الكشف عن أسرار العلاقة بين الأرقام والأدب التجريبي

بقلم: زياد العيساوي
بالأرقام تُحسب سنو أعمارنا

(1) بالحروف فقط تُدوَّن أسماؤنا، وبها بعد الأرقام تُكتب المبالغ المالية في الصكوك المصرفية، وبالأرقام من دون الحروف تُحسب سنو أعمارنا، وبهما معاً تُثبت النظريات في العلوم التطبيقية فكما يُقال "الحروف لغة الآداب، والأرقام لغة العلوم." (2) (ب) حرفٌ أبجدي يظلُّ على حاله جامداً بلا معنى ولا مدلول، ما لم يرتبط به آخر ويكونان معاً كلمة، وفي حالته هذه (المنفردة) نستعمله فقط كرمزٍ عند تقسيم البنود أو المحاور المُرقمَة في الكتب إلى أجزاء وتفرعات في أشراط الموضوعات (علاماتها).
أي أنَّه يسدُّ مسدَّ الرقم في هذه المهمة وينوب منابه، لكنك إذا كتبت حرفين جنباً إلى جنب، قد تتولد لديك كلمة في أوقات، وربما لا تصل إلى شيء مما يُذكر في أوقات أخرى، أي بحسب جهة إسناد الحرف الثاني إلى الأول.
تبسيطاً لهذه المسألة، أضف حرف (الحاء) مثلاً إلى ميمنة الحرف الأول ستحصل على كلمة (حُبّ). أما إذا كانت جهة الإضافة هي اليسار، فسوف تكون الكلمة الناتجة لديك هي (بح) وهي كلمة ليس لها أصلٌ في معاجم اللغة العربية الفصحى، إلا أنها متعارفٌ عليها في لهجتنا العامية بمعنى ضياع الشيء وزواله، دأباً ما نُمازح بها أطفالنا أو نلهيهم بها عن طلبٍ ما لا نودُّ تلبيته لهم (هكذا). (3) أيضاً فإن مكونات الكلمة هي الحروف، غير أنّ الأولى لا تقبل في الغالب حرفاً دخيلاً عليها ولا تحتمل الزيادة في مكوناتها، فإذا أردت إضافة حرف ثالث إلى الكلمة الصحيحة الواردة في الفقرة الفائتة، فقد تفقد معناها، ولن تملك ما تقول إزاء هذه الحالة. وبعد أنْ تتبخر كلمة (حُبّ) من أمام عينيك إلا كلمة (بح) أي كأنك قرأت الكلمة ذاتها من اليسار إلى اليمين.
صفوة القول في هذه الفقرة: إنَّه ليس ثمة كلمة واحدة مؤلفة من عشرين حرفاً، ولكن هناك رقماً واحداً مكوناً من مليون خانة ويزيد. (4) كما أنَّ الأرقام تُصاغ على هيئة حروف، كما يحدث عند تعبئة الصكوك المصرفية، فإنَّك تقوم بكتابة المبلغ المالي الذي تنوي سحبه على شكل أرقام أولاً ثم تؤكده بالحروف منعاً للتزوير، وفي المقابل، فإنَّك لا تستطيع كتابة أية كلمة بالأرقام، فاسمك مثلاً لا يُرقم مع قدرتك على إحصاء عدد حروفه المكوَّن منها.
وفي حالة واحدة وشاذة عن القاعدة، يمكنك تدوين الحروف على هيئة أرقام، حينما تكون في الأصل أرقاماً (مُحرَّفة) ولست أعني هنا بأنها (مُزوَّرة) بل أنَّ ما أقصده أنها أرقامٌ قُلبت إلى أحرف، وأردت إرجاعها إلى حقيقتها، فلك أنْ تكتب الرقم (واحد) على أنَّه (1).
كل ما ورد في الفقرات الأربع السابقة بديهي، ولم نأتِ بجديد في هذا الشأن، فالرأي عندي، أنهَّ ليس من مهام الكاتب اجتراح المستحيلات أو اختلاق الخوارق واختراقها، بل اتخاذ ما هو معروف كقاعدة للانطلاق منها لترسيخ طرحٍ ما، كما سيأتي في الفقرات الموالية. (5) يُشترط في المُتقدِم ألاَّ يتجاوز عمره الأربعين عاماً وألا يقلُّ عن الثلاثين حولاً، كما يُشترط في المادة المُقدَمة ألاَّ تقل عن ثماني آلاف كلمة.
لعلَّكم تذكرتم الآن، أين قرأتُم مثل هذه الاشتراطات التعجيزية، التي لا تُضاف إليها سنوات الخبرة، كما يحدث في شروط قبول طلبات المتقدمين للحصول على وظيفة شاغرة.
نعم فهكذا ضوابط عادةً ما نجدها في المسابقات التي تُجريها بعض دور النشر والمؤسسات التي تُعنى بالشأن الأدبي، فإذا رغبت في الانضمام إلى هذا الخضم، يتعيَّن عليك أنْ تكون عليماً بما جاء في الفقرات الأربع الماضية، وأنْ تسعى جاهداً إلى توفير النصاب المروم من المفردات من أسماء وحروف وضمائر.
ولكن أرجوك أنْ لا تتناسى أنَّك لست ذا ضمير، ذلك أنَّك لم تعمل بالقاعدة القائلة "خير الكلام ما قلّ ودلّ" فمتى كان الأدب يُقاس بكمِّ الحروف المكوِّنة للكلمات، ومتى كانت الأرقام وحدة لقياس الأدب الذي يوزن وفق معايير الإبداع؟ (سؤال إنكاري) . (6) من الفقرة (1) يتبدى ليّ أنَّ الأرقام أكثر مرونة من الحروف، وهذا ما يجعل العلوم أكثر إقناعاً من النصوص الأدبية، وهل من بأس لو ذكّرنا القارئ بالعلم التجريبي وما أحدثه من نهضة واسعة في الجانب العلمي.
