القمةُ الإسلاميةُ: مشكلات مزمنة... مشاهد متوقعةٌ... وإعلان تقليدي

هل يعلم النظام الحاكم في مصر أنه مُعرَّضٌ عما قريب لتهمة إهدار المال العام وضياع الوقت والجهد والإمكانات بسبب انعقاد فعاليات القمة الإسلامية على أرض مصر المحروسة؟ بالتأكيد هو على علم تام وكامل بتلك التهمة لاسيما وأن القمة الإسلامية وأعمالها في الدورة الحالية والدورات القادمة إن شاء الله لا ولن تأتي بثمارها أبداً على خلفية التناطح والتراشق اللفظي والإعلامي بين معظم الدول المشاركة وبسبب احتدام التصريحات السياسية والإعلامية بينها بغير توقف أو ضوابط مشروطة.

لكن ليس هذا هو محور الاهتمام في السطور الحالية، بل إن القضية الأهم هو أن مصر بحق تحتاج إلى كل جهودها الاقتصادية وإمكاناتها المادية والبشرية لإعمارها وليس لاستضافة وفود من أجل صياغة وعود بعيدة المنال والتحقق وإصدار إلان ختامي ورقي لا يتجاوز حدود القاعة التي تشمل المشاركين والذين على علم تام بأن القضايا المثارة بالقمم جميعها مكرورة ومعادة لأن الوضع الإسلامي والعربي بات قديماً لا جديد فيه اللهم سوى ثورات الربيع العربي التي في طريقها إلى زوال، ومن العبث أن نصدق دعاوى انعقاد هذه القمة التي تشبه غيرها في أنها بوابات اقتصادية لإنعاش الاقتصاد المصري عن طريق إقامة مشروعات اقتصادية تنموية بالداخل لأن شاشات الفضائيات تبث ليل نهار المشهد السياسي في مصر والذي يعلن رفضه وعصيانه المطلق للتنمية نفسها.

والأمر الذي يسترعي انتباهي دائماً وأنا أتابع مثل هذه الفعاليات هو وجود مباحثات فرعية على هامش المؤتمر عادة من أجل عقد صفقات تجارية بين مصر وبعض وفود الدول المشاركة في، ورغم ذلك لم أجد صدى لها أو اهتماماً حقيقياً تجاهها من قِبل الشارع المهتم حالياً بقضاياه الديموقراطية ومطالبه الاجتماعية التي لم تجد لها شاطئاً أو مرفأً ترسو عليه.والذي يبحث باجتهاد عن منفذ شرعي وأحياناً غير شرعي لحل مشكلاته القائمة والتي ورثها النظام السياسي الحالي عن الأنظمة السابقة وهذا يشير إلى أن مشكلات مصر متراكمة ومتراتبة ومستدامة الشكل والصفة وربما الحلول أيضاً تتشابه مع المشكلات في اعتيادها وتكرارها وعدم حداثتها.

لذلك فإن تكاليف الإنفاق والصرف وميزانية إقامة المؤتمر تمثل عبئاً جديداً على خزانة البلاد وكاهل العباد وبالفعل فهي مثلت ذلك اللهم إذا كانت قطر أو إيران هي التي أخذت على عاتقها ميزانية المؤتمر لاسيما وأنهما يعلمان جيداً الحالة الاقتصادية لمصر.

وإذا كان الرئيس الدكتور محمد مرسي يريد بهذه القمة إقناع العالم بأن مصر لا تعتريها مظاهر الفوضى والإفلاس السياسي والاقتصادي وأنها تنعم بالاستقرار والأمن فهذا ليس حقيقياً بدليل ما يحدث بشوارع مصر صباح مساء، تلك الشوارع التي تلقت أنباء القمة بمزيد من الاحتقان والسخرية لاسيما وهي تعلن رفضها لاستضافة حاكم الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أرضها وخصوصا أن موقفها معروف ومعلن بشأن صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

