اللعبة النووية: المستقبل العربي في دعم ايران

لم تخرج أي من القرارات الاستراتيجية العربية، سواء الحكومية أو الشعبية، منذ بداية القرن العشرين وحتى الان، عن دائرة النفوذ الاجنبي وخدمة الاغراض والاهداف الآنية الضيقة التي في معظمها فردية من أجل اعتبارات شخصية أو قطرية (من القطر وليس قطر).فالثورة العربية الكبرى، أو هكذا وصفها المؤرخون المنحازون، التي قادها ألشريف حسين من مكة والحجاز ضد الحكم العثماني، كانت ضمن منظومة وتخطيط لخدمة هدفين رئيسيين: الاول تأييد دول الحلفاء، وبالتحديد بريطانيا ودعمهم ضد العثمانيين في الحرب العالمية الاولى، والثاني تنصيب الشريف حسين وأولاده على حكم ولايات عربية وعدت بريطانيا في تكوينها بعد اندحار الدولة العثمانية.في الحقيقة كانت بريطانيا التي تكيل الوعود للعرب تعقد اتفاقية سرية (سايكس-بيكو) مع الفرنسيين، عرفت باسم مفاوضيها سايكس البريطاني وبيكو الفرنسي، لتقاسم النفوذ والسيطرة على "الولايات" العربية.
لم يحقق العرب الاستقلال والولايات ولم يحصل الشريف حسين وأولاده على سدة الحكم ولكنهم نصبوا إبنه فيصل، بعد أن رفضه الفرنسيون في سوريا، ملكا على العراق، واقتطعوا شرق الاردن ونصبوا أبنه الاخر عبدالله، "أميرا" عليها غير أن الاثنين يحكمان في ظل السيطرة البريطانية وخدمة لمصالح بريطانية.
تكررت القصة في الحرب العالمية الثانية حيث ساند عرب الشرق بريطانيا في حربها ضد ألمانيا، فاندحرت النازية والمانيا وخسر العرب فلسطين حيث كانت بريطانيا نفسها التي خذلتهم في الاولى، تساعد، أثناء الثانية، الهجرة اليهودية وتحمي المستوطنات اليهودية في الاراضي الفلسطينية.وتحظى بريطانيا حتى الان بأفضل العقود التجارية، العسكرية والمدنية، ليس أقلها شهرة مشروع اليمامة العسكري الذي أبرمته المملكة العربية السعودية مع الشركات البريطانية بقيمة تفوق خمسة وعشرين الف مليون دولار.
وكان الصراع السياسي والتحالفات الاقليمية بين العرب وبينهم والدول الاخرى تستند الى خدمة استراتيجيات غير عربية.فاحتلال مصر لليمن وصراعها مع المملكة العربية السعودية، ومن ثم انقسام اليمن الى دولتين جمهوريتين أحداها متحالفة مع السوفيت والمعسكر الشيوعي الشرقي والاخرى مضطربة، وتحالف مصر والعراق وسوريا، مع الاتحاد السوفيتي والسعودية مع الولايات المتحدة، وغيرها كثير، حول القرارات العربية الى تابع لسياسات خارجية وتخطيط استراتيجي لمصالح أجنبية.وقد لعب ذلك دورا في خسارة العرب لمكانتهم وقوتهم، رغم ثروتهم الكبيرة، وكذلك معاركهم وحروبهم، لان قرارات حكوماتهم، رغم فورة التفكير السياسي جماهيريا بضرورة توحيد العرب، تتماشى، طوعا لمصالح ذاتية أو لوقوعها تحت ضغط خارجي، وتساند تلك المصالح الاجنبية.والتاريخ الحديث معروف ومتيسر للاطلاع عليه فهو شاهد حالي وما تزال أبعاد القرارات التي يسجلها تقود التفكير العربي.
وقد خسر العرب، حكومات وشعوبا، الكثير من تحالفات ثنائية وجماعية، ودخلوا في صراعات نيابة عن مصالح أخرين، دون الالتفات، وربما لفقدان القدرة، على هدف استراتيجي مع دول جارة حتى وان تعارضت سياساتهم الآنية معها.ولا يوجد أدنى شك ان السياسات الايرانية، منذ حكم الشاه محمد رضا بهلوي، بل وأبعد من ذلك بقرون سحيقة، وحتى حكم رجال الدين الحاليين في طهران، تتمحور على مبدأ الصراع مع العرب وهضم حقوقهم، في الجزر الاماراتية وشط العرب العراقي والحدود العراقية الشرقية، ومحاولات قلب أنظمة الحكم في عدد من الدول وخصوصا الخليجية، مثل البحرين والكويت. وقد فقدت القيادة الايرانية الدينية التي قادها الخميني منذ 1979 فرصة ذهبية في تصحيح حالة الاحتقان والعداوة والشك بين العرب وايران، من خلال دعواتها لتصدير ما يسمى بالثورة الايرانية وتصادمها مع العراق في حرب ضروس استعدت التاريخ العربي وجماهيره ضد ايران في العقل الجمعي والتفكير السياسي العام.
ومن جانبهم أخفق العرب أيضا في "تلييين" المواقف الايرانية والاقتراب منها لاسباب كثيرة أهمها الخوف من المد "الثوري" الديني الذي يشكل خطرا جسيما على مجتمعاتهم، والدور الايراني الحالي في المشهد العراقي يقدم مصداقية للشك والريبة بمقاصد ايران الاستراتيجية والاقليمية. يضاف الى ذلك اصطفاف العرب السياسي والاستراتيجي آنذاك الى جانب احدى الكتلتين العظميين، الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفيتي.وكانت القوتان تستخدمان الحكومات العربية وقدراتها المالية والسياسية، بل وحتى الدينية، لخدمة أغراضها من جهة وفي مواجهة "أعداء" تلك القوى.
ويقدم الصراع الحالي المحتدم بين الغرب، وبالتحديد الولايات المتحدة، وايران بشأن الملف النووي فرصة تاريخية، تعد منعطفا مهما في منطقة الشرق الاوسط برمته، والمستقبل العربي بشكل خاص، أمام الحكومات العربية كي تدخل اللعبة السياسية الاقليمية والدولية بذكاء وتخطيط استراتيجي. فالغرب وواشنطن تخشى من الجهد النووي الايراني الذي سيؤثر عند نجاحه على المصالح الاميركية والاسرائيلية فيما يستطيع العرب استثمار تلك القوة الايرانية الناشئة وتجييرها لخدمة مصالحهم بحيث يفلحون، من خلال تفاهمات مع طهران، في الاحتماء من الابتزاز الاميركي البريطاني الاسرائيلي بالمظلة الايرانية وفي الوقت نفسه تجنب الضرر الايراني من خلال دعم طهران في مواجهة الضغوط الغربية.
ان مجرد التلويح بالانحياز الى ايران أو العزوف عن دعم النهج الغربي في مواجهة ايران سيضطر الحكومتين الاميركية والبريطانية الى السعي الى كسب ود العرب وتقديم تنازلات استراتيجية خدمة للمصالح العربية.
في الوقت نفسه ان الحاجة الايرانية الماسة الى دعم الدول الاقليمية، وخصوصا الخليجية، لموقفها من المسألة النووية تمنح الحكومات العربية قدرة على الحصول على تنازلات استراتيجية من ايران، منها التخلي عن الاحتلال الايراني لجزر الامارات وعن الدور الاحتلالي والتخريبي في العراق. فالسياسة لعبة مناورات واستثمار فرص يوفرها الاخرون في منعطف تاريخي نشهده الان على الساحة الاقليمية والدولية.
ويجب بالتأكيد على أن يبقى العرب يقظين بشأن نوايا ايران التي دأب قادتها، مهما كانت ألوانهم وعقيدتهم، على المراوغة والتراجع عن اتفاقات وقرارات مرحلية لخدمة المصلحة الايرانية. وهناك أمثلة عديدة بينها أتفاقيات ومعاهدات ايران مع الحكومات العراقية المتعاقبة بشأن الحدود والحقوق في المياه والملاحقة التي كانت ايران تنقضها لتطالب بالمزيد من التنازلات حالما تتغير الظروف. د.عبدالهادي التميمي
كاتب وأستاذ جامعي عراقي مقيم في بريطانيا