حتى الأمس القريب كانت هناك عدة نظريات علمية تعدُّ مسلمات لا محيص عنها لأيِّ باحث، وصار الأمر على ما هو عليه إلى أنْ ظهر جمعٌ من العلماء يُنادي بضرورة تجريب منطوق كل نظرية منها على أرض الواقع.
وأخذ يُخضع هذه النظريات لعدة اختبارات نظرية ومعملية، فإنْ تطابقت النتائج الرقمية (النظرية والحسابية) مع مخرجات التجربة (المختبرية) فإنَّ منطوقها يصحُّ، ومن ثم تُعتمد وإلا فسوف تعتبر مجرد اجتهاد، ولكُلِّ مجتهدٍ نصيب. (7) من المُلاحظ في سائر دول العالم الثالث، حرصها الشديد على بناء قاعدة علمية من شأنها الرقي بمستوى شعوبها إلى مصاف الدول المتطورة تقنياً، لذا نراها تولي المؤسسات التعليمية نصيباً وافراً من ميزانيات التحول من التخلّف إلى التقدم، حتى أنَّ مواطني هذه الدول أنفسهم يدفعون بأبنائهم الطلبة إلى التحصيل العلمي، أكثر بكثير من توجيههم إياهم إلى الفنون والآداب.
هذا التجاهل الذي يلقاه الأدب في وقتنا الراهن من قِبل أولياء الأمور، كان ينطبق على العلوم كذلك في العصور المنصرمة، لظنيِّ بأنَّهم فيما فات، لم يكونوا مستوعبين لما يمكن أنْ تُضيفه النظريات العلمية إلى حياتهم من رخاء، فقد كانت عبارة عن عبارات جامدة لا فائدة متوقعة منها.
على سبيل المثال لو قرأنا منطوق نظرية (فيثاغورس) "المربع المنُشَأ على الوتر في المثلث القائم الزاوية يكافئ مجموع المربعين المنشأين على الضلعين الآخرين" نجده محض مقولة مبهمة لا يُسلم بها، حتى تمّ إثباته.
وقبل حدوث هذا، كانوا يصرفون أبناءهم عن مثل هذه العلوم ويحثونهم على الاهتمام بالكتابات الأدبية، إلى أنْ تبّين لهم بفعل العلم التجريبي ما يُمكن أنْ تُحدثه النظريات العلمية من نقلاتٍ نوعية في حياتهم.
ولكون العلوم تعتمد على الموضوعية والإقناع، ولا يمكن لأيِّ عالمٍ أنْ يستغفل الناس بأن يُنادي بنظريةٍ ما، بل يتعيَّن عليه أنْ يُثبت بالأدلة والقرائن صحتها أولاً قبل أن يطرحها على الملأ.
أما الآن فإنَّ الأدب لم يخرج عن كونه يعتمد بالأساس على وجهة نظر الكاتب، كما أنَّه ما يزال يدور في فلك الذاتية، أي ليس هناك من معايير موضوعة كي يتمَّ إخضاعه للموضوعية.
وفي غياب (الأدب التجريبي) صار همُّ الكثير من كُتّاب اليوم أنْ يُخلدوا أسماءهم ببعض المقولات التي يودّون حفرها في ذاكرة القارئ حتى بعد مماتهم، ما جعل القراء (يتبغبغون) بها من دون تجريبها وإجراء بعض الاختبارات عليها، حتى يتأكدوا من جدواها بعد صدقها، فالكثير منها لا يخدم الناس بشيء ويظل مجرد مقولات وعبارات غامضة.
ولهذه الأسباب مجتمعة، ظهرت فيما بعد مدرسة جديدة في الكتابة الأدبية تعتمد على أسلوب الإقناع قبل الإبداع، حيث أخذ بعض الكتاب الموضوعيين، يعتمد في كتابته على حقائق علمية يُقارب بينها وبين نصَّه في شقِّه الأدبي، حتى يصل بالقارئ إلى درجة عالية من الفهم، ومن ثم الإقناع بأسلوب تحليلي بديع.
إنها مدرسة (الفلسفة) التي نجح مؤسسوها في المزج والتوأمة بين الأدب والعلم في نصٍّ واحد، فيه من الإبداع والإقناع ما فيه، وفيه من الأدلة والقرائن ما فيه، فجعلت هذه المدرسة لغة الأدب تُكتب بالحروف والأرقام معاً. (8) غنيٌّ عن البيان القول بأنَّ هناك جنسين أدبيين لا يمكن بأية حالٍ إخضاعهما للأدب التجريبي الذي لم يرَ النور بعد، كالشعر والرواية، لكونهما ذاتيي النسج الكتابي، ومع ذلك فهما يصنفان على أساس أنهما نصان إبداعيان، مع أنهما في حقيقتهما لا يخرجان عن كون كُلٌ منهما وجهة نظر.
في غياب الأدب التجريبي، لا نستغرب عزوف القُراء عن هذه الكتابات التي لم نتبين جدواها إلى لحظة كتابة سطور خاتمة هذا المقال، لأنَّ الإبداع فيما أرى مكمنه هو الإقناع. زياد العيساوي ـ ليبيا ziad_z_73@yahoo.com