الكتاب الرقمي بين النبؤة والتخوف!

بدا وكأننا أمام طرفي نقيض

لعلها المصادفة، أو هي حيوية وضرورة الموضوع، هو ما تجلى فيما نشره القسم الثقافي من موقع "ميدل ايست أونلاين" حول قضية أو قضايا النشر الرقمي بكل عناصره، وتأثير التقنية تحديدا فى مجال الإبداع والنشر. ما أن تهدأ القضية تثار ثانية وبدرجة أعلى وأشد من الاهتمام وقد تبدو من التناقض أيضا. والطريف أن ما نشر جاء موجزا لمجمل الآراء حوله. وهو ما تمثل فى حوار الشاعر أحمد فضل شبلول من جهة, حيث عنون حوار دار معه على لسان "شبلول": "حان الوقت لنودع الأدب الورقي".. بينما فى المقال الآخر حول ندوة للأديب السعودي حمد بن عبدالله القاضي حول ندوة له في معرض الشارقة الدولي للكتاب، والمقال تحت عنوان "القاضي يؤكد تفاؤله بمستقبل الكتاب الورقي".

فيما يلخص الأول رؤيته على لسان كاتب الحوار: "يؤكد الأديب المصري أن العالم دخل نفق الإلكترونيات، ويرى أن أدباء الورق ونتاجهم إلى زوال"، يلخص الثاني رؤيته على لسان كاتب المقال: "الكاتب السعودي يرى أن الوسائل والوسائط الحديثة لا تمتلك المصداقية والموثوقية الكاملة فيما يتعلق بالمعلومات المنبثقة عنها كما هو الحال مع الكتاب الورقي".

وقد بلغ "شبلول" ذروة التعبير عن وجهة نظرة، ويقول: "مصير أدباء الورق حتى الآن مضمون، ولكن بعد عشرة أعوام على الأكثر ستصير أعمالهم التي تطبع على الورق الآخذ في الزوال والتبدل شيئا فشيئا، ذلك أننا سنتعامل مع الورق مثلما نتعامل الآن مع المخطوطات والنصوص المكتوبة على الأحجار أو على ورق البردي وجذوع الأشجار".

وأيضا بدا "القاضي" هكذا محددا لرأيه يقول: "الحرف المطبوع والكتاب المطبوع باقيان، لأن الكتابة هي الحقيقة الأنقى، وهناك ارتباط وجداني بالكتاب لدرجة أننا نشعر بأننا نفكر بشكل أفضل عندما نتعانق مع الكتاب، كما أن الوسائل والوسائط الحديثة لا تمتلك المصداقية والموثوقية الكاملة فيما يتعلق بالمعلومات المنبثقة عنها كما هو الحال مع الكتاب الورقي الأكثر موثوقية ومصداقية".

وهكذا بدا وكأننا أمام طرفي نقيض، أو كأننا بين رؤيتين.. بين التنبؤ واستشراف مستقبل من وجهة نظر، وأخرى تسعى للتمسك بأطراف المتاح والتعلق به خشية عليه من الضياع أو التلاشي.

وأظن أن جذر الرأيين يرتكن على خصائص ومعطيات "التقنية الرقمية" التي قد ينظر إليها بالتفاؤل أو الخوف أو التشكك.

هناك حقائق مؤكدة من الواجب الإشارة إليها فى البداية، ألا وهى:

.. إن التقنيات المستحدثة دوما فى مجال الإبداع والفن وما يتعلق بهما مثل "نشر الكتب"، أن التقنية الأحدث لا تلغي تقنية فنية إبداعية أخرى، حيث لم يلغ التليفزيون السينما السابقة علية، كما لم تلغ السينما المسرح السابق عليها، بل نشاهد تزاوجا وامتزاجا فنيا بين كل الأطراف.

