القضية الفلسطينية والانتخابات الاسرائيلية: صراع الاولويات وضياع الثوابت

بقلم: خليل العناني

تشير الدلائل إلي أن نتائج الانتخابات الاسرائيلية القادمة لن تؤثر كثيرا علي القضية الفلسطينية، وذلك من منطلق أن هذه القضية لم تعد تحتل نفس المكانة التي كانت تحتلها في الانتخابات السابقة.
ولعل ذلك يعود في جزء كبير منه إلي عدم وجود رأي عام إسرائيلي قوي يدفع ناحية تحقيق السلام وتهدئة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية. وليس أدل علي ذلك من ارتفاع شعبية حزب الليكود بزعامة إرييل شارون، رغم عدم التحرك قيد أنملة في مفاوضات السلام، بل علي العكس حدث تراجع للخلف منذ وصول هذا السفاح لسدة الحكم في إسرائيل.
وعلي الرغم من سلسلة الفضائح المالية التي تضرب عرش شارون هذه الأيام إلا أنها لن تؤثر كثيراً في نتائج الانتخابات، صحيح قد حصل تراجع في عدد المقاعد التي من المتوقع أن يحصل عليه الليكود داخل الكنيست من 40 مقعداً إلي ما بين 27 – 30 مقعداً من مقاعد الكنيست البالغ عددها 120 مقعداً، إلا أنه في نفس الوقت حدث تراجع في المقاعد المتوقعة لحزب العمل إلي نحو 20 مقعداً من 25 مقعدا في السابق. وتكمن الخطورة الحقيقية من أن الأصوات التي يفقدها الليكود لا تذهب لغريمه التقليدي العمل، بل تذهب لصالح أحزاب أخري أكثر تطرفاً من الليكود نفسه من أمثال حزب "شاس" الديني المتطرف وغيرها. استمرار شعبية الليكود لماذا تستمر شعبية الليكود؟ وهو سؤال يدعو للحيرة، فمنذ وصول الليكود للحكم، لم يحقق نتائج طيبة تذكر للإسرائيليين، فلا حقق الأمن الذي ينشده الإسرائيليون والذي كان يمثل دعامة البرنامج الحزبي لليكود خلال الانتخابات السابقة، بل علي العكس ارتفعت معدلات العمليات الاستشهادية، ووصلت لمراحل ومستويات لم تعرف من قبل ، سواء في الشكل أو الجوهر، وأصابت الإسرائيليين بالذعر والهلع حتي داخل إسرائيل نفسها، وحدث شلل تام في أغلب القطاعات الاقتصادية، وتدهورت السياحة، وارتفعت معدلات البطالة، ورغم كل هذه النتائج المأساوية تظل شعبية الليكود في ارتفاع، وهو مؤشر خطير جداً، لأنه يعني ضمنياً موافقة غالبية الإسرائيليين علي أسلوب الليكود في التعامل مع القضية الفلسطينية، والذي يقوم علي استخدام القوة والعنف لإسكات الفلسطينيين وإرهابهم.
واقع الأمر أن شعبية الليكود لا تعود لنجاحه من عدمه بقدر ما تعود لعوامل أخري، منها ضعف الحزب المنافس (حزب العمل) وعدم وجود برنامج حزبي واضح يمكنه من الفوز بأغلبية المقاعد داخل الكنيست، فضلاً عن إصرار زعيمه عمرام متسناع علي مواقفه الحمائمية بدلاً من التحرك نحو المركز، وتأكيده علي رفض الدخول في حكومة ائتلافية تحت زعامة الليكود، ولعل ذلك فيه قصر نظر وعدم إدراك لقواعد اللعبة الانتخابية، وهو ما جاء بنتائج عكسية علي حزبه، حيث تشير أغلب استطلاعات الرأي التي نشرتها كبري الصحف الاسرائليية من أمثال "يديعوت أحرونوت، ومعاريف، وهآرتس" والتي أكدت علي تقدم حزب الليكود علي حساب حزب العمل، وتوقع تحقيق الليكود لفوز كبير وحصوله مع بقية الأحزاب اليمينة والدينية علي من 64 إلي 65 مقعداً مقابل 36 إلي 38 لصالح معسكر اليسار الذي يضم العمل و "ميرتس" والأحزاب العربية، و حوالي 17 إلي 19 لحزبي الوسط "شينوي" 15 مقعداً، و"عام إحاد" من 3-4 مقعداً. براعة شارون عامل آخر يساهم في ارتفاع شعبية الليكود ويتمثل في البراعة السياسية التي يتمتع بها شارون زعيم الليكود مقارنة بمتسناع زعيم العمل وذلك من وجهة نظر الإسرائيليين، فالمواطن الإسرائيلي رغم ما يقال عن انخفاض مستويات المعيشة وارتفاع نسبة البطالة، إلا أن تحقيق الأمن هو الشغل الشاغل له، وهو الوتر الذي يلعب عليه شارون، ولم تكن علميات حجز الرئيس عرفات في مقره برام الله، ورفضه سفر الوفد الفلسطيني لحضور مؤتمر لندن، كل هذا يمثل محاولات لاستعراض العضلات، فضلاً عن الوعود البراقة التي يعطيها للإسرائيليين خاصة علي الصعيدين الأمني والسياسي، ومحاولاته الدائمة لإظهار رغبته في تحقيق الوحدة الوطنية من أجل تحقيق الأحلام الإسرائيلية. ما هو وضع القضية الفلسطينية في الانتخابات الحالية؟ يمكن القول أن القضية الفلسطينية لا تحتل مرتبة أولي في البرامج الانتخابية لكلا الحزبين، وإن كان متسناع قد أكد علي الدخول فوراً في محادثات مع الفلسطينيين، إذا ما فاز حزبه في الانتخابات، وبصفة عامة تتباين رؤى ومواقف كلا الحزبين تجاه القضية الفلسطينية كما يلي: استئناف المفاوضات: علي صعيد حزب العمل، مثلت ورقة عودة المفاوضات التكتيك السياسي الذي استخدمه متسناع للفوز برئاسة حزبه أواخر العام الماضي، ورغم تأكيده علي العودة لطاولة المفاوضات إذا فاز، إلا أن المفاوضات التي يقصدها مستناع تقتصر فقط علي كيفية الخروج من المأزق الراهن، ووقف شلالات الدم في كلا الجانبين، وليس التفاوض حول القضايا الشائكة مثل القدس واللاجئين وغيرها، بل يري قادة العمل أن الدعوة لهذه المفاوضات يشكل مخاطرة سياسية لا يحمد عقباها.
أما بالنسبة لليكود فالأمر أكثر سوءاً، حيث هناك تجاهل تام لجميع الاتفاقات السابقة بما فيها اتفاق "أوسلو" والرغبة في العودة لنقطة الصفر، ويساعده في ذلك النجاحات العسكرية التي يحققها السفاح شارون علي الأرض، والتي تمثل المرجعية الأساسية لأي تحرك سياسي. الاستيطان: منذ توليه رئاسة حزب العمل، يؤكد مستناع علي رفض عمليات بناء وتوسيع المستوطنات في الأراضي الفلسطينية قبل التوصل لاتفاق نهائي مع الفلسطينيين، فضلاً عن مطالبته بتفكيك الحصار المفروض علي غزة والعودة لطاولة المفاوضات دون شروط مسبقة.
بينما يذهب حزب الليكود ناحية توسيع رقعة الاستطيان، سواء من خلال بناء مستوطنات جديدة أو توسيع تلك القائمة بالفعل، بل والأكثر من ذلك يسعي شارون لحياء مخططه القديم الذي وضعه عام 1992 عندما كان وزيرا للبناء والإسكان والذي أطلق عليه حينئذ مخطط "بوابات القدس" والمتمثل في إسكان المستوطنين داخل حدود بلدية القدس كما رسمها الأردن خلال سيطرته علي الضفة الغربية قبل احتلالها عام 1967، وذلك بهدف الحيلولة دون إعادة هذا الجزء من المدينة إلي الفلسطينيين مستقبلاً بحجة وجود سكان يهود بها.
والأكثر من ذلك أن الحكومة الإسرائيلية الليكودية تغض الطرف تجاه محاولات المستوطنين لهدم منازل الفلسطينيين عنوة، وتجريف أراضيهم الزراعية، بهدف دفعهم للهجرة والرحيل.
جدير بالذكر أن 70% من المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية يتركزون في تجمعات كبيرة، تبلغ مساحتها من 10-15% في الضفة الغربية فقط. القدس: يمكن القول أن هناك تشابها كبيرا بين كلا الحزبين في النظر لقضية القدس، مع اختلافات بسيطة، ففي حين يري حزب العمل أن القدس هي عاصمة موحدة لإسرائيل، إلا أنه يؤكد علي ضمان حصول الفلسطينيين المقيمين بالمدينة علي حقوقهم المدنية، ووضع ترتيبات خاصة للمواقع المقدسة الاسلامية والمسيحية، ويري أيضا ضرورة الفصل بين التجمعات اليهودية والعربية في المدينة لتحاشي وقوع أي احتكاكات بين الجانبين.
من جهته يتبني حزب الليكود وجهة نظر متشددة تقوم علي الاحتفاظ بالقدس كعاصمة موحدة تحت السيادة الاسرائيلية، والعمل علي زيادة تغلغل اليهود في المدينة لتحويلها تدريجياً لمدينة يهودية، كما تمثل قضية القدس أحد الأتار التي يلعب عليها الليكود لضمان شعبيته والحصول علي أصوات الأحزاب الدينية المتطرفة. الحدود: يكاد يكون هناك اتفاق عام بين الاسرائيليين بمختلف توجهاتهم في قضية الحدود يرتكز علي عدم العودة عن حدود 1967، وذلك من أجل ضمان السيطرة التامة علي السيطرة التامة علي مصادر المياه من أنهار وآبار وعيون وتحديد حصص المياه لسوريا والأردن وفلسطين وهو ما يعني في واقع الأمر بقاءها تحت سيادة دولة إسرائيل. ويرتكز تصور حزب العمل للحدود النهائية مع الفلسطينيين علي ثلاثة محاور أساسية هي: الأول هو الفصل بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وبين دولة إسرائيل، والثاني تعديل حدود ما قبل 1967 لتتلائم مع احتياجات الأمن الإسرائيلي، والثالث هو العمل علي عدم وجود جيش أجنبي غرب نهر الأردن.
بينما تقوم استراتيجية الليكود علي فرض السيطرة الاسرائيلية علي أكثر من 120 مستوطنة إسرائيلية متناثرة في مختلف أرجاء الأراضي الفلسطيينة، وذلك بهدف التغلغل في قلب الأراضي الفلسطينية وتغيير التركيبة الديمغرافية، وليس أدل علي ذلك من عمليات الفصل التي تقوم بها الحكومة الشارونية دائما والتي أطلقت عليها عملية "السور الواقي" من أجل فصل الأراضي الفلسطينية عن بعضها البعض، وخلق جيوب استيطانية صغيرة داخل الأراضي الفلسطينية بهدف الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية علي رقعة جغرافية متكاملة.
وواقع الأمر أن القضية الفلسطينية باتت تحتل مرتبة متأخرة في أجندة الانتخابات الاسرائيلية المقبلة، عكس جميع الانتخابات السابقة، وهو ما يعني ضرورة العمل علي الدفع نحو خلق الأحساس بمحورية القضية، وهو ما قد يحدث من خلال إعادة النظر في الأساليب والتكتيكات الفلسطينية، بما يضمن التأثير علي الرأي العام الإسرائيلي.