الكاميرا الرقمية يمكن ان تخرج السينما المصرية من ازمتها

القاهرة
الساعة بـ90 جنيه والحسابة بتحسب

يرى البعض أن استخدام الكاميرا الرقمية «الديجيتال» في السينما المصرية هو الحل الأمثل للخروج من مأزق الانتاج واشكاليات الاحتكار والخضوع للشركات الكبرى في حين يرى البعض الآخر ان استخدامها سوف يكرس واقعا سينمائيا هزيلا يزيد من التجارب الفاشلة والرخيصة.
وما بين هؤلاء وهؤلاء، ثمةجماعة بالفعل بدأت تستخدم الكاميرا الديجيتال في عمل أفلامها ومن هؤلاء المخرج محمد خان والمخرج خيري بشارة وقد سبقهما اليها المخرج يسري نصر الله في قلب «المدينة».
فتحنا ملف الكاميرا الرقمية الديجيتال التي بدأت تتسلل للسينما المصرية ولماذا يراها البعض خلاصا لأزمة السينما ولماذا يصر البعض الآخر على انها خطوة للخلف؟ وما هي حكاية هذه الكاميرا وما الفرق بينها وبين تلك التقليدية التي نشأت عليها السينما في مصر والعالم وهي المعروفة بـ 35 ملم أو 16 ملم؟
في البداية يؤكد الدكتور صبحي شفيق الاستاذ بالمعهد العالي للسينما في كتابه "السينما في مفترق الطرق من التماثلية الى الرقمية" الذي ظهر اثناء اقامة مهرجان الاسماعيلية للافلام الروائية القصيرة والتسجيلية ان المتصفح على شبكة المعلومات الدولية الانترنت لمفهوم «الديجيتال» يجد ان السينما الرقمية تخفض قرصنة الفيديو وفي الوقت نفسه ترسل مباشرة أي عدد من الأفلام لجميع دور العرض في شتى انحاء الكرة الأرضية.
وفي ربيع عام 1996 شعر اعضاء رابطة مخرجي اميركا بظهور اتجاهات حديثة في وسائل التعبير بالصورة وتم عقد سلسلة من المناقشات هدفها تصنيف وبلورة ما طرأ على تكنولوجيا الصورة والصوت من تقنيات جديدة وأسفرت عن ضرورة الاعتراف بأن شريط الفيلم السينمائي بالمقاس العادي 35 ملم لم يعد هو وحده الصفحة التي يكتب عليها المخرج موضوعا مستخدما العدسة التي هي قلمه. فإلى جانب الشريط السينمائي الخام توجد عدة وسائط تعبير أخرى.
يحسب للمخرج المتميز يسري نصر الله انه أول سينمائي مصري يستخدم الكاميرا الديجيتال الرقمية - الفيديو - في تصوير فيلم سينمائي هو فيلم «المدينة» وعن هذه التجربة يقول يسري نصر الله صاحب «مرسيدس» و«صبيان وبنات» و«سرقات صيفية» و«المدنية»: في تاريخ التطور التكنولوجي للكاميرات السينمائية مرحلتين الأولى هي وجود الشريط السينمائي 16 ملم والثانية متعلقة بـ 35 ملم وهناك تطور ثالث أكثر رفاهية هو استخدام70 ملم وكلها شرائط ووسائط لتسجيل أفكار المخرج وبالتالي هذه النقلات والوسائط ليست عدوة للمخرج وبذلك أردت عند ظهور وسيط جديد يناسبني ويرضيني ويفي بالغرض وهو شريط الفيديو الرقمي استخدمته اضافة الى ان أفلامي لا ينتجها ممولو السينما التقليديين وابحث لها عن ممول بنفسي وهذا لا يعطيني ضخامة انتاج معتادة. وبالنسبة لي استخدام الفيديو الديجيتال أوفر كثيرا، فالمعروف ان سعر علبة الخام للفيلم 35ملم تتراوح مابين 600 إلى 700 جنيه للعلبة التي تصور ثلاث دقائق فقط، أي ان سعر الساعة حوالي 15 إلى عشرين ألف جنيه في حين ان سعر الساعة من الكاميرا الفيديو لن يتجاوز 90 جنيها فقط وهذا بالطبع فرق كبير يفيد الصناعة ويفيد السينمائيين وهذا علاوة على ان لاستخدام الديجيتال جوانب جمالية لا تتوافر للسينما وهناك مشاهد بالفعل صورتها في فيلم «المدينة» كان من الصعب أن تستخدم فيها الـ 35 ملم وهذا لا يعني أنني سوف أصور أفلامي المقبلة بالفيديو أو أنني أرفض الكاميرات السينمائية ولكن لكل تجربة ظروفها فأنا مثلا أريد أن أصور اجزاء من فيلمي المقبل فيديو وأخرى سينما وهكذا طالما أنني اعرف جيدا الوقت الذي استخدم فيه الفيديو والوقت الذي استخدم فيه السينما 35 ملم وكذلك اعرف تركيب هذه المشاهد معا وكل هذا تسنى لنا بوجود التكنولوجيا صديقة الانسان التي يجب ان يطوعها لخدمته.
المخرج الشاب احمد رشوان يقوم الآن بتصوير فيلم «الصباح التالي» بالكاميرا الديجيتال التي اقترضها من المركز الثقافي السويسري ويستعد لفيلمه الروائي الأول بالالوان الطبيعية بنفس الكاميرا لذلك يقول عن دخول الديجيتال في مصر: هذه هي المرة الاولى التي اعمل بها بكاميرا الفيديو الرقمية والحقيقة انني اكتشفت اشياء كثيرة لم اكن اعرفها فضلا عن الفارق الكبير بين استخدام كاميرا 35 ملم واستخدام كاميرا ديجيتال اقتصاديا فرق شاسع يجعل عملية الانتاج شيئا ليس صعبا، هناك فروق تقنية فالكاميرا الديجيتال تخلق حميمية بين المخرج والممثل لا يمكن ان تخلقها الكاميرات الكبيرة التي تدار وسط طاقم عمل كبير يخلق نوع من الرهبة خاصة عند ممثل مبتدئ. اضافة الى ان الكاميرا الديجيتال وهذا هو الأهم سوف تحررنا من قيود الموزع والمنتج والشروط القاسية للسوق المحدودة، ففيلم بالألوان رغم انه حصل على منحة من وزارة الثقافة الفرنسية الا انني لم أجد من ينتجه لي بسبب بسيط وهو انه فيلم مختلف عن السائد السينمائي المصري الآن.
وجود كاميرا ديجيتال ومعطيات عمل أوفر سوف يتيح الآن اخراج الفيلم وهذا أحد أهم المحاسن التي جاءت بها التكنولوجيا الحديثة وخاصة بعد ان اصبحت مسألة نقل الفيلم من الفيديو الى السينما أقل بكثير من تكلفة انتاجه بالسينما منذ البداية فهذه العملية سوف تتكلف 100 ألف جنيه فقط.
ويضيف أحمد رشوان: التصوير الرقمي هو الأرخص والاسهل وهو أيضا المستقبل ويكاد يكون مثل تصوير الافلام 35ملم وسوف يفتح الباب أمام المبدعين الشبان الذين يواجهون ضغوطا وصعوبات انتاجية لتحقيق أحلامهم واعتقد ان مع كثرة هؤلاء سوف يضطر اصحاب دور العرض - كما حدث في الولايات المتحدة - لانشاء دور عرض تعمل بالانظمة الرقمية ووقتها سوف يوفر السينمائي مبلغ الـ 100 ألف جنيه الذي يتم تحويل الفيلم بها من فيديو الى سينما.
المخرج محمد خان يستعد لتصوير فيلمه الروائي «كليفتي» الذي قرر أن يصوره بالكاميرا الرقمية فيقول: بعدما يئست من شركات الانتاج وبعد ان فقدت الكثير قررت أن أقوم بانتاجه بنفسي لأني لا أقدر على انتاج عمل سينمائي بالمواصفات التقليدية واعتمادا على الكاميرا الـ 35 ملم وما يتبعها من تحميض وطبع.. الخ قررت ان اقدم الفيلم مستخدما الكاميرات الديجيتال لما سوف يوفره هذا القرار من أموال، فالفارق بين الكاميرا الديجيتال والكاميرا السينمائية الـ 35ملم ليس كبيرا وهناك تجارب عالمية ناجحة وآخرها «الراقصة والظلام» الذي حصل على السعفة الذهبية لكان للمخرج لارسي فون ترير والنتيجة رائعة ومرضية فهي مثل العين المجردة في التقاط الصور وهذا ما يضفي عليها واقعية ونحن نسعى وراء المصداقية في أفلامنا لذلك أنا لا أجد ان استخدامي للكاميرا الديجيتال تخلف كما يدعي البعض بل انه وسيلة جديدة تفيدني على المستوى الفني وتحررني من أي قيود انتاجية وهذا مايريده أي مبدع.
مدير التصوير السينمائي سعيد شيمي يفند مسألة استخدام الكاميرا الديجيتال مؤكدا انها المستقبل ويجب ان نؤمن بذلك قائلا: الصورة الرقمية لا تفقد صفاتها عند النقل من وسيط الى اخر وفي المونتاج وعند العرض ايضا وهذا بعد ان صنع كاميرات تسجل بسرعة 24 كادرا في الثانية الواحدة وهو بذلك يعمل بتقنيات متناهية الجودة وبعد ان انتجت الشركات العالمية خام سينمائي يستقبل الصورة الرقمية ويحولها الى سينما اصبحت المسألة غاية في البساطة واصبح من حق أي سينمائي ان يقدم فيلمه بأرخص الاسعار ومع ذلك تختفي كلمة الازمة التي تصاحب العمل السينمائي في مصر منذ وقت طويل وأنا شخصيا من السينمائيين الذين يشجعون العمل بالكاميرا الديجيتال واتمنى العمل بها يوما ما.
المخرج شريف عرفة يقف على الجانب الآخر من استخدام الكاميرا الديجيتال فهو يرى ان استخدام الفيديو في العمل السينمائي خطوة للخلف ويقول: كان من الاجدى ان تستغل الطفرة الاقتصادية في السينما في البحث عن متغيرات وتقنيات أكثر جمالا ودقة فالأفضل أن تضع في أن نصور أفلامنا بالكاميرا الـ 70 ملم التي صور بها العالم أفلامه الآن لما بها من خواص رائعة تجعل من مهمة عمل فيلم سينمائي متعة حقيقية بدلا من أن نفكر في استخدام الفيديو.. فحتى مخرجو الدراما التلفزيونية والفيديو يستخدمون الكاميرات الـ 35ملم لانهم يعرفون جيدا انها الأفضل وكان الأولى بصناع السينما تمسكهم بالمعطيات الجيدة التي تقيد العمل السينمائي، فأنا اتحدى اي مخرج أو سينمائي يثبت ان استخدام الكاميرا الديجيتال أفضل وأكثر جودة من استخدام الـ 35 ملم والـ 70 ملم.. وأعتقد ان استخدام الفيديو هو عودة الى الخلف.