كما أن الحقائق الإحصائية تشير إلى الآتى فى مجال النشر "نشر الكتب":

.. إن مبيعات دور النشر الورقي الالمانية بمعرض "فرانكفورت" هذا العام بالمانيا (2012) قد انخفضت إلى 50% مقابل العام السابق فقط، فى مقابل رواج الكتاب الرقمي.. نظرا لتنافس الكتاب الرقمي وتعدد ميزاته.

كذلك أعلن فى 2011 أن مبيعات الكتاب الرقمي بالولايات المتحدة الأميركية، خلال العام السابق عليه بلغت 90 مليون دولار، ويمثل الرقم ضعف قيمة مبيعات السنة السابقة عليه.

وهكذا تتأكد حقيقة أن التقنية الرقمية قادمة وبقوة تختلف معدلاتها من بلد إلى آخر، بل ومن فئة أو شريحة من القراء إلى أخرى، وهو ما يرجع إلى عدة اعتبارات كثيرة، منها التعليم والثقافة والمستوى الاجتماعي، بالإضافة إلى التنافس التجاري وغير ذلك.

وبالنظر إلى مجمل تحفظات القاضي، على التقنية الرقمية وخصوصا فى مجال القراءة، وتلك النظرة المتشائمة، ومشاعر التخوف الآن، نرى أنه لا مبرر لها حيث اعتمدت الجامعات الآن تلك البحوث المسجلة للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه معتمدة على رصد الروابط الخاصة بتلك المراجع الرقمية.. لسبب بسيط أن تلك المراجع يمكن الرجوع إليها والتأكد من قيمتها العلمية.. كما أن هناك الكثير (جدلا) من المواقع العلمية والمكتبات الرقمية التي فى مستواها ربما أفضل من مكتبات عامة ورقية كثيرة.

وأشير هنا إلى أن الموسوعة البريطانية الشهيرة، لم تعد منذ عامين تنشر ورقيا، مكتفية بالنشر الرقمي، وتبعها موسوعات عالمية أخرى الآن.

ما المشكلة إذن وما سر التخوف؟

أرى أن "الاعتياد" هو السر وراء تلك الرؤية المتخوفة، بينما أثبتت التجربة العملية إلى إمكانية تجاوزها.. سواء باكتساب عادة جديدة بالقراءة من الشاشة مباشرة، أو بالنظر إلى الأجيال الجديدة التي اكتسبت عادة القراءة من الشاشة مباشرة.

فى المقابل ما شاء "شبلول" التعرض له، ألا وهو الإبداع الرقمي والنشر الرقمي معا، وأنهما سوف يطغيان على الورقي.. فلا يزال مفهوم الإبداع الرقمي ملتبسا عند الكثيرين. وان استشهد بما أنجزه "سناجلة" من أعمال إبداعية، فهي ما زالت محدودة بالعالم العربي، وان راجت فى بعض البلدان مثل فرنسا. وهذا النمط الجديد من الإبداع الادبى المعتمد على خصائص الرقمية من طغيان "الصورة – الصوت - اللون- الحركة" فى مقابل تضاؤل توظيف "الكلمة".. أقول لا يزال هذا اللون من التعاطي ضئيلا وفى حاجة إلى الترويج والوعي به.

بينما قد يفهم البعض وهم الغالبية أن الإبداع الرقمي هو كل ما ينشر على الشاشة الرمادية وهو ما يحيلنا فورا نحو قضية "النشر" عموما.. وقد استشهد بتجربته وعدم التحمس للنشر الورقي، فهي قضية تعبر عما أشرت إليه سلفا من عدم طغيان تقنية على أخرى.. وأرى بقاء الكتاب الورقي والنشر الورقي فى مقابل النشر الالكتروني أو الرقمي لأسباب عدة ربما تحتاج إلى مقال آخر.

ولا تزال القضية في حاجة إلى كثير من التناول ومن عدة جوانب، وأظن أنها ستتجدد حتما، فهي قضية الثقافة في المستقبل القريب جدا!

Ab_negm@yahoo.om