القيم الاجتماعية والروحية تنحت العمارة العمانية



مسقط ـ من حسين شحاده
مباني تعكس تأثير الناس والطبيعة

تذخر سلطنة عُمان بالمناظر الطبيعية الخلابة والتراث الحضاري المتميز، وتجتاحها نهضة معمارية متناغمة. وعلى الرغم من النهضة المعمارية الحديثة والتطور الذي تشهده البلاد من خلال فترة قصيرة نسبياً من عمر الزمن، فقد التزمت هذه النهضة الإنشائية بالقيم الاجتماعية والروحية، وحافظت على تراثها القديم، ومزجت بين الأساليب المعمارية القديمة والحديثة في أسلوب رائع ونهج فريد تميزت به.

وكنتيجة لذلك تحتفظ المباني بالمظاهر الجمالية لكثير من الآثار المعمارية الإسلامية القديمة التي أنشئت على أسس هندسية وثقافية وجمالية تعكس فن العمارة والمظاهر الاجتماعية التقليدية منذ بدء التخطيط للبناء، كما يعكس المظاهر الجمالية فضلاً عن التزامه بكل الشروط الصحية وتوفير المياه وجودة التهوية، وتحقيق درجة من الخصوصية. وكنتيجة لذلك أصبحت المساكن تحفة فنية جميلة ومريحة انتشرت في ربوع السلطنة على اختلاف وتنوع مناطقها.

وفي مقدمة كتاب نشر حديثاً بعنوان "فن العمارة في سلطنة عُمان" يعترف ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز أمير ويلز بأنه يعشق فن العمارة العمانية، حيث يقول "لقد ظهرت المباني الحديثة جنباً إلى جنب مع الآثار القديمة، وان الكثير من هذه المباني الجديدة يكون لها نفس التأثير الساحر مثل تلك المباني القديمة".

لقد تأثر فن العمارة العماني بعمق بالعوامل التاريخية والجغرافية في سلطنة عُمان، وقد أدى ذلك إلى تفرد هذا الفن على مستوى الدول المجاورة، فمثلاً عندما كانت هناك علاقات تجارية قديمة مع اندونيسيا والصين عبر جزر البهارات في المحيط الهندي، فقد تم إنشاء سلسلة من القلاع الجميلة على طول الساحل لحماية موانيها. أيضا، لا يجب أن نغفل الآثار البرتغالية في الفترة القصيرة التي عاش فيها البرتغاليون في عمان، وأيضاً البريطانيون، والذين كما قال الأمير تشارلز، لا يزالون يسهمون بنصيب لا بأس به في فن المعمار للعديد من مشروعات البنية التحتية.

وإلى حين تولي السلطان قابوس بن سعيد حكم البلاد فإن مسقط وباقي المدن الأخرى كانت معزولة لقرون طويلة، وقد أنشئت مباني هذه المدن من مواد محلية بارتفاع ثلاثة أدوار (أحياناً أربعة)، وقد اقتصرت هذه المباني على المجتمعات التي كانت تعمل في التجارة والزراعة وصيد الأسماك، ومن أجل توحيد أشكال المباني على الساحل وفي داخل البلاد، فقد بدأت السلطنة في تنفيذ خطة تنموية شاملة تعمل على نشر المباني الحديثة، وفي نفس الوقت تعمل على الاحتفاظ بالتراث العماني الأصيل، وقد استهدفت الحملة المستمرة التركيز على القلاع والحصون الهامة.

تعمل السلطنة على تشجيع السياحة الراقية، حيث يجد الزوار متعة في مشاهدة الآثار الدينية والثقافية التي يذخر بها التراث العماني والتي تتجلى في الآثار والمباني القديمة عادة ما يبدأ الزوار زيارتهم إلى مسقط والتي وصفها لورد كورسون نائب ملك الهند في عام 1903 بأنها من أفضل الأماكن الجميلة في العالم، وإننا وبكل ثقة يمكن أن نقول بأن هذا الوصف لا يزال قائماً حتى اليوم.

ويمكن للزوار مشاهدة مساكن التجار القديمة ذات الصبغة الفريدة والتي لا تزال قائمة حول خليج مطرح (يعتبر الآن جزء من محافظة مسقط) وفي حالة جيدة، وتختلف هذه المساكن عن تلك الكائنة في عمق المدينة القديمة والتي هجرها الكثير من ساكنيها إلى المناطق الأكثر برودة ورحابة في ضواحي المدينة، ومن ثم تدهورت حالتها بسرعة بفعل العوامل الطبيعية.

وحافظت سلطنة عمان على الارتباط بتراثها التقليدي بينما تطور أسلوبها المميز في فن العمارة الحديثة، ولقد كان للسلطان قابوس بن سعيد تأثيراً قوياً على أسلوب السلطنة في العمارة الحديثة، ولقد اهتم بمشاريع المباني الجديدة وتطويرها، وقد عرف منه العامة الجيد بتفاصيل الموضوع.

وبفضل هذا الاهتمام حافظت السلطنة على عمارتها التقليدية وهي تضع أسس المباني وقواعد التصميم التي تحكم التنمية العمرانية المقترحة.

لقد كان الهاجس الأول في هذا البلد الذي ترتفع فيه درجة الحرارة إلى 45 درجة مئوية في الصيف هو كيفية المحافظة على برودة المباني، وكانت المباني التقليدية تشيد بطرق تحافظ على أعلى درجة ممكنة من التهوية وانسياب النسيم للاحتفاظ بأفضل برودة ممكنة في المواقع السكنية، وكما هو معروف تاريخياً في مواقع الطقس الحار في شبه الجزيرة العربية، حيث يوجه الاهتمام إلى داخل المنزل بحيث يكون وسط المنزل عبارة عن فناء داخلي تقضي فيه الأسرة معظم وقتها، وتوفر هذه الأفنية مخزوناً من الهواء البارد.

ولقد جاء في كتاب "الإرث العمراني في الخليج" لشيرلي كي وداريوس زاند يأته في المساكن الكبيرة يظلل الفناء بشرفة كبيرة على أعمدة منقوشة تحجب أشعة الشمس عن بقية غرف المنزل من خلفها. لقد كانت حيطان المباني التقليدية بسمك نصف متر، وتعتبر الغرف بالمعايير الحديثة أطول وأضيق وذات سقوف عالية، وكانت النوافذ خالية من الزجاج وتظلل بستائر من الخشب تسمح بمرور النسيم وتوفر الظل وتحافظ على خصوصية وحرمة الأسرة بالداخل، وكانت النوافذ تثبت في أسفل الحوائط بحيث تمكن السكان من مشاهدة المناظر الخارجية وهم جالسون على حصائر مفروشة على أرضية الغرف، وفي شهور الصيف عندما تكون الحرارة على أشدها تحول الأسرة أماكن نومها إلى سطوح المنازل تفادياً للحر بالداخل.

وكانت المناطق المشيدة في منطقة العاصمة قبل عام 1970 قاصرة على منطقتي مسقط ومطرح، ولقد شكلت الجبال المحيطة بهما خط دفاع طبيعي حيث تبقى المنطقة مقفولة من جميع الاتجاهات بين الجبال والبحر، هذا وقد وهب الماضي المرتبط بالبحر لمسقط إرثاً من فن العمارة يفوق معظم جيرانها، ولقد تم الاعتراف بالأهمية الثقافية لإرث العمارة التقليدي ليس كسجل للماضي فحسب بل أيضا لقابليته في ترويج السياحة ولذلك تقوم الحكومة بإعادة تشييد المباني القديمة لتعيد إليها جمالها وجاذبيتها.

إن محافظة مسقط والمنطقة المحيطة بها والتي تتوسع بصفة مستمرة تمتلك ثروة من المباني الساحرة التي أنشئت في العقود الثلاثة الماضية، وعندما فكرت شركة "فيتزوري روبنسون" البريطانية في اختيار الفن المعماري الأصيل ليكون الأساس عند تصميم مبنى وزارة الخارجية، فقد كان هدف الشركة هو إظهار جوهر هذا الفن وتعميمه في المنطقة والتي استوحته من الآثار القديمة والقلاع الشامخة والحصون المنيعة.

وفي عام 1987 أصدر ديوان البلاط السلطاني وثيقة تتضمن أسس تطوير منطقة شاطئ القرم، ولا زالت هذه الوثيقة تشكل المرجع الأساسي لأعمال التصميم السائدة في جميع أنحاء البلاد، إن الهدف من هذه الوثيقة هو التأكيد على ضرورة إتباع تصميم معماري عالي الجودة يعكس النظام المعماري العربي والعماني والإسلامي ذو الطابع الفريد في الوقت الذي تستخدم فيها مواد البناء الحديثة، وذلك من أجل نشر القيم الثقافية الأصيلة من خلال التصاميم العربية الحديثة.

ويتم تنفيذ هذه الأسس في معظم الأحيان، فمثلاً يضم المشروع السكني في شاطئ القرم (وفي مدينة السلطان قابوس) عدداً من الأبنية ذات التصاميم المتميزة، ولقد اقتصرت الارتفاعات على ثلاثة طوابق فقط ويغلب عليها اللون الأبيض ومزود بالنوافذ ذات الألوان والأشكال الجميلة، أيضا استخدمت الأبواب المزودة بالنقوش الجميلة، وفي واقع الأمر، وكما يشير دكتور دملوجي مؤلف كتاب فن المعمار العماني "تعكس المساكن خصائص التنمية الجديدة في منطقة الخليج من حيث أسلوب البناء والمحافظة على التقاليد"، ويتجلى ذلك في مبنى وزارة الخارجية الذي يعد ترجمة صادقة وأمينة لفن المعمار الحديث الذي يمتزج بالمعمار القديم مما يؤهل السلطنة لكي تحتل مكانة مرموقة وفريدة في المنطقة وعلى الأخص في مجال العمارة الإسلامية.

من أهم المعماريين الذين كان لهم باعاً طويلاً في إثراء فن العمارة الإسلامية هو محمد مكي، الذي قام بوضع معجم للتصاميم من أجل الاحتفاظ بفن التصميم القديم في إطار حديث، ويبرر فلسفته في هذا المجال بقوله "إن المباني تعكس تأثير الناس والطبيعة أكثر من كونه سلوك أكاديمي جاهد يرغب المعماريون في تطبيقه، ولهذا السبب أمضيت الكثير من الوقت في البحث عن فن المعمار التقليدي للمنطقة وزيادة معلوماتي عن التقنية المحلية والمواد والتصميم".

لقد أعطى النمط التقليدي الإسلامي مع التأثير الهندي والبرتغالي للسلطنة كثيراً من إبداعها في فنون العمارة، ويستخدم الحديد المطاوع في تشييد الأقواس بمنازل التجار الأنيقة المواجهة للبحر على طول شاطئ مطرح، كما أن فكرة الشرفات المفتوحة من خشب الساج فكرة هندية، حيث كان التجار العمانيون يستوردون خشب الساج لمنازلهم من تلك البلاد.

وكثير من الأنماط التقليدية أمكن استيعابها في فنون العمارة الحديثة، حيث يقول "كيث جارفيس" وهو ملحق مقيم بشركة هندسة معمارية محلية مسؤول عن تصميم عدة مشاريع هامة "مما لا شك فيه أن هناك أسلوب حديث لفنون العمارة خاص بسلطنة عمان".

وعلى مدى السنوات الأخيرة صارت المباني الجديدة تزين وتزخرف أكثر فأكثر بإضافة لمسات إسلامية محلية ودولية.

ويعتمد الأسلوب العماني على التقليد الإسلامية من ناحية الشكل، ولكن لديه عناصر عمانية خاصة ترجع أصولها للقلاع والمساجد المحلية والمنازل التقليدية، والشرفات المفتوحة والنوافذ ذات المصراعين وأنظمة تسوية سطح المباني، كلها عناصر من فن عمارة القلاع.

ويشير المستر "جارفيس" إلى وجود أسلوب عماني محدد يتعذر تحديده ولكنه متميز مقارنة بأبوظبي ودبي.

وبالرغم من حلول عهد تكييف الهواء فإن أحد الأشكال الإسلامية التقليدية ما زالت مطبقة في المباني الحديثة وهي مفهوم الفناء الداخلي، ويوفر هذا مكاناً بارداً يمكن إضفاء مسحة جمالية عليه بعمل نافورة أو بركة ماء.

واكب تنامي الاهتمام بدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف إرجاء السلطنة وبنفس القدر نهج حميد بضرورة تنمية الجوانب الروحية والفكرية لدى الإنسان العماني تحقيقاً لمبدأ التنمية المتوازية في مقاصدها المادية وغاياتها الروحية على حد سواء، وتجلى هذا المفهوم المتكامل في حرص السلطان قابوس ومنذ بزوغ فجر النهضة على التوجيه بالتخطيط لتشييد مجموعة من الجوامع على نفقته الخاصة.

وفي هذا الإطار تم افتتاح جامع السلطان قابوس الأكبر في مايوـ آيار 2001، الذي بدأ العمل في إنشائه في العام 1992 بتوجيهات من السلطان قابوس ليكون اكبر جامع في سلطنة عمان، لا تقتصر الهدف من إقامته على كونه مكاناً للصلاة والتعبد فحسب، وإنما يتعداه ليكون مركزاً للتفاعل مع روح الإسلام ديناً وعلماً وحضارة وصرحاً معمارياً ثميناً مع حقب التراث الإسلامي العريق، وكان افتتاحه تظاهرة إسلامية حيث حضر حفل الافتتاح الذي رعاه السلطان قابوس جمع كبير من علماء المسلمين من كافة الدول الإسلامية، ويحتل موقعه مساحة إجمالية قدرها 416 ألف متراً مربعاً، وتبلغ السعة الإجمالية إلى إمكانية احتواء 20 ألف مصل ومصلية، وتجمع منظومة عناصره المعمارية في الداخل أنماطاً من الفنون والحرف الإسلامية الأصيلة ولكن في بنية حديثة ومعاصرة.

ويقتبس الفن المعماري العماني روح الأصالة المتمثلة في الفن الإسلامي المتألق على مر العصور، ويعمل المعماريون على أن تبقى سلطنة عمان واحدة من الدول المتميزة في هذا المجال.