القوة العظمى التي أفل نجمها

بقلم: جواد البشيتي

لقد أفل نجم القوَّة العظمى في العالم، فما كان للولايات المتحدة أن تشذَّ عن القانون الفيزيائي لحياة النجوم الضخمة. "النجم الضخم" لا يمكنه أن ينعم زمناً طويلاً بضخامة كتلته، فهو يستنفد طاقته سريعاً، ويموت، بالتالي، قبل النجم الذي يصغره كتلةً؛ ولكن دوي موته يهزُّ السماء.

ولن تشذَّ عن "قانون نابليون"، فالولايات المتحدة، وفي "عهدها النيروني"، أي عهد الرئيس بوش، امتلكت من حماقة وغرور القوَّة ما يَعْدِل، إنْ لم يَفُقْ، ما امتلكت من القوَّة نفسها، فنفث "شيطان القوَّة" في روع رئيسها، الذي اهتدى بعد ضلال مبين، أنَّ "الحراب" يمكن فِعْل كل شيء بها، فامتثل واستخذى لوسوسته، ضارباً صفحاً عن "نصيحة نابليون".. "إنَّكَ تستطيع فِعْل كل شيء بالحراب عدا الجلوس عليها"؛ وها هو يجلس، ويُجْلِس "روما الجديدة"، عليها!
التاريخ عَقَد للولايات المتحدة على العالم، فهل "تقود" أم "تحكم"؟
إنَّها لم تكن (على عظمتها اقتصادياً وعسكرياً) بأهل لـ "القيادة"، فأجابت، إذ استبدَّت بها مصالحها الإمبريالية، على البديهة قائلةً إنَّها "ستَحْكُم"، و"ستُحرِّر" العالم شبراً شبراً، حتى تغدو "الحكومة العالمية"، فأرسلت جيوشها إلى حيث يتركَّز "الذهب الأسود"، بدعوى محاربة "الإرهاب" تارةً، وبدعوى نشر "الديمقراطية" طوراً، فَلَمْ نرَ "حرباً على الإرهاب"، أو "حرباً من أجل الديمقراطية"، إلاَّ حيث يستوطن النفط والغاز.. أهي "مصادفة صرف"؟!
آدم، مهما غضب على حواء، أو منها، عليه أن يتذكَّر أنَّه من ضلعه قد خُلِقَت.. وعلى الولايات المتحدة، الغاضبة الآن على روسيا، ومنها، ألاَّ تنسى أنَّ من ضلعها قد خُلِقَت، فَمِنْ حماقة وغرور القوَّة لـ "روما الجديدة"، ومن عواقب الجهل والحماقة والغرور، في العراق وأفغانستان وسائر العالم، استمدَّت روسيا جزءاً كبيراً، إنْ لم يكن الجزء الأكبر، من قوَّتها.. وليس بوتين سوى الابن الشرعي لـ "الضرورة التاريخية الروسية"؛ وأكاد أن أقول لـ "الضرورة التاريخية العالمية"، فالعالم الكاره للولايات المتحدة، أي العالم الذي حبَّبت إليه الولايات المتحدة كراهيتها، هو الذي في تربته يضرب "التحدي الروسي" جذوره عميقاً.. كيف لا، وهو الذي جرَّبها واختبرها إذ عَقَدَ لها التاريخ على العالم؟
روسيا اليوم، لا تستمدُّ قوَّتها من "غازٍ" يجري في شرايين اقتصاد الاتحاد الأوروبي كما يجري الدم في شرايين الحياة؛ ولا من "الغلاء النفطي العالمي" الذي يملأ خزائنها بـ "القطع النادر"؛ ولا من نهوض اقتصادي لم تعرفه قبل عهد بوتين؛ ولا من "ترسانتها النووية" التي تسعى الولايات المتحدة في جعلها "خُرْدَة"؛ ولا من موقعها الجيو ـ استراتيجي في القوقاز والذي أثبتت أهميته حماقة ساكاشفيلي التي تعيي من يداويها.
إنَّها مستمدَّةٌ من انفجار الروح القومية للروس ضدَّ الإذلال الغربي لها، وضدَّ "إسرائيل الجورجية"، فروسيا (النووية) المتماسكة بقوَّة الشعور القومي، هذه المرَّة، هي التي ينبغي للغرب أن يخشاها، مُتذكِّراً، في الوقت نفسه، عواقب الإذلال القومي الأوروبي للألمان.
وإنَّها مستمدَّةٌ أيضاً من اشتداد حاجة معظم العالم إلى قوَّة عالمية جديدة، توازِن وتردع القوَّة العالمية الإمبريالية للولايات المتحدة، فـ "روسيا الموازِنة الرادعة" هي الآن، وأكثر من ذي قبل، "مطلب عالمي"، و"حاجة عالمية (وإنسانية وحضارية)"؛ ولا بدَّ لكل المتضررين من حُكْم الولايات المتحدة الأوتوقراطي للعالم من أن يقفوا مع "القط الروسي" مهما كان لونه إذا ما أرادوا لعالمٍ من "قوس قزح" أنْ يُوْلَد.
أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا "استقلَّتا".. هذا ليس بـ "الخبر"، فـ "استقلال روسيا" الكامن في "استقلالهما" هو وحده "الخبر"!
وفي بعضٍ من تفاصيل هذا "الخبر" أنَّ قوَّة عسكرية بحرية للولايات المتحدة أُرْسِلَت إلى ميناء "باتومي (جنوب غرب جورجيا)"، مُحَمَّلة بـ "معونة إنسانية"، كانت تَعْتَزِم التوجُّه إلى ميناء "بوتي" الجورجي الاستراتيجي الذي تسيطر عليه قوَّة عسكرية روسية، فعَدَلَت عن التوجُّه!
"بوتي" هي "رودوس"، فما الذي منع ذاك "المتبجِّح"، والذي أسرع في إرسال "معوناته الإنسانية المسلَّحة" إلى "باتومي"، من أن يقفز من "رودس" تلك؟
هذا "المتبجِّح" حَلَف (لروسيا) أغلظ الأيمان أنَّ صواريخه المضادة للصواريخ في بولندا، مع راداره في تشيكيا، ليست ضدَّ صواريخ روسيا، وإنَّما ضد صواريخ إيران، فلم تُصدِّقه لأسباب عِدَّة، أهمها أنَّها لا تثق بنيَّاته.
ولو سُئِل عن السبب الذي يَحْمِله على مناصبة البرنامج النووي الإيراني العداء لأجاب على البديهة قائلاً إنَّه "لا يثق بالنيَّات الإيرانية"، فطهران تُضْمِر شرَّاً نووياً عسكرياً، وينبغي للعالم أن يمنعها (بالعقوبات.. وبالحرب في آخر المطاف) من تطوير هذا البرنامج الذي ظاهره مدني، وباطنه عسكري.
أمَّا روسيا فلا ينبغي لها أن تقف من "الدرع المضادة للصواريخ" موقفاً مشابهاً لموقف الولايات المتحدة من البرنامج النووي الإيراني، فهنا، أي في الموقف الروسي من تلك "الدرع"، يجب أن يُغَضُّ النظر عن "النيَّات"، وعن "الاستخدام المزدوج".
لِتُصَدِّق واشنطن المزاعم النووية لطهران حتى تُصَدِّق موسكو مزاعم واشنطن في أمر "الدرع الصاروخية".
ولكن هل لدى الولايات المتحدة الآن من المصالح والأهداف ما يَحْملها على خفض منسوب الحماقة في سياستها بوجهيها الكلامي والعملي؟
كلاَّ، ليس لديها الآن، أو حتى الآن، فأخشى ما أخشاه أن تكون الغاية هي إخضاع الاتحاد الأوروبي لـ "النفوذ الطاقي" للولايات المتحدة، فتحريض أوروبا الغربية (والشرقية) على معاداة روسيا قد يضطَّر موسكو إلى شنِّ حربٍ من نفط وغاز على الأوروبيين، فيصبح ممكناً، بالتالي، أن تقنعهم الولايات المتحدة بجدوى وأهمية وضرورة بقاء "المارينز" في العراق (بما يتمتَّع به من أهمية نفطية) مع إحكام قبضتها على مصادِر الطاقة في جواره الإقليمي، وفي أماكن أخرى، وكأنَّها لا تريد للعالم أن يبقى إذا لم يبقَ خاضعاً لسلطانها الإمبريالي إلى الأبد.
ويكفي أن نفهم الولايات المتحدة على هذا النحو، أي بما يوافِق حقائق واقعها، ويناقِض "الصورة" التي تريد للعالم أن يراها فيها، حتى ندرك أن لا خطر يتهدَّد العالم يفوق خطر بقاء الولايات المتحدة حرَّة طليقة، لا رادع يردعها، ولا قوَّة دولية توازنها. جواد البشيتي