اللتيني يبحث وضع أسس أولية لحوسبة المعنى في المعجم

يدخل كتاب "حوسبة الدلالة" في مجال اللسانيات الحاسوبية، وينطلق نظريا من اللسانيات التوليدية التي تعد أهم أدوات الحوسبة اللغوية.


مشكلة البحث تتمحور في معاناة المعجم العربي من مشكلة تنظيم المعنى الحقيقي المتعدد، في علاقته بالمعنى المجازي،


توليد الجمل لأغراض تتصل بالاقتصاد اللغوي، والتقليل من الذخائر النصية

يدخل هذا الكتاب "حوسبة الدلالة" للباحث السعودي د.يحيى أحمد عبدالله اللتيني في مجال اللسانيات الحاسوبية، وينطلق نظريا من اللسانيات التوليدية التي تعد أهم أدوات الحوسبة اللغوية، وتطبيقيًا من علوم الحاسوب. وقد أضحى هذا العلم أمرًا مَحِكًا في الآونة الأخيرة، وبالأخص فيما يتعلق بموضوعات اللسانيات التطبيقية كتعليم اللغات والترجمة الآلية، وتوليد الجمل؛ لأغراض تتصل بالاقتصاد اللغوي، والتقليل من الذخائر النصية.
وأوضح اللتيني أن البحث يتصل بموضوعين دقيقين متخصصين: الأول حوسبة المعجم وأسسه النظرية والتطبيقية، والثاني حوسبة المعنى الأصلي والمجازي. وهذا الأخير يعد مشروعًا طموحًا يمكن بلوغه في ظل التقدم الملموس للسانيات التوليدية وما ترومه؛ لبلوغ أهداف الكفايتين الوصفية والتفسيرية المنشودة. إن أي نظرية أو فكرة تقترب من وضع أسس أولية لحوسبة المعنى في المعجم فضلا عن المعنى المجازي له جديرة بالمتابعة، والبحث بكل ما يملكه الباحث من أدوات وتقنيات. وقد استدعى العمل في هذا البحث استنفار نتائج اللسانيات الحديثة ـ خصوصا التوليدية ـ في كل من المعجم والدلالة والحوسبة، والإفادة من الخبرات اللسانية في هذه المقاربة لتحديد صور المعالجة الآلية وأسسها. 
ورأى في تقديمه لكتابه الصادر عن مؤسسة أروقة للنشر بالتعاون مع النادي الأدبي بنجران أنه قد قُدمت دراسات مختلفة لمحاولة الوصول إلى نجاعة حاسوبية فيما يتعلق بدمج المعلومات الدلالية في الوحدات المعجمية حاسوبيًا، غير أن جل اهتمامها انصب على التحليل الدلالي، وعلاقة المحاور الدلالية بالمواقع الوظيفية، لكن هذا البحث يحاول تقديم تصور يمكِّن بموجبه من الوصول إلى تمييز الحاسوب بين المعاني الحقيقية، والمجازية من خلال بعض العمليات الحوسبية التي تقرن بين الرأس الفعلي وانتقاءاته التفريعية بموجب التفريع المقولي، وبموجب السمات الدلالية.

الاعتماد على السمات الدلالية قد يعتبر المعنى حقيقيًا، وقد يعتبر مجازياً، مثل "قتل الكتاب الضخم زيداً" فربما كان كتابًا ضخمًا في حجمه سقط عليه فمات؛ فيكون المعنى حقيقيًا، أو أنه ضخم لما يحمله من أفكار؛ فيكون المعنى مجازياً

