'الكويت' .. تقدم مدخلا إلى الدراما التلفزيونية العربية

ضربة بداية

"مدخل إلى الدراما التلفزيونية العربية" هو عنوان الكتاب الذي قدمته مجلة الكويت هدية إلى قرائها مع العدد 375، وهو يحمل العدد الثالث عشر في مسيرة هذه السلسة من الكتب الشهرية المجانية.

ولكن يحيرني منهج الكتاب نفسه الذي يجمع بين عدة موضوعات وعدة كتَّاب متخصصين في هذا الشأن، ولكن لا يوجد انسجام بين تلك الموضوعات، وكأن مادة الكتاب جمعت من مصادر مختلفة ونشرت كما هي دون مراعاة المواءمة بينها، فيتحدث د. منصور نعمان عن رواد العمل التلفزيوني في العراق من أمثال يوسف العاني وصلاح عطوان وخليل الرفاعي وزهير العجيلي وغيرهم، إلى جانب الفنانين العاملين في هذا الحقل، وكأنه يقدم ببليوجرافيا عن كتاب الدراما التلفزيونية العراقية الذين وصل عددهم إلى 36 شخصا في هذا الحيز الضيق (17 صفحة)، وكأنه يريد التركيز على الأشخاص وأسماء أعمالهم دون تحليل لها، وعلى سبيل المثال يقول في سطر واحد عن علي زين العابدين: "كتب في نهاية الثمانينات وظهر له مسلسل (جنون منتصف العمر) وأخرجه نبيل يوسف". دون الحديث عن المسلسل نفسه أو حتى الإشارة إلى مضمونه.

بينما ركزت د. ماجدة موريس على التأريخ للدراما التلفزيونية المصرية ابتداء من انطلاق البث التلفزيوني المصري عام 1960 حيث اعتمدت هذه الدراما في البداية على التمثيلية، سواء القصيرة (نصف ساعة) أو الطويلة التي كانت تسمى "تمثيلية السهرة" ثم بدأ إنتاج المسلسلات، فتتحدث عن قصة مسلسل "القاهرة والناس" ثم صعود الإنتاج الخاص، ثم تتحدث عن الدراما الرمضانية والدراما الفيلمية، وتحويل أعمال الأدباء إلى الأدب التلفزيوني وتضرب مثلا بـ "زينب والعرش" لفتحي غانم، كما تعرض لأهم المسلسلات التلفزيونية التي قدمها التلفزيون المصري مثل "ليالي الحلمية" و"أرابيسك" و"زيزينيا" ومعظم ما قدمه أسامة أنور عكاشة.

وتختم ماجدة موريس مشاركتها التي جاءت في 28 صفحة بأن "الدراما التلفزيونية المصرية باتساعها وقدرتها على تخطي كافة الصعاب التي تعرضت لها سواء كانت إنتاجية أو رقابية أو توزيعية استطاعت أن تستوعب إجيالا من المبدعين بداية بالقادمين من الإذاعة أو المسرح عند انطلاقها، وصولا إلى نجوم ونجمات السينما المصرية الكبار، ثم نجوم الدراما السورية الذين وجدوا لهم أيضا مساحات متسعة وأدوارا مهمة منذ عقد من الزمان".

وعلى النهج نفسه تتحدث كوليت بهنا عن الدراما التلفزيونية في سوريا، في فصل يعد من أطول فصول الكتاب حيث بلغ عدد صفحاته 37، وتبدأ بالقول: "حققت الدراما التلفزيونية السورية مكانة مميزة ومتميزة بعد انطلاقتها الأولى بالأبيض والأسود مع بدء البث التلفزيوني العام 1960حتى نهاية السبعينيات، وازدادت ترسخا في العقدين الأخيرين من عمرها الذي واكب العصر الفضائي.

ولكنها تلفت إلى أن بلاد الشام عرفت الدراما بأشكالها البدائية الأولى خلال القرن التاسع عشر. بل تزيد فتقول إنهم عرفوها قبل أكثر من ثمانية آلاف عام قبل الميلاد من خلال الدمى الطينية التي تمثل أناسا وحيوانات تتبادل حوارات درامية عقائدية وشعرية ترضي آلهة وكهنة المعابد كأول فن تعبيري في مرتبة الظهور بالنسبة للفنون الأخرى.

وأعتقد أن في هذا الرأي خلطا بين التقنيات التي عرفتها الدراما التلفزيونية بالمفهوم الحديث وهي ما يتحدث عنه الكتاب، وما تواتر إلينا من أعماق التاريخ. وما ذهبت إليه كوليت بهنا سنجده موجودا أيضا في بقاع شتى في الأراضي المصرية والعراقية وغيرها وليس قاصرا على بلاد الشام فحسب.

وتمضي بهنا في طريق التأريخ للدراما التلفزيونية السورية فتؤكد أن السوريين عرفوا ـ وقبلهم المصريون بفارق عام ـ السينما عام 1879 كفن درامي جديد سيكون له عظيم الأثر في هذين المجتمعين. ثم تتحدث عن التأثير المصري في الذاكرة الدرامية السورية الجماعية، وذلك تحت عنوان "أم الدنيا"، ثم "هنا دمشق"، ثم تؤرخ لدخول التلفزيون في البيت السوري، وتعرج على بدايات الثنائي دريد لحام ونهاد قلعي، وتؤكد على اقتحام السينما للتلفزيون، ونشوء الدراما السورية في الحارات، والانفتاح على الداخل، ودراما المجتمع، و"التنفيس عبر الكوميديا"، والدراما الرمضانية.

