"الكويكب الغازي" .. فضيلة العلم تقدير البساطة

قصص الكاتبة الأردنية شيماء الحاج تقدم الواقع وامتداده المستقبلي الكابوسي.


القصة القصيرة فن السرد المقطر، ويجب أن يتعامل القاص مع كلمات قصصه مثلما يتعامل الصائغ مع ذهبه وأحجاره الكريمة.


ديمومة للفواجع الكبري، وتغول الكوارث الطبيعية ناتج الفعل الإنساني


إذا جلست في غرفة مظلمة فضوء الشمعة يمثل فارقا كبيرا

المنهج الموضوعاتى وتقدير البساطة:
هناك منهج نقدي حديث يقوم على الوصول للمعنى الحقيقي للنصوص من خلال رصد الكلمات المفاتيح والعلامات اللغوية البارزة الموحية، وقراءتها إجرائيا عبر إجراء الإحصاء بداية، ثم إجراء التأويل ثانيا، ويحقق هذا التكرار وحدة محققة في النص الإبداعي الجيد، حيث الأفكار متكررة مما يدل أنها ملحة ومن خلال رصدها يمكن الوصول إلى عدد من الحقول الدلالية، والحقل الدلالى هو مجموعة من الألفاظ المتقاربة تقطن منطقة بعينها من المعاني. يظن البعض أنها مقتصرة فقط على الشعر تحت مسمي "القاموس الشعري"، وتابعة الذى قال به د. كمال نشأت "القاموس النفسي" بمعنى تكلم حتى آراك. لكن هناك أيضا القاموس القصصي. وبرصد مفردات هذا القاموس بالقصص نجد منذ الكلمة الأولي مفردات التصغير ورعاية الشيء البسيط المؤثر، والصغير الذي يحدث أمرا عظيما، فغالبية أجرام القصص كويكبات، فسيريس كوكب قزم بتعبير القصة، وغالبيىة أبطال القصص شباب وإذا جاء أبطال مسنين مثل فضة السبعينية، فهم يمثلون الطرف المغاير أو النقيض لتظهر المفارقة أكثر، فالشباب آمل والمسنين أثقلتهم الخطوب في القصص. 
فمثلا "عصام" صغير السن، صاحب الفكرة الناجزة لتفتيت الكويكب المغير بتجميع الطاقة الشمسية عبر مرايا بالفضاء وصبها على الكويكب في قصة "الكويكب الغازى"، قدم أستاذه له تجربة أثبتت أن الحلول الناجزة للمشكلات تقبع في إطار البساطة: "كثيرا من مشاكل الحياة بسيطة بطبيعتها، لكن نظرتنا لها ومستوى تفكيرنا هو الذى يعقدها". فالفكرة البسيطة التى فكر بها الطالب الصغير فاتت على عقول العلماء. والدرس أنه لا تحتقر رأيا أو شيئا، وعليك بتقدير الصغير والبسيط، فقد يكون فيه الحل الناجع لدواهى قاصمة.

بعض الإطالة والعبارات الزائدة ظهرت في القصص، خاصة في الخواتيم

وانطلق هذا التقدير أيضا لأنسنة الجماد أو غير الإنساني: "لكل شيء فى هذه الحياة أحاسيس، حتى الجمادات إذا عاملتها بلطف رقت لك ولانت، وإن تغالظت معها عاندتك وسدت الحياة في وجهك". 
وفي قصة "كهف الغرائب" الريح تقرأ الأفكار وتحمل الداخلين للكهف، وتنقلهم لساحة العرض الغامض. أما المكوكات "فتهرول مشتاقة إلى الأرض" فى قصة الحمى المريخية، حيث المكوكات تعاطفت مع مستقليها من البشر العائدين من مستعمرة المريخ إلى الأرض، فأصبحت هى مشتاقة باشتياقهم.
ضوء الشمعة في الظلمة ... أفضل جدًا:
فكما قيل إذا جلست في غرفة مظلمة فضوء الشمعة يمثل فارقا كبيرا، والقصص فيها ما أسميه "الديستوبيا الناعمة"، وأقصد بها أدب المدن الفاسدة التى تحاول نخبة فاضلة إبدال مصيرها المنكوب، فهى ليست ديستوبيا خشنة قائمة علي التشاؤم القاتم للمستقبل المروع، وتنتهي نهايات مأساوية كاملة دون أدني أدل في تحقيق التغيير المنشود وإنقاذ الإنسان، لكنها قائمة علي ثقافة المقاومة من خلال فكرة "ازرع الفسيلة والقيامة قائمة"، فالقصص رغم قتامة الصورة المرعبة للمستقبل، فهناك إرادة فعل لتغيير الواقع الديستوبي الشرس، فهي ديستوبيا ناعمة أى قابلة للتغيير.  
ورغم أن قصص الكاتبة الأردنية شيماء الحاج تقدم الواقع وامتداده المستقبلي الكابوسي فهناك ديمومة للفواجع الكبري، وتغول الكوارث الطبيعية ناتج الفعل الإنساني "الإنسان الجاني والضحية"، من الزلازل والأعاصير والبراكين وحرائق الغابات، وغرق المدن الساحلية .. إلى آخره. لكنها لا تترك الأمر على سبيل وخز القارئ فقط، إنما تشير للفعل الذى يقاوم الانهيار، فصحيح أن الأدب ليس ملزمًا بتقديم الحلول، لكنه يمكن أن يوحى بها فى نهج أدبى كريم.
وهذه نجدها في شواهد نصية كثيرة بالقصص، ففضة السبعينية: "تؤمن بالكفاح والنضال ووجوب مواصلة البناء حتى آخر رمق، وتفضله علي الجلوس والبكاء على المستقبل قبل مولده"، ومثل هذه النخبة الفاعلة النبيلة في قصة "الجيل الخارق": "فئة صغيرة من البشر ... لهم رؤية مختلفة للمستقبل ورغم كل الظروف الصعبة المحيطة بهم اتخذوا على أنفسهم عهدًا أن يعملوا لتحقيق رؤيتهم".
وقصة "العاصفة" تجسد هذه الثيمة أيضًا، حيث تأسست عبر الفعل المقاوم بالتحذير من كارثة تعطل الأجهزة الإلكترونية بفعل عاصفة شمسية محدقة، وما يترتب علي ذلك من ضياع الأرصدة المالية والعودة للمقايضة. 
وينصب الفعل بالقصة نحو العمل التطوعي المنظم، وتأسيس ذراع إقتصادية للفكرة تمثلت في شركة "الرائد" للآلات الخفيفة، لإبدال الإعتماد التام علي الكهرباء، والطاقة الكهرومغانطسية بالآلات الحركية والعضلية لتشغيل الأجهزة، والعودة للتدوين والتوثيق الورقي بجمعية حفظ الحضارة، بنسخ الموسوعات العلمية خطيًا. وبالقصة عبارة نافذة مضيئة للقصص: "شمعتين صغيرتين تكافحان العتمة"، وتحققت قضية "الفعل" لبناء التغيير بالوعى بالدور الافتصادي والإعلامي من خلال بث الرسائل التحذيرية من المستقبل المظلم. فلما وقعت الكارثة كان الفعل السابق المثابر هو طوق النجاة للإنسانية.
مسارات فضيلة العلم بالقصص:
والمسار الأول نفي الشعوذة والجهل (التخلية ثم التحلية)، في قصة "المتلبسة"، وهي قصة واقعية نقدية اجتماعية تؤسس لتقدير العلم وبيان قيمته، ونفي الخرافة والجهل المستشرى في مجتمعاتنا العربية، وفي  دراسة ميدانية منشورة عام 2007 أجراها مركز البحوث الجنائية في القاهرة، وخلصت لمؤشر إحصائي خطر أن العرب ينفقون سنويا زهاء خمسة مليارات دولار على الشعوذة، وأن هناك 250 ألفا يمارسون هذه المهنة البائرة.

Literary criticism
الكتابة هي إعادة الكتابة

وفي القصة تتعرض الطفلة "حسان" لجريمة قتل مروعة بواسطة ذويها أنفسهم نتيجة جهلهم، والإصغاء لوصايا الجهل، ونصائح الغباء، عدما تعرضت الطفلة لمرض بطانة الرحم المهاجرة، ولم يجر تشخيصه على النحو الصحيح: "وانتشرت خرافات عشاق الإثارة  والتهويل وكثرت نصائح المهوسين بالسحر والسحرة"، وتضامن الراوي العليم في الإدانة بإصدار حكمه عن الدجال مقيم جلسات طرد الأرواح المزعومة فيقول: "يفك السحر الذي يدعيه"، والراوي طوال القصص محددا وواضحا وهي من سمات راوي القصص القيمية والتربوية بعامة. 
وفي مسار رئيس آخر وهو دور التقدم العلمي في تحقيق أمور نافعة للبشرية، ففي قصة "حكايا سيريس" التي تقدم قارة أطلانتس الكونية أو الكوكب الفاضل المفقود، حيث كان يحيا بالكوكب كائنات عاقلة متفوقة، نجد الظاهرة الغامضة المثيرة عن ظهور مدينة من الطراز الحديث تحلق في سماء الكويكب، ونجد فضيلة العلم في أمر التوثيق التاريخي باستعمال ظاهرة السراب الأعلى، ودال علمي مهم حول دور الأرشفة والتأريخي في حفظ مآثر الحضارات. بعكس قصة "عودة الديناصور" ومتنها يشير للعمل العلمي غير المنتج بل والضار في قضية الاستنساخ.
وهناك مسار الفضول العلمي، وهو سبيل تحقيق الإنجاز المعرفي والعلمي، كما في قصة "كهف الغرائب" بجبل السمراء الشاهق لاكشاف ظاهرة مثيرة من مسرح العرض الغامض بأشكال وخيالات راقصة بانتظام وأصوات غريبة ثم قناة موصلة للمخرج السحري 
ومسار علمي آخر تمثل في فكرة المكتب الخلفي العلمي في قصة "كهف الغرائب" حيث فريق ميداني منقب (حسان / فارس / هادي) ومكتب خلفي علمي (فراس / كنان) لتحليل رافد المعلومات الآتي من الفريق الأول.
لا أحد يتحمس لمطالعة الأخبار البائتة: 
وهي أولى الظواهر الأسلوبية في القصص. ففي وصايا كتابة القصة القصيرة "لا تسرف في تسخين محركاتك القصصية" في افتتاح القصة، كالوقفة الوصفية المطولة، أو سرد القصص الخلفية، وهي من مطلوبات القاص ذاته، أما مطلوب القارئ الذي يجب تقديمه عن مطلوب القاص، فهو الحدث الآني العاجل الذي ينظر للأمام لا الخلف والذي يستند للفعل، فلا أحد يتحمس لمطالعة الأخبار البائتة.
القصة الجيدة تبدأ بالفعل والمخاطرة أو الأمر الجلل، من لحظة تهديد، والتغيير لحظة تهديد لأنه ينفى الانسجام ويؤسس ما يسمى بمقاومة التغيير. وشاعت تلك البدايات في القصص كما في قصة "حمى المريخ" من لحظة تفشي العدوى، وفي قصة "عودة الديناصور" حيث الخطر الذي يهدد الأحياء من الديناصور الهائج. أما خواتيم القصص فتمثلت صك الحقائق، او حل اللغز دفعة واحدة.
تقنية لإسراع إيقاع القصص وأخرى للإبطاء: 
هناك بصفة عامة أربع تقنيات قصصية تتحكم في إيقاع القصة القصيرة، ووتيرة عجلة السرد، اثنتان للإسراع، وإثنتان للإبطاء، وشاعت منها في القصص اثنتان، أظهرها تقنية الإسراع الكبير "الحذف" وتقوم علي خلق ثغرة في السرد قد تطول لحذف سنوات من زمن القصة يفطن إليها القارئ من سياق القصة، ويقوم بنفسه بردم هذه الفجوات، مثل سجن م.عنان بطل قصة "العاصفة" سنتان، مرت بهما القصة في إشارة مقتضبة ملخصة جدا. وكما الحذف في قصة "كهف الغرائب" بشطب السنوات من طالب إلى خريج جامعي ثم باحثا وفكرا في كلمات قليلة.
ولكن في القصص مبالغة أحيانا في استعمال هذه التقنية، بشكل يقارب رغبة التخلص والخلاص إلى نهاية القصة بسرعة غير عادية، واستعمال تقنية الإسراع بشكل كبير جدا أدى إلى إلغاء كبير للتفاصيل بل إلغاء قصة "الجيل الخارق"تقريبا، فأدى هذا لأمر مناقض لتقنية "الحذف" وهو التكرير لملء الفراغ القصصي.  
أما تقنية الإبطاء في القصص فهي تقينة المشهد القصصي، والحوار هو الوسيلة المثلى لبناء المشهد القصصي، وشاع في القصص الحوار الممسرح الذي يدفع الحدث القصصي وتفصح فيه الشخصيات عما يدور في طويتها ووجهات نظرها مباشرة للقارئ دون وساطة الراوي.
القاص صائغ ذهب "الكلمات":
القصة القصيرة فن السرد المقطر، ويجب أن يتعامل القاص مع كلمات قصصه مثلما يتعامل الصائغ مع ذهبه وأحجاره الكريمة، فيزنها بدقة بالغة، ولو استطاع حذف كلمة واحدة من قصته تمثل حشوا أو عبارة زائدة لكان حسنا، لذلك كان تنقيح القصص من الأهمية بمكان لدرجة القول أن الكتابة هى إعادة الكتابة، أو المبدأ المعلوم بالحتمية القصصية، وقد ظهر بعض الإطالة والعبارات الزائدة في القصص، خاصة في الخواتيم، مثال: خاتمة قصة "الُمتلبسة" من قوله "ليوجه للعالم رسالة من أب مفجوع إلى كل مخدوع" حتى النهاية، هي عبارات تقريرية زائدة تشرح المشروح وتؤكد المؤكد، وتعيد ما قالته القصة فنًا، وهي ليست عبارات مجانية، كما يقال بل عبارات مسددة الثمن من فنية القصة القصيرة.