الدولة يوجب السجن بصحيح القانون!
لقد نجح الحزب الحاكم في إقرار المادة 76 من الدستور بحلوها ومرها وبالطريقة التي ارتضاها، ونحن نطالب منه أن يعلن لنا وبالطريقة التي يرتضيها أيضا عن كيفية ممارستنا للحرية والديمقراطية في الفترة القادمة وحتى انتخاب رئيس الجمهورية، ونرجو منه الإجابة حرصا على مستقبل وطن وحفاظا على مقومات دولة ومقدرات شعب. ونرجو الأخذ بعين الاعتبار ما حدث في العراق، وأن الشعوب ليست ملائكة، وما هو مرفوض اليوم ربما يقبل غدا، وقد تحدث مواجهة يكون الخاسر الوحيد فيها الوطن.
المظاهرات المدفوعة المضادة تعني الوقيعة والفتنة بين أفراد الشعب، وهي تعبير عن نظام مأزوم فقد شرعيته، وضل طريقه فبدأ يلعب بالنار، ولا يدرك أن النار تحرق من يلعب بها. الدستور يجرم إثارة الفتنة ويقر حق التظاهر السلمي. فهل يحق لنا المطالبة بمحاكمة مثيري الشغب والفتنة في نظام لا يعرف الفرق بين إدارة الدولة وإثارة الفتنة. د. يحيى القزاز