القيروان: مدينة الحضارة الإسلامية ومرقد صحابة الرسول الكريم

مسجد عقبة معلم بارز من معالم المدينة

القيروان(تونس) - تحتل القيروان منذ تأسيسها مكانة متميزة في تاريخ تونس، وفي التاريخ الإسلامي عامة، لأنها كانت منذ البداية مدينة العلم والفقه والإشعاع الديني.
فالقيروان ظلت تمثل بالنسبة لتونس ولكامل منطقة الشمال الإفريقي مركزا للعطاء الروحي والفكري الذي أشعّ على منطقة المغرب، وإفريقيا ومنها انطلق الفتح الإسلامي إلى أوروبا شرقا وغربا.
فهي بذلك تحمل في كلّ شبر من أرضها عطر مجد شامخ وإرثا عريقا يؤكده تاريخها الزّاهر ومعالمها الباقية التي تمثل مراحل هامة من التاريخ العربي الإسلامي.
وتاريخيا بقيت القيروان حوالي أربعة قرون عاصمة الإسلام الأولى لإفريقية والأندلس ومركزا حربيّا للجيوش الإسلامية ونقطة ارتكاز رئيسية لإشاعة اللغة العربية.
وبسبب ذلك كان ان اختارها وأمّها عدد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلّم أمثال عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن عمر وعبد الرحمان بن أبي بكر الصديق ورويقع بن ثابت الأنصاري وأبي زمعة البلوي الذي كان حلاق الرسول والذي له مقام بالقيروان، تمّ ترميمه في عهد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، فأصبح معلما من المعالم التي تفخر بها القيروان اليوم.
وعندما تذكر القيروان يذكر القائد العربي الكبير عقبة بن نافع وقولته المشهورة عندما بلغ في فتوحاته المحيط الاطلسي وهو يرفع يده الى السماء ويصرخ بأعلى صوته "اللهم أشهد أني بلّغت المجهود ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد من دونك".
ونظرا لمكانتها الإسلامية والحضارية وضعت تونس خطّة لصيانة مدينة القيروان العتيقة ومعالمها الدينية شملت كامل النسيج العمراني وتحسين المحيط مع الحفاظ على الأنماط المعمارية التاريخية الخاصة بها.
وقد تجاوزت الاعتمادات المخصصّة لصيانة المدينة العتيقة بالقيروان سبعة ملايين دينار تونسية تم توظيفها في إطار خطة أذن بها الرئيس التونسي وأطلق عليها "المشروع الرئاسي" لمزيد العناية بجامع عقبة بن نافع وترميمه وتجديد شبكة الإنارة به كما تمت إعادة صيانة مقام الصحابي الجليل أبي زمعة البلوي والمدرسة البلوية وتطوير المراكز الروحية.
ومثلت البرك الاغلبية، المعروفة بفسقية الأغالبة، نموذجا هامّا لعملية الصيانة حسب المعايير العلمية الحديثة وشمل مجهود الصيانة بقية المساجد بمدينة القيروان والزوايا والمزارات القديمة كما طالت العناية مجال المخطوطات حيث استحدث في العام 1995م "المعهد الوطني لترميم المخطوطات بمدينة القيروان" وهو أول مركز مختص من نوعه في العالم العربي وإفريقيا.
من جهة أخرى يجري تنفيذ المخطط الاستثماري لمدينة القيروان الذي خصصه المجلس البلدي للارتقاء بنوعية الحياة فيها، وهو مخطط تبلغ استثماراته 12 مليونا و337 ألف دينار تونسي ستخصص لمدّ الطرقات بالمدينة وبناء الأرصفة ودعم شبكة التنوير والعناية بنظافة المدينة وحماية محيطها وتنظيم الأسواق فيها وبعث المساحات الخضراء وتجميل مداخل المدينة وإنجاز المشاريع الشبابية والرياضية والثقافية.
وإذا كانت من عادة التونسيين سنويا في ذكرى المولد النبوي الشريف فإنها أيضا مدينتهم المفضلة في شهر رمضان المعظم للصلاة في جامعها الأعظم - جامع عقبة - ولزيارة أسواقها والتعرّف على تراثها باعتبارها إحدى المدائن الضاربة بجذورها في عمق الأصالة والحضارة العربية الإسلامية.
وتميّز كل عصر من عصور القيروان بعدد وافر من الاسماء والاعلام في شتى ضروب العلم والمعرفة لمّْا كانت عاصمة المغرب العربي وأعظم مدن القارة الإفريقية ومنارة عالية للإشعاع الفكري والديني والحضاري في عصور الأغالبة والفاطميين والصنهاجيين ومن هؤلاء الأعلام الإمام سحنون، وابن رشيق القيرواني، وابن شرف، وأسد بن الفرات، وابن الجزار، لكن المهتمين بالتاريخ يذكرون خصوصا اسم المعزّ لدين الله الفاطمي كألمع اسم اقترن بالقيروان في عهد الفاطميين والمعزّ بن باديس الصنهاجي كأكبر رمز لما بلغته القيروان من حضارة في عهد الصنهاجيين وعبد الله بن الأغلب الذي جعل من القيروان اسما ملأ الدنيا، أما عقبة بن نافع فإنه يظل الفاتح والمؤسس، فهذا القائد الإسلامي الذي ولد في العام العاشر الهجري، قدم إفريقية في جيش عظيم وخطط لمدينة إسلامية سماها "القيروان" وهو لفظ فارسي معناه "محط الجيش".
وقبل استشهاد عقبة قرب بسكرة في الجزائر سنة 64 هـ كان دعا للقيروان "اللهم إملأها علما وفقها وعمرّها بالمطيعين لك والعابدين واجعلها عزّا لدينك وذلاّ لمن كفر بك وأعزّ بها الإسلام وأمنها من جبابرة الأرض، الله حبّبها لسكانها وآتها رزقها رغدا من كل مكان".
ويتواصل اليوم إشعاع القيروان لتبقى المنارة التي حملت وأشاعت حضارة إسلامية مدة أربعمائة سنة متتالية، وساهمت في تواصل هذه الحضارة خالدة شامخة شموخ الإسلام ورسالته النبيلة.