'اللاجئون اليهود'... لعبة الضحايا الملتبسة!

بقلم: عبدالأمير المجر

في العام 1991 وبعد تدمير العراق في اعنف واقذر حملة عسكرية عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، شدّ الحكام العرب الرحال الى اسبانيا لحضور مؤتمر مدريد بعد وعد قطعه الرئيس الاميركي، وقتذاك، جورج بوش الاب للعرب والعالم بانهاء النزاع العربي الصهيوني، من خلال تسوية شاملة، ترضي جميع الاطراف.

كانت تلك، خدعة حقيقية، الهدف من ورائها حشد العرب مع من تحشّدوا في تلك الحرب، التي اراد ان يقول عنها بوش، بانها ستكون اخر الحروب في الشرق الاوسط، حيث سيأخذ كل ذي حق حقه من العرب واسرائيل، بالسلم وليس بالحرب. وقد صدق البعض او تظاهروا بالتصديق، لكي ينضموا للحشد العسكري، طمعا برضا اميركا التي باتت وقتذاك شبه منفردة بالعالم، اواخر العهد السوفيتي، او خوفا من القادم في ظل الوضع الدولي الجديد.

ذهب الحكام العرب للمؤتمر الذي كان بمثابة زفة عرس، حضرها عدد كبير من زعماء العالم من الدول الكبيرة والصغيرة، ليكونوا شهودا على "العهد الجديد" الذي بدا في الشرق الاوسط! لكن المؤتمر انتهى باعتراف مهين من قبل الحكام العرب باسرائيل من دون ان يحصلوا على حقهم من الارض ولا السلام، وان المؤتمر لا يعدو كونه محاولة لذر الرماد في عيون الشعب العربي الذي ادمت ضميره مشاركة جيوش عربية في تلك الحرب التي كان من اسوأ تداعياتها، اختلال التوازن الإستراتيجي بين العرب واسرائيل، ولعل بقية القصة معروفة.

نحن اليوم امام لحظة تاريخية شبيهة بلحظة العام 1991 تتمثل بانهيار عربي حقيقي بفعل تداعيات ما يسمى "الربيع العربي" الذي انتج لنا واقعا سياسيا مربكا ومشوها، ودولا عربية غارقة في الفوضى التي لا يعلم احد متى تنتهي. وفي هذه الاجواء المضطربة، وكعادة اسرائيل في استثمار الفرص التاريخية، تقدمت مؤخرا الى الامم المتحدة مدعومة بحلفائها طبعا، لطرح ما اسمته بقضية "اللاجئين اليهود" من الدول العربية! وللحق نقول انها قضية بكل ما تعنيه الكلمة، لكن بمنطق معكوس ومختلف عن المنطق الاسرائيلي تماما، اذ كلنا يعرف من خلال ما ظهر من وثائق وحقائق تؤكد تورط "الوكالة اليهودية للهجرة" واذرع الموساد في تهجيرهم من اوطانهم الاصلية التي عاشوا فيها قرونا بين اخوانهم من الديانات الاخرى بأمن وسلام، قبل ان تلعب السياسة لعبتها المعروفة والتي انجبت لنا "دولة اسرائيل" على خلفية تقسيم فلسطين الشهير في العام 1947 واعلان الدولة في العام التالي، وبما ان الهدف الذي تم العمل عليه من قبل الصهيونية العالمية منذ اواخر القرن التاسع عشر، هو جمع اليهود في العالم واقامة "وطن قومي لهم"، فان الالية التي اعتمدت لتنفيذ هذه المهمة رافقتها قذارة حقيقية، تمثلت في العمل على تشجيع اليهود على الهجرة او استفزازهم من خلال عملاء اعدوا مسبقا لهذه المهمة التي دفع اليهود انفسهم ثمنها، ليس بتهجيرهم من بلدانهم فقط، وانما من خلال اعمال العنف المصطنعة ضدهم بهدف دفعهم للهجرة التي تزامنت مع قيام دولة اسرائيل، او بعد قيامها ببضعة اعوام، ليفقد العراق وبعض الدول العربية اعدادا كبيرة من مواطنيهم اليهود الذين اخرجوا من ديارهم بطريقة تعسفية، تمت في اطار اللعبة المشار اليها، غير متناسين ما قام به بعض العامة من البسطاء الذين شاركوا من دون وعي بهذه اللعبة المحبوكة جيدا، بعد ان قاموا باعمال غير منضبطة مدانة بالتأكيد، لكنها في كل الاحوال لا تخرج عن المستوى الاجرائي الذي لا يمكن وضعه في سياق الحدث بمدخلاته التي اتت ضمن إستراتيجية كبيرة باتت معروفة.

اليوم تريد اسرائيل استثمار الواقع السياسي العربي المتداعي، لتمرير قرار اممي يعامل اليهود المهجرين الى اسرائيل على انهم "لاجئين" نزحوا من الدول العربية التي اضطهدتهم وطردتهم! فاي تدليس هذا الذي يراد منه ترتيب استحقاقات مالية ومعنوية على الدول العربية التي خسرت من قبل مواطنيها، الذين لا نتردد في القول انهم وكأمر واقع فرض عليهم، اسهموا في دعم دولة اشتبك معها العرب في اكثر من حرب؟

السؤال الذي يطرح نفسه، هو منْ الذي يستحق التعويض؟ وهل تقبل اسرائيل بعودة اليهود الى البلدان العربية التي هجروا منها، ام انها سترفض ذلك وان ابدى هؤلاء او بعضهم الرغبة في العودة، لانها تدرك الاختلال السكاني الذي ستحدثه هذه العودة التي لم ولن تقبل بها؟.

ان الذي تريده اسرائيل اليوم هو التعويض المادي والاعتراف الاممي بجريمة لم يقم بها العرب، بل كانت "الوكالة اليهودية للهجرة"، هي التي قامت بها، لتؤكد المثل العربي الشهير "ضربني وبكى... سبقني واشتكى"! ومنْ ينصف الانسان من ظلم السياسة، وينصف الفلسطيني الذي مازال مشردا ولاجئا بعد ان شرّد من دياره قبل اكثر من ستين عاما ولن يسمح له الواقفون وراء "الوكالة اليهودية للهجرة" ان يعود، لانها اتت بضحايا "مهجّرين" غيره ليسكنوا دياره، في لعبة ملتبسة ومؤسفة اخلاقيا بكل المقاييس!

عبدالأمير المجر