وتتمحور مشكلة البحث في معاناة المعجم العربي من مشكلة تنظيم المعنى الحقيقي المتعدد، في علاقته بالمعنى المجازي، وجوهر المعاناة يعود إلى تضخم المادة المعجمية، وتوسع استعمالها في السياقات المختلفة التي تسمى تعداد المعنى، ونتج عن كل هذا تعثر برامج حوسبة المعجم خصوصا ما يتعلق بالترجمة الآلية، ومعالجة المواد المعجمية الرقمية بما يساعد على تقديم تصور واضح ودقيق لإيجاد بنية تحتية رقمية تساهم في تقليص العبء الحاسوبي الناجم عن تحرير المواد المعجمية "الذخيرة النصية". ومن ثَمَّ فإن من أهداف البحث: أولا الوصول إلى تصور كافٍ لتوليد المعنى الأصلي المتعدد، والمعنى المجازي. وثانيا تقديم تصور لحوسبة المعنى الأصلي المتعدد والمعنى المجازي في المعجم. وثالثا تدعيم برامج الترجمة الآلية للنصوص بالتمييز الآلي بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي من خلال حوسبة طرق توليد المجاز. ورابعا وصف طبقتي أفعال الحالات وأفعال الأحداث وتمييزهما وفق نموذج يعتمد الروائز التجريبية المتاحة في اللسانيات التوليدية وصولا إلى تبسيط حوسبتهما.
قسم اللتيني بحثه إلى تمهيد وفصلين رصد في التمهيد أهم المصطلحات والرموز الواردة فيه. وفي الفصل الأول تناول المبحث الأول منه الدلالةَ التوليدية التي أمدت البحث بتاريخها الطويل الذي بدأه كاتز وفودور وبوستل ـ من بعد تشومسكي ـ بالمبادئ التي بموجبها نولد الدلالة من المعجم، وهي مبادئ في مجملها تحتكم إلى طابع العمليات الذهنية التي تجري في الدماغ وهي عمليات ذات طابع دلالي.
وأشار إلى أنه بالاعتماد على السمات الدلالية، والتقابلات الثنائية تم تكوين نظام للسمات التمييزية يمكن من تحليل المقولات المعجمية. فتتمايز العناصر المعجمية بالسمات الدلالية وجوداً (+)، وعدمًا (-). وعلى ذلك يعتمد الانتقاء المقولي. وقد قدمت عدة تعديلات على النموذج المعيار. وقد انطلق البحث من الأسس الأبستمولوجية التي تحكم العمليات اللغوية الذهنية، وبموجبها نقترح أن تنظيم أي عمل معجمي توليدي لا ينبغي أن يغفل هذه الأسس. فمثلا: إن تنظيم المعجم الذهني لا ينبني على الترتيب الألفبائي، وإنما يعتمد على تنظيم توليدي تكراري، وفق مفاهيم الدلالة التوليدية؛ يولد عددا لا نهائيا من العبارات الحقيقية والمجازية، انطلاقاً من عدد محدود من السمات الذهنية. كما تناول الدلالة التصورية التي تعد من أهم اتجاهات الدلالة التوليدية إلا أنها تميّزت باعتبار المعنى تمثيلًا ذهنيًا، وواقعًا نفسيًا، كما اعتبرته بنية من المعلومات المنظّمة تنظيمًا عاليًا، والتي تنتظم تحت وحدة دلالية معينة، فمفردة "طائر" تتألف من بنية من المعلومات كالطيران، والريش، والمنقار، والبيض. فهذه المعلومات هي ما تكون مفردة "طائر"، وهذه الأخيرة تنضوي تحت مقولة أكبر هي "حيوان".
وتابع اللتيني أن الناس يعتبرون الجمل وكيانات أخرى ذات معنى؛ لأن شيئًا ما يجري في أدمغتهم. وتشكل البنية التصورية باعتبارها بنية ذهنية في بنية دلالية انطلاقا من محاولة لتمثيل المعنى في ذهن الإنسان، ويستفاد من ذلك أن مفهوم العنصر المعجمي يتشكل في بنى دلالية مصادر للاستدلال وتمكن تلك البنى من التعرف على القواعد المتحكمة في البنى الدلالية للكلام. وهذه الأفكار التي كانت محور عمل الدلالة التصورية ـ إلى هذه الساعة التي يقدم فيها هذا البحث - ستزودنا بمقترحات على مستوى تنظيم المعجم الحوسبي تركز فيه على مفهوم السمات الدلالية التي هي من أهم آليات تحليل المعنى في الدلالة التصورية، وإلى جانبهما الدلالةَ الحاسوبية التي تمثل العمل المعجمي بالنسبة للبحث، وهي باختصار تستثمر نتائج الدلالة التوليدية، والدلالة التصورية وتطبقها على الحاسوب.
وقال "بما أن اللغويين لا يعتبرون ما توافرت فيه قرائن دلالية لفك الالتباس في العقل البشري التباسًا، فالبحث قد حاول ترميز هذه القرائن في ذاكرة الحاسوب لفك الالتباس على غرار ما يفعله العقل البشري؛ وبالنظر إلى اللسانيات الإحيائية في تعاطيها مع الملكة اللغوية بوصفها عضوًا من أعضاء الجسد على شاكلة أعضاء معرفية أخرى، فهناك ثلاثة عوامل لتصميم اللغة وثالثها "مبادئ غير خاصة بالملكة اللغوية" وهي:
ـ مبادئ تحليل المعطيات التي يمكن أن تستعمل في اكتساب اللغة، وفي مجالات أخرى.
ـ مبادئ الهندسة البنيوية، وقيد النمو التي تتدخل في التقنية والشكل العضوي، والعمل على مستوى واسع، بما في ذلك مبادئ النجاعة الحاسوبية. وقد مكنت تلك المبادئ والوسائط من البحث الجاد في محاولة رصد خصائص اللغة في إطار اعتبارات عامة للنجاعة الحاسوبية؛ فبتحليل معطيات الدلالة كما هي في تصور الذهن البشري، نستطيع أن نتوصل إلى آلية لحوسبة إجراءات تلك التصورات؛ فالعمل الآلي يحاكي العمل الذهني إلى حد بعيد. والمحصلة ربطُ الوحدات المعجمية بالحاسوب، وإيجاد آلية عمل دقيقة تنظم استخدام اللغة في الحاسوب مما أدّى إلى تبسيط، وتنظيم المعجم العربي من حيث حوسبة المعنى الأصلي المتعدد، والمعنى المجازي.
وخلص اللتيني في هذا المبحث إلى عدد من النتائج:ـ تعتبر الدلالة التصورية المعنى بنية من المعلومات المرمزة في الذهن/ الدماغ "العالم المسقط" لكيانات العالم الخارجي. كما تعتبر الإحالة داخلية أي على العالم المسقط، والمجاز أكبر دليل على ذلك.
ـ تعدّ المعاني في الدلالة التصورية ذواتاً متعددة الأبعاد، وبتحليل هذه الأبعاد وفق أنظمة الأنماط الدلالية نستطيع ترميزها في الحاسوب.
ـ أن معالجة أي جملة تقوم على مفاهيم حاسوبية مضافة إلى الأساس النحوي. 
ـ لا يوجد مستوى خاص للدلالة اللغوية، بل يُحكم المستوى بتصورات المتكلمين؛ لذلك تتباين السمات الدلالية للوحدات المعجمية على المستويين المعياري، والمولد.

الحوسبة
د.يحيى أحمد عبدالله اللتيني

ـ يجب دراسة تنظيمات بناء التصورات الذهنية للكيانات في ضوء ما تمليه الدلالة التصورية باعتبارها خطوة أولى للتحليل المعجمي، ومن ثم الدلوف إلى تمفصلات التعالق فيما بين الوحدات المعجمية.
ـ كل وحدة معجمية تتحلل إلى سمات تفريعية ضرورية، وغير ضرورية، على ضوء منها تحدد السمات الطاغية في التوليد والدلالي.
ـ عندما يستدعي الذهن لوحدة معجمية فإنه يستدعي معها ما تتألف منه من بنينة المعلومات.
ـ عندما يستدعي الذهن الرأس الفعلي فإنه يستدعي مباشرة المركبات المقولية، والسمات الدلالية التي تتحد معه للتعبير عن المعرفة بصورة أنساقية محوسبة؛ وعليه يجب أن يصل الحاسوب إلى هاته الميزة.
ـ يجب أن يرمز المعجم في ذاكرة الحاسوب كل الخصائص الفرادية للمداخل المعجمية على شكل مصفوفات؛ ففي الأفعال ترمز الانتقاءات التفريعية والدلالية؛ لمتطلباته من الموضوعات، بالإضافة إلى المعلومات الجهية. وفي الأسماء ترمز السمات الدلالية الأنطولوجية.
ـ يتم تحديد المواقع الإعرابية للموضوعات بالاتكاء على المحللات النحوية في اللغة العربية، وإن لم يكن فتعتمد صرامة الرتبة (ف فا فض) كما في الإنجليزية مثلًا. 
واتجه المبحث الثاني إلى المعنى المحقيقي، والمجازي، والصلة بينهما، وطرق التوليد الدلالي باعتبار الدلالة التصورية، وكان من أهم نتائجه:ـ أن المتحكم في تحديد نوع المعنى من حيث كونه حقيقة أومجازاً، هو توافق السمات المقولية مع متطلبات الفعل، من عدمه.
ـ يختلف الحكم على المعنى من حيث كونه حقيقة، أو مجارًا بعدة أمور، من أهمها:ـ ثقافة المتكلمين "المرمزين لتصورات الكيانات"؛ فما يعتبره العامّة مولدًا، قد يعتبره المتخصصون معياريًا مثل: "جنون البقر"، و"السعار" عند الأطباء، ومثل: "زيارة الموقع الإلكتروني" عند المختصين في شبكات المعلومات "الإنترنِت".
ـ ثقافة المجتمع تتحكم في الحكم على المعنى، فالمجتمع الذي تكرَّرّ عنده المعنى كثيرًا حتى انتقل من كونه مجازيًا إلى كونه حقيقية، يعتبره حقيقيًا، بينما المجتمع الآخر يظل عنده المعنى مجازيًّا. مثل قولنا اليوم "غرد الوزير في صفحته"، ما كانت لتقبل حقيقة في زمن مضى؛ "فغرد" حقيقة ليست للإنسان فهي[- إنسان]، و"في صفحته" ليست للتغريد؛ لأن الصفحة [+ كتابة]، والتغريد [- كتابة]، هذا بين زمانين، فكيف به بين مجتمعين، مجتمع اتصالي، ومجتمع لااتصالي وهكذا. 
ـ بالاعتماد على السمات الدلالية قد يعتبر المعنى حقيقيًا، وقد يعتبر مجازياً، مثل "قتل الكتاب الضخم زيداً" فربما كان كتابًا ضخمًا في حجمه سقط عليه فمات؛ فيكون المعنى حقيقيًا، أو أنه ضخم لما يحمله من أفكار؛ فيكون المعنى مجازياً.
ـ كما يحصل خلط بين الشذوذ المنطقي، والمجاز مثل "كلمني ثعلب"، وهنا يجب أن يتسع المجاز لما خالف المنطق، ويطويه تحت جناحه. 
أشار في المبحث الثالث إلى محاولة تقديم آليات لحوسبة دمج السمات الدلالية في الموضوعات، وكان من اهم نتائجه: أولا الاكتفاء بالسمات الطاغية التي تؤثر في التوليد الدلالي، وعدم الحاجة إلى سرد جميع السمات المتصلة ببنية المعلومات لكل مدخل معجمي. ثانيا أكثر السمات تأثيرا هي [± حي]، و[± محسوس]. ثانيا أكثر السمات أثراً تكون في الفاعل، وغالبًا ما تكون [± حي] وخاصة مع أفعال الحالات. ثالثا أكثر السمات تأثيرا في الفضلة [± محسوس].
واتجه اللتيني في الفصل الثاني إلى العمل التطبيقي ومحاولة القرن بين الأفعال وموضوعاته، حاملا في الاعتبار السمات التفريعية، والدلالية. وتم ترميز أفعال الحالات، وأفعال الأحداث باعتبار السكون والحركة. وعرض صورا لبرنامج صمم حاسوبيا على ضوء هذه الدراسة معتمدًا على لغة (الفيجوال بيسكVisual BASIC)، ويعد برنامجًا أوليّا، ولما يصل إلى الصورة النهائية.
وكانت أهم نتائج هذا الفصل: أولا تتداخل أفعال الحالات مع أفعال الإتمامات من حيث الزمنية؛ لأن الحالات لحظية وكذلك الإتمامات في بعض أفعالها، وقد تتقارب فيها نقطة ابتداء الحدث من نقطة انتهائية حتى تلتحم. ثانيا قلة التوليد الدلالي مع أفعال الحالات. ثالثا يكون التوليد الدلالي في أفعال الحالات بسبب خرق في سمات الفاعل، وبالأخص سمة [± حي] لأنها أفعال نفسية لا تصدر حقيقة إلا من الأحياء. يكثر التوليد في أفعال الأحداث؛ لكثرتها في اللغات، وتعادل بحسب تقسيم فيندلر ثلاثة أرباع أفعال اللغات، وعليه تكثر موضوعاتها، وأماكن الخرق فيها.