الكتابة في "جمرة القيظ" العراقية!

حتى الكلمات تهرب من صيف العراق القائظ وانقطاع الكهرباء.


الحروف تنهزم من ذاكرتي وقلمي اصبح عاجزا عن تلبية اوامري


حرارة الجو التي تلفنا شبيهة بالأثير الذي يتوارى خلف ضلوع الأسرار


عند درجة حرارة تتجاوز الخمسين، تتضاءل كل الافكار مقابل نسمة هواء عليلة

نستضيف، او تستضيفنا حاليا "جمرة القيظ"، وكأن الاستضافات المزعجة قدرنا. لا اله إلا الله.. فمنذ الاربعاء، بدأت ملامح هذه الجمرة غير المرحب بها، تقض مضاجع المواطنين، متزامنة مع انقطاع التيار الكهربائي في عديد من المحافظات، بضمنها بغداد، وسط تبريرات، حفظها المواطن جملة وتفصيلاً.

واعتبارا منذ يوم الخميس شهدنا ارتفاعا متصاعدا بدرجات الحرارة وسكون بالرياح السطحية ودرجات الحرارة، بقت على عنادها، ولم تتنازل عن خمسين درجة مئوية. ويرشدنا مختصون الى عدم التعرض لأشعة الشمس المباشرة لمدة طويلة، وشرب السوائل بكثرة لاسيما المياه، وعدم الجلوس في الأماكن المغلقة سيئة التهوية، وقيادة المركبات بهدوء في الصباح الباكر، وعدم ترك الأطفال داخل السيارات المغلقة اثناء فتح التكييف.

تأثيرات شدة الحر الصحية على الانسان، عديدة خصوصا على العاملين في الاماكن المفتوحة، مثل عمال البناء، ورجال المرور والفلاحين وغيرهم من شرائح المجتمع... وايضا تأثيراتها النفسية، واضحة على المبدعين في مجالات الكتابة والنشاط الفكري. شخصيا جربتُ الكتابة في جو "جمرة القيظ " لكني حين كتبت، سارعت بعد لحظات الى تمزيق الصفحة تلو الاخرى، هربت الكلمات مني حينما اكون في أمس الحاجة لها. والحروف تنهزم من ذاكرتي، وقلمي اصبح عاجزا عن تلبية اوامري، واوزاني اصبحت مكسورة وحروفي اجدها مبتورة، وربما مشوية في "جمرة القيظ" فأسرع الى غسل ما تعلق في مخيلتي من افكار.. مشيّدا دون ارادتي، حائط صد لما اريد الكتابة حوله... إنه الحر.. نعم ان حرارة الجو التي تلفنا، شبيهة بالأثير الذي يتوارى خلف ضلوع الأسرار.. ماحياً كل أثر كان يوماً فوق الجـدار.. ويكتم اللوعة في صمت، ثم يدفن بقايا الافكار في عمق جراح البوح!

مرات اسأل نفسي، كيف يتماهى الانسان حياتيا، وهو يعيش لصيقا بدرجة حرارة، تقارب نصف درجة الغليان مع موجة وباء اسود؟ اكيد سيكون مع الأذى والعصبية صنوان لا يفترقان. والحق معه، فلطاقة الانسان مساحة من الصبر، وحين تتجاوز تلك المساحة حدودها، فإن الامور تخرج عن سياقاتها المعروفة، فليغفر احدنا، الآخر ان بدرت منغصات ليست على البال. فالحر الشديد، مصحوبا بانقطاعات الماء والكهرباء، والبحث عن لقمة العيش، وسوء الخدمات، يتسبب في فقدان التوازن النفسي، فالشمس الحارقة تزداد توهجًا وسطوعًا، وترسل سياط لهيبها موجعة للأبدان، فيهرب الناس منها، يلتمسون الظل الظليل، والماء البارد، والهواء المنعش، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.. وتلك هي ام المصائب!

لقد هربت مني الكلمات باحثة عن برودة وهواء منعش، وعصافير تزقزق وزهور ملونة في الحدائق.. واعتقد ان القارئ مثلي، لا يلفت نظره موضوع جدي، ولا يتفاعل مع قضية مهما كانت مهمة، فعند درجة حرارة تتجاوز الخمسين، تتضاءل كل الافكار، مقابل نسمة هواء عليلة.

ان هموم المواطن في هذا القيظ، وتكاثر اخبار الاصابات في كورونا كثيرة... كثيرة، وهي هموم تشبه المرآة تنكسر من أصغر حجر يضربها.. ولا اريد ان اكون ذلك الحجر، ومع هذا الاعتراف، تجدني اهرب من كلمات همسي... الى كلمات صراخي.. وبالله نستعين.