وتنهي كوليت بهنا مشاركتها بتأكيدها على الحاجة إلى ثورة درامية تنطلق من آليات تفكير جديدة تتلاءم مع روح الحرية التي دفع السوريون لأجلها أثمانا ودماء كثيرة.

وفي سلة واحدة يتحدث الكتاب عن الدراما التلفزيونية في دول مجلس التعاون الخليجي، فتكتب الكاتبة البحرينية زهراء منصور عن النشأة المتأخرة والأنماط المتغايرة، وتعرض لاتفاقية جهاز تلفزيون الخليج التي أبرمت في فبراير/ شباط 1977. ثم تتحدث عن الدراما التلفزيونية في كل من: البحرين والكويت والإمارات وقطر وعمان والسعودية، ثم عن الدراما التلفزيونية الخليجية ما بعد البث الفضائي.

ثم تتبع زهراء منصور منهجا مختلفا لما جاء في المشاركات العربية السابقة، حيث تعمد إلى الدراسة الميدانية وتحليل البيانات، وتصل إلى نتيجة مفادها أن المسلسلات الكوميدية تتصدر نسبة المشاهدة، حيث وصلت النسبة إلى 41% مقارنة بالأنواع الأخرى من الدراما التلفزيونية، والتراجيدي 21% والتراثية 26% والبدوية 3% ومسلسلات باللغة العربية الفصحى 6% . وتخرج في نهاية ورقتها بتوصيات بناء على الاستنتاج من النتائج.

وفي رأيي أن كل دولة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كانت تحتاج إلى وقفة أكثر تفصيلا مما ورد في مشاركة زهراء منصور، فليس من اللائق أن نتحدث عن الدراما التلفزيونية في دولة مثل الكويت في صفحتين فقط، وكذا الحال مع بقية دول المجلس.

أيضا الكتاب وقع في الخطأ نفسه عندما تحدث عن الدراما التلفزيونية في بلاد المغرب العربي (موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس بالإضافة إلى ليبيا) دفعة واحدة، مع أن الكاتبة التونسية منى سلطاني تؤكد في بداية ورقتها على الفوارق الكبيرة والقفزات النوعية في تلك الدول. فضلا عن تناولها الدراما الأمازيغية ضمن ورقتها تلك.

وهي تتطلع إلى إنتاج مغاربي مشترك وتقول: "لحد الآن لم نشاهد عملا دراميا مغاربيا يقدم الهموم التي عايشتها شعوب المغرب العربي رغم أنهم جمعيا عاشوا ويلات الاستعمار الفرنسي، وحاليا لم نشاهد عملا يتحدث عن مشاكلهم المعاصرة مع الهجرة "الحرقة" أو المشاكل الاقتصادية رغم أن الدراما والأفلام الفرنسية قدمت العديد من المغاربة العرب ومشاكلهم في فرنسا".

ويتوقف جورج أنيس خاطر عند الدراما التلفزيونية في لبنان، فيتناولها من الناحية التاريخية في 7 صفحات. بينما يتناول د. أليسع حسن أحمد الدراما التلفزيونية في السودان في مشاركة بعنوان "دراما الرجل الواحد" فيتحدث عن مركزية الخرطوم ورحلة الدراما وتلفزيون السودان وأعمال الفرق والجماعات والمسلسلات والتي غلب عليها الطابع البوليسي، وحادثة إيقاف مسلسل "الشيمة" من الحلقة الثالثة لأنه ناقش وبجرأة إفرازات ثورة التعليم العالي وطالبة الأقاليم وظروفها في الخرطوم.

ثم يورد أليسع حسن أحمد بعض أسماء المسلسلات السودانية التي ظلت راكزة في تاريخ الدرما، وكذا في ذاكرة المشاهد لتلفزيون السودان، ومنها: "السيف والنهار" و"طائر الشفق الغريب" و"الشاهد والضحية".

أما الدراما التلفزيونية في اليمن فيتوقف عندها د. أحمد مطهر عقبات وذلك تحت عنوان "أعمال مشتركة ومعوقات كثيرة"، بينما يكتب د. نادر القنة عن الدراما التلفزيونية في فلسطين تحت عنوان "صوت مقاوم في منطقة الظل" متناولا القنوات الفضائية الفلسطينية التي بلغ عددها 19 قناة على سبيل المثال وليس الحصر، ثم يسرد أسماء بعض الأعمال والنماذج.

أخيرا يلقي الكاتب الكويتي د. أسامة المسباح الضوء على "دراسات وأبحاث في الدراما التلفزيونية العربية" ومنها: كتاب "تلفزيون الكويت بين الأمس واليوم" إعداد وتحرير الإعلامي الكويتي وليد خليل الداود، وكتاب "الدراما التلفزيونية الكويتية" للدكتور فيصل محسن القحطاني، وكتاب "مسارات الدراما التلفزيونية العربية" للناقد السينمائي والتلفزيوني الأردني عدنان مدانات، وكتاب "الدراما في الإذاعة والتلفزيون" للدكتورة سامية أحمد علي والدكتور عبدالعزيز شرف، وكتاب "الواقع والدراما في السينما والتلفزيون" للباحث المصري د. عادل يحيى.

لا شك أن "مدخل إلى الدراما التلفزيونية العربية" لمجموعة من الكتاب العرب والذي جاء في 226 صفحة من القطع المتوسط يعد ضربة بداية جيدة لعمل أكبر يؤرخ تأريخا علميا لهذا النوع من الدراما ويضع لنا ببلوجرافيا لصناع هذه الدراما والعاملين فيها، بدلا من هذا التخبط بين المناهج الذي وضح أمره في هذا الكتاب الذي بين أيدينا.