القضاء المصري بين القانون والسياسة

في كل حكم قضائي يتعلق بالإخوان وحلفائهم، تتعمد الجماعة الصراخ والصياح، ومحاولة منح كل قضية جنائية وجها سياسيا، وإبعادها عن الشق القانوني الطبيعي لتحقيق أهداف معينة.

وقد عادت هذه القضية للأضواء أمس الإثنين، عندما نطق رئيس محكمة الجنائيات بمحافظة المنيا في جنوب مصر، بحكم إحالة أوراق 528 شخصا للمفتي، من بين حوالي 1600 متهم بإرتكاب جرائم مختلفة، عقب فض اعتصامي "رابعة" و"النهضة" في أغسطس- آب الماضي، من بينها القتل والتمثيل والتخريب والحرق والشغب والإضرار بالممتكات العامة.

الحكم السابق أثار عاصفة من الإحتجاجات المحلية والخارجية، ليس لأنه الأول من نوعه في تاريخ القضاء المصري من حيث العدد، لكن أيضا من حيث الكيف، فقد حكم القاضي بأقصى عقوبة، وهي الإعدام، على هؤلاء، الأمر الذي جعل جهات كثيرة تعتقد في صحة ما تردده جماعة الإخوان منذ فترة، حول "تسييس" القضاء المصري، خاصة أن هذا الحكم يأتي عقب حكم سابق حدث منذ حوالي شهرين، في قضية أطلق عليها الإعلام "فتيات الإسكندرية"، عندما حكم بالسجن على عدد من فتيات حركة "7 الصبح" بعشر سنوات لكل منهن، كن قد تظاهرن في المدينة الساحلية، وبعد أقل من أسبوعين تم نقض الحكم، وخرجن جميعا، إما بسبب الحصول على البراءة، أو الحكم بوقف تنفيذ العقوبة.

هذا النوع من القضايا والأحكام المشددة التي تصاحبها، منح الإخوان فرصة للكلام عن دور سياسي للقضاء المصري، والتشكيك في أحكامه، لاسيما أن عددا كبيرا من قيادات الجماعة، بينها الرئيس المعزول محمد مرسي ومحمد بديع المرشد العام للإخوان، تحاكم الآن أمام محاكم مصرية كثيرة، بتهم لا تقل خطورة عن الاتهامات التي عرضت على كل من، جنايات الإسكندرية، وجنايات المنيا. بالتالي الزوبعة التي تعمدت الجماعة إثارتها في كل مرة لها أهدافها الخفية، لأنها تنطوي على محاولة التأثير على القضاة الذين يتولون النظر في قضايا كثيرة تخص الإخوان، والسعي لتفريغ أي حكم قاسٍ من مضمونه القانوني، صدر أو من المتوقع صدوره ضد أي قيادة إخوانية في السجن أو هاربة.

في الحالتين السابقتين، تعرض القضاء المصري لانتقادات مختلفة، من قبل جهات عدة، وجرى ترديد ذريعة "التسييس" على نطاق واسع، وهو بالفعل لا يمكن القطع بعدم وجوده، لأن القاضي بشر قد يتأثر بما يقوم به الإخوان من انتهاكات وأعمال إجرامