اللذة في أن تطفو على السطح



بقلم:الدكتور عدنان المبارك

محمود سعيد الأديب الواقعي

بلا أيّ رغبة أعود الى موضوع ما يسمى بأدب الإلتزام السبب؟ دوار الرأس الذي أصاب هذا وذاك في هذه الظروف السياسية بل وقبلها حين كان كل كاتب من كتاب الدرجة الثانية وما تحتها يكشف لأول عابر سبيل أو موظف على حدود دولة أخرى ما فعل به صدام مثلا، في الميديات الورقية والألكترونية يخيل إليهم أن أدبهم قد حقق النصر النهائي.

الروائي محمود سعيد في اجاباته على اسئلة كرم نعمة وهو المحرر المشرف علي ملحق "الف ياء" في صحيفة الزمان بطبعتها الدولية، الذي مارس دور "المحاور المستمع"! قوانة قديمة، مثلا قوله "أنا لا أكتب أي رواية أو قصة قصيرة لدافع أدبي خالص، أنا أكتب أدبا، ولا أفكر أن يصبح أدبا خالصا، الأدب الخالص يدعي أحيانا (ولماذا أحيانا فقط؟!) الأدب للأدب كالآم فارتر (فيرتير)، وكرواية الزمن الضائع (في البحث عن الزمن الضائع)، أنا لا أحب هذا النوع من الأدب (حمدا له حين صارت المسألة تخص الحب فقط!)، وما أكتبه ينطبق عليه صفة الأدب الواقعي، كل رواياتي إنعكاس للواقع (كأن مارسيل بروست لم يعكس واقعه في تلك الرواية)، أنا كاتب واقعي (لا أعرف أيّ صنف من الواقعيين هو: الواقعيين النقدين أم أولئك الإشتراكيين، أم الزولا ئيين، أم السحريين أم غيرهم؟) ولا أحاول أن يكون أسلوبي أدبيا محضا قط (ماذا؟ هل هو صحفي ريبورتاجي مثلا؟)، ما أحرص عليه في أسلوبي أن يكون سهلا واضحا يصل الى القاريء بيسر (هذا تملق واضح لقاريء معيّن لايكترث، بالأساس، لمثل هذا الأدب الذي يستعيض عنه بمنتجات الميديات!) أما أن يكون أدبا خالصا فلا (كما فهمتُ يكون الأدب الخالص عند كاتبنا كل ما يبتعد عن السهولة والوضوح!)".

وبعد تتبع مدهش- لكنه بعيد عن تلك النرجسية المضحكة التي صارت ماركة مسجلة لجوقة كبيرة من كتابنا، وليس كتابنا فقط- لما نشر له وعنه يعود الى الشكوى من ذلك الأدب الخالص الذي هو بعيد، وكما قال بكل عناد في الحوار المنشور في الطبعة الدولية من صحيفة الزمان بعددها 3830 الصادر في 24 شباط- فبراير 2011، وفي موقع ميدل ايست اونلاين في اليوم نفسه، عن المجتمع، بعيد عن الشعب، شخصي، متقوقع، كئيب "لا أعرف لم هو كئيب أيضا، طالما أن كل ما حول وفي شعب كاتبنا ومجتمعه كئيب أيضا"، أناني "أخذ كاتبنا هنا يبالغ حين صفّى جميع الأنماط السايكولوجية: نسي مثلا الفارق بين الأنوية والأنانية".

وبعدها راح "الى ألف ليلة وليلة"، وهنا طاش سهمه تماما، فـ "الليالي" إبتعدت كثيرا عن مسطرة كاتبنا التقييمية، رغم نفيه بأنها ليست أدبا خالصا، أي الأدب الذي سبق أن وضع له تعاريفاً صارمة الحدود.

وما إستوقفني في كلام كاتبنا أكثر من غيره قوله إن "(الليالي) صورة مثلت جميع جوانب الحياة: حب، كراهية، تسامح، حقد، واقع، خيال، إنسان، حيوان، جان (بإعتقادي أن الجان أفلتوا من معايير كاتبنا الواقعية)، صلاة، كفر، علم، جهل الى ما لايحصى من موضوعات الحياة، إضافة الى نظرة تقدمية لا علاقة لها بالظلام والعقائد المتحجرة".

من كل هذا فهمت أن كاتبنا يحب التقدم - لكن ما هو تعريفه للتقدم يا ترى- ويكره الظلام والعقائد المتحجرة.

في الحقيقة أنا أنفر من الظلام "أي إنعدام الضوء" أيضا، أما العقائد المتحجرة فهي، قدر علمي، كثيرة ولا أعرف أيّ منها قصده كاتبنا.

والآن همسة صغيرة له: اليسار واليمين يدينان، على حد سواء، ما أسميته بالأدب الخالص، وما أستنتجه هنا أن كتابا من أمثال كاره الأدب الخالص هذا ليسوا قلّة بل هم الأكثرية، ومرد نزعتهم الهجومية أن الأكثرية البشرية تقف وراءهم أيضا، كاتب "تقدمي" آخر يكرر كالببغاء ما سبق أن سمعته قبل أكثر من نصف قرن: "... المثقف الحقيقي هنا ليس متفرجا فقط، ولا مجرد منتج لقيمة جمالية (كما يبدو تكون كراهية الجمال وقيمه من مؤشرات التقدمية!)، بل هو عامل مهم في خلق التغيير الانساني والديمقراطي…إلخ".

لقد سبق أن كتبت هنا وهناك بأني أشعر بغربة قاسية حين أجد أن أمثال هؤلاء الكتاب يجلسون، وبكل زهو، في المقاعد الأمامية في كل محفل وليس الأدبي فقط. والمؤلم أكثر من غيره ضآلة الفرص كي تكون هناك لغة مشتركة بيني وأكثرية من يكتب. فالحروب والتأريخ وموات الحرية إجتمعت كلها لإنجاب أدب هاجسه الأوحد أن لا "يخون" الاخرين وقيمهم والواقع المباشر قبل كل شيء.

بالطبع لابد من الأخذ بمعيار النسبية، لكن الى حدود معينة، من النادر أن أجد ولو كرسي إعتراف واحدا في هذا الأدب، الكاتب مشغول بهموم أنت وأنتم ونحن وهم وهو وهي، وفي غمرة هذه الأشغال، وهي ليست بالشاقة، نسي الضمير الأساسي، نسي بأنه الحقيقي، وقاده الوهم المزمن الى الإيمان بأن مهمته الأولى والأخيرة الصيرورة إطفائيا أوممارساً لأيدولوجيا أو نقابياً أومدوّنا لأحداث طافية على هذا السطح وذاك.

معلوم أن لا علاقة لنوع الأحداث بنوعية الكتابة بل بالمرصد، باللغة أيضا، فات هؤلاء أن المشكلة ليست في الكلام عن الأنا أوعدم الكلام عنها بل في أن الضمائر الأخرى شغلت مكان الأنا الشرعي.

تولستوي "الواقعي" كان يجيد إستخدام اللغة ولم يلجأ الى الشعرية المباشرة ولم يفتقد السبر السليم لمتاهات النفس، كان وعيه بزمنه أكثر من كونه فائقا، قبل كل شيء لم يفكر عند الكتابة بقاريء جماعي معيّن كما يحصل عندنا. بالطبع أحالنا تولستوي الى العالم الخارجي، وهذا يكون بالكاد، كما يقول أرنستو ساباتو، نصف عالم الفن لكن هذا لايعني أن تولستوي تجاهل النصف الآخر. وعموما أنا منذ عقود طويلة أضيق ذرعا بهؤلاء الأبناء غير الشرعيين للواقعية، وكأن الدخول في متاهات النفس أو النقل الفني لحلم صبي ما، هو محض وهم بائس.

كرم نعمة المحاور الذي اكتفى بالاستماع

الهاجس المزمن منذ أن أطل برأسه على الدنيا ما يسمى بالأدب العراقي الحديث هو أن يكون وطنياً، إجتماعياً، أخلاقياً، مدرسياً، كأن حلم ذلك الصبي أو إحتضار إمرأة معزولة عن العالم الخارجي يكون متعارضاً مع تلك الواقعية أوالطابع الوطني.

في الحقيقة أنا أكررهنا كلمات أستاذ كبير، ساباتو، قدّم لنا خدمات كبيرة عندما نفض ما كان عالقا في رداء الفن من ترهات وأفكار خاطئة: علينا أن لا نسمح للقضايا الإجتماعية الصعبة والمؤلمة أن تحجب بصرنا عن حقيقة أيّ شيء ينبغي أن يكونه الأدب الكبير الذي هو، في الجوهر، عراك من نوع خاص. وهذا العراك هو جزء من الحقيقة، فالوعي بالقيم الأخلاقية والرغبة في دحر قوى اللاوعي المدمِرة والسعي الى المشاركة في الحياة الجماعية هي كلها جزء من الوضع البشري الجدلي.

ولنأخذ روايته العظيمة "عن الأبطال والأضرحة" التي فيها كل شيء بدءا بالرومانسية والتقاليد والتأريخ والباثولوجيا المظلمة من أميركا اللاتينية، وكلها وجدها فيتولدغومبروفتش ترتبط بأسلوب غريب، بالمودرنزم الطلائعي الذي يعبّر عن أرجنتين اليوم.

وأنا أظن أن هذه الرواية هي وصفة جيدة لمتاعب النثر العراقي الإجتماعية والفنية، وكما يقول ساباتو: هي ديماغوغية فكرة أن كل عمل فني كبير يخاطب في النهاية الأكثرية، لاشيء من هذا القبيل! هناك أعمال فنية كبيرة إلا أنها للأقلية: كافكا بالطبع هناك فن للقلائل لكنه سيء، معظم أشعار اليوم التي لاتعدو كونها أحجية لفظية أو صرعات شكلية.

يحصل الآن تراجع صغير، هناك أدب كبير لكنه للكثيرين"الشيخ والبحر" ولأجمل معه واقع الحال الذي لن يتغير سريعا، هناك أدب للأكثرية لكنه سيء الواقعية السطحية "أي طفل أدبائنا المدلل!" وبضمنها الساذجة، القصص المصورة، الروايات الفاجرة وكامل الأدب البوليسي تقريبا "ساباتو ليس فان غوغ ولا كافكا من أنفصل الإنسان عنهما بل الإنسانية جمعاء جموع الرعاع".

في الواقع أنا لا أتكلم عن المتلقي بل عن العلاقة العجائبية بينه والفنان من جهة، والأخرى القائمة بين الفنان وفنه.

أكيد أن للتعليم والحرية إسهاما كبيرا في دفع الفن صوب الجماهير، وأنا لا أنكر هذه الحقيقة بل تأثيرها على كم هذا الدفع. في بلدان لاتعرف الأمية ويكون فيها الكتاب خبزاً يوميا يبقى كافكا مجهولا أو بالأحرى غير مقروء بنسبة ملحوظة، بالطبع هي أقل بكثير من نسبتها في ألبانيا أو العراق مثلا.

أكيد أيضا أن الكاتب الحقيقي هو من لايسمح بحجب الحقيقة وأيّ كانت الستر، والنموذج السيء هنا هو تلك الواقعية الإشتراكية التي حرّضت على تحويل الفن الى عملية هندسة، ولكم كانت فجّة، للنفس.

ألم تكن مقولتها الرئيسية إن على الكاتب أن يستشرف ما ينبغي أن يكون وليس ما هو كائن، فهذا بحكم الديالكتيك في حركة دائمة. بعبارة أخرى لكنها إستنفارية بالطبع: إكتشاف المستقبل في الحاضر، وبهذه الصورة لا تفصلنا غير خطوة واحدة عن عتبة الوهم والإختلاق التنظيريين.

ومرة أخرى تأكدنا من تلك الحقيقة القديمة عن أن الطريق الى الجحيم مرصوف بالنيات الطيبة، معلوم أيضا، وللأسف ليس لدى الجميع، أن ما يشوّه الفن الحقيقي رسم هدف له، وكأن العملية الفنية ليست بحد ذاتها هدفا، أكثر مايغيظني، وليس منذ اليوم، أن يعيش فناننا في داخل جوزة أوهامه، وليس أحلامه وكوابيسه وهلوساته، بالطبع الثرثرة هي أمر آخر.

أكيد أن الوهم الأكبر في تلك الظاهرة الكاريكاتورية حقا: الإلتزام، والتي هُرِّبت، بكل سهولة، الى الفن، ففرسان الإلتزام الذين يركبون خيولا خشبية لكنها ذات مفاصل تتيح لهم الركوب والحركة، إستغلوا هنا بضع حالات سوء فهم وفي مقدمتها إختيارالفنان مادة سياسية أو إجتماعية أوإنسانية لعمله.

عليّ أن أستدرك بأن قلة كلامي عن الإلتزام هنا هو مجرد خاطرة ولربما إيضاح لما عزمت أن أفعله الآن: محاولة للإقتراب من اللاوعي الذي لا يعترف به مجيدو ركوب الخيل البروتستانتي على حد نعت بورخيس للألتزاميين، وواضح أنها سوف لن تخلو من رقابة الآخر، الوعي، لكن ما العمل، فلغاية الآن نحن نجهل حتى الحدود بين الإثنين.

في كل الأحوال أنا أكبح الغيظ كي لا يدفعني الى التمني: أن يصاب كتابنا هؤلاء بالحبسة الأفازيا، فحينها قد يحل الصمت العذب في النفوس والورق والألكترونكا.

في كل الأحوال لابد من تكرار كلمات أخرى لساباتو هناك أدب جيّد وآخر رديء، وهذا كل شيء…

عدنان المبارك: اكاديمي وأديب عراقي مقيم في الدنمارك

باندهولم – شباط/ فبراير 2011