ويرى بعض السياسيين أن القمة أهدرت الحق الفلسطيني حتى وإن كانت أعمال اليوم الأول كلها تحدثت عن فلسطين والقدس وعمليات الاستيطان الإسرائيلي وهذا ليس بجديد أصلاً والحمد لله أن أحوالنا شغلتنا تماماً عن حفلات المصالحة السياسية بين فلسطين وإسرائيل،فالقمة عادت لأحوالها ومقاماتها القديمة والمكرورة والمملة أحياناً بالحديث عن الحق الفلسطيني ووقف الطغيان الإسرائيلي بالقدس وخصوصا إن هذه الحوارات والخطب الكلامية لا تتعدى قاعات الاجتماع ما دام ملايين الفلسطينيين بالعالم بعيدون عن أرضهم وبحوذتهم مليارات الدولارات.

ولقد رأيت بعيني في أثناء عملي محاضراً بإحدى الجامعات الخليجية منذ خمس سنوات موقف بعض الأكاديميين الفلسطينيين إزاء وطنهم الذي لا يعلمون عنه شيئاً سوى الاسم والهوية التي صارت متعددة؛ سورية مرة ومرة أخرى أردنية وكثيراً مصرية. وهم لا يقتنعون أساساً بضرورة العودة إلى فلسطين أو إقامة مشروعات اقتصادية هناك لأن هذا هو عين العبث ذاته من وجهة نظرهم. بل وإن معظهم ممن رأيت منفصلون تماماً عن المشهد الفلسطيني الداخلي سوى المتابعة التليفزيونية للأحداث هناك أما المشاركة فغائبة تماماً.

وكنت أفضل أن تكون فعاليات القمة الإسلامية جميعها عن إنقاذ مصر التي هي بالفعل بوصلة العالم الإسلامي ومحركها الفعلي في المنطقة وليس مجرد بحث سبل التعاون الاقتصادي بين مصر والدول المشاركة، بل البدء مباشرة في تدشين مشروعات حقيقية ومباشرة وواقعية نراها ونلمسها تشيد على أرض وطننا الغالي والعزيز.ورغم أن بعضاً من المسئولين سيظهر لاحقاً ليؤكد للرأي العام أن مؤتمر القمة الإسلامية أتى بثماره الفعلية عن طريق تحالف اقتصادي وتعاون استثماري مشترك بين مصر والدول الإسلامية فإن هذا لن يفي بحقيقة أن تلك البلاد نفسها بين مقصلة وسندان؛ مقصلة الحركات الثورية المستدامة بها والنزعات التي تطالب وتندد وتشجب الممارسات السياسية والمطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، وسندان الفوضى الحادثة بمصر الآن والتي تنفر من جذب مزيد من الاستثمارات الخارجية.

ومدهش حقاً أن القمة تناولت الحديث عن الأوضاع المتردية في سوريا التي أصبحت غامضة بالفعل لا نعلم عنها سوى ما تبثه الفضائيات ولا ندرك حقيقة المشهد، فهذا يؤيد وهذا يرفض وذاك يندد بمجازر بشار الأسد، وهؤلاء يغردون بشمائله وفضائله، والنظام هناك يقول إنه يواجه حفنة من المرتزقة الذين يعيثون في الأرض فساداً، لكن في قمة مصر تصدر التوجيهات والنصائح والدعاوى بضرورة أن يكف النظام السوري عن ممارساته هناك وكان يكفي أن تصدر هذه النصائح من خلال إنشاء صفحة على الفيس بوك تتضمن النصائح الغالية للقادة والزعماء المشاركين من أجل وقت مصر وجهدها وطاقاتها المهدرة.

وربما استضافة إيران في مصر كما رأت بعض الزعامات الخليجية نوعاً من الاستفزاز السياسي لها لاسيما وأن لهم بعض المآخذ على الممارسات الإيرانية سواء على مستوى الفتوى أو الرأي أو التصريح السياسي وأن ثمة تدخل إيراني يحدث في شئون الخليج العربي أسماه بالبعض بالوقاحة السياسية على حد وصفهم، ووجود مظان خليجية مفادها أن مخططاً ما يحدث لضرب استقرار الأنظمة الحاكمة في دول الخليج العربي. ولدى تلك الأنظمة الملكية الحاكمة في دول الخليج باستثناء الكيان القطري لدعم أميركا لها، هوس وترقب مستدام من الجانب الإيراني، لشك الأول في أن ثمة مخططاً سياسياً يستهدف ضرب استقرار الأسر الحاكمة في دول الخليج العربي وتغيير أنظمة الحكم بها.

ومما زاد هذا التوجس لديهم هو الربيع الثوري الذي هب على بعض الدول العربية التي كانت أكثر استقراراً لسنوات بعيدة بفضل المساندة الأميركية للأنظمة السلطوية الحاكمة بها، باستثناء سورية التي لم تكن يوماً محسوبة على مائدة التعاون الأميركي بفضل تحالفها غير الشرعي وغير المعلن مع روسيا وإيران وحزب الله وكل هذه الكيانات السياسية لم تكن يوماً ما حليفة استراتيجية للولايات المتحدة.

وتزايدت مخاوف بعض الدول العربية بشأن الاحتفاء بزيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى مصر، وهذه المخاوف تمثلت في هاجس محدد وهو إبعاد مصر عن عروبتها ومن ثم تقارب مصري إيراني يعزز بالفعل تصاعد الحركات الثورية والمطالبة الشعبية بمزيد من الحريات والديموقراطية في دول الخليج العربي، حتى مصر نفسها وتياراتها الداخلية رأت أن هذا التقارب الجديد بين الجانبين الرسميين المصري والإيراني سيحول مصر إلى إيران أخرى. ورغم أن معظم التيارات الدينية السياسية في مصر باستثناء جماعة الإخوان المسلمين تؤمن بوجود فكرة القائد أو الأمير إلا أنها تمقت فكرة وجود مرشد أعلى يترأس المؤسسة الرئاسية كما الحال في إيران.

إن أوضاع البلاد الإسلامية في حقيقة الأمر يجب تناولها في وثيقة ملزمة لجميع أطرافها ولا تعد مجرد مباحثات ومشاورات سياسية فحسب، بل كان ينبغي تناول ملفات شائكة وقائمة مثل الملف الديني الذي صار رداءً سياسياً وسلاحاً يوجه ضد الخصوم من الليبراليين والعلمانيين والتيارات المدنية الأخرى التي هي في الأصل دينية التكوين والمنشأ، وكان من الأحرى وجود ردود فعل حصرية ومباشرة وفعلية في مواجهة الهجوم المستمر على الإسلام ورموزه بغير حفلات التنديد والمقاطعة الصبيانية بل بإيجاد حلول صريحة شعبية وسياسية ولكن تبقى المشكلة في انعدام هذا التصرف في أن معظم الحكومات أصبحت غير مسيطرة على ردود فعل الشارع بل وصارت غير متحكمة في توجيه الشارع لاسيما وأن القرار السياسي بات يصدر من الشوارع الثائرة أولاً ثم يأتي التعقيب والتعليق عليه بعد ذلك من المؤسسات السياسية الرسمية في البلاد.

انتهت القمة وصدر إعلان القاهرة وكان كالعادة غير مختلف عن الإعلانات والبيانات السابقة، دعم فلسطين وتحرير القدس وعلى القيادة الإسرائيلية الصهيونية ضرورة وقف عمليات الاستيطان والتغلغل والتهويد، ومساندة شعب سوريا في نكبته وثورته والعمل على إيجاد مخرج للأزمة السورية، وإقامة سوق اقتصادي إسلامي كبير، وبالطبع وقف كل الممارسات السياسية والإعلامية التي تتجاوز بشأن الإسلام والرسول (صلى الله عليه وسلم)، وإصدار قرارات ورقية لبحث التعاون المشترك في مجالات الإعلام والثقافة والاقتصاد والتنمية البشرية بين الدول الأعضاء..

شكراً للقمة وللوفود الذين استضافتهم مصر رغم حالتها ومشهدها الداخلي المضطرب والمحموم، وشكراً للكلمات التي يجب تناولها بلاغياً وأسلوبياً في دوائر المحافل الأكاديمية.. الشعوب لم تعد تنتظر ولا أصبحت تريد، الشعوب وحدها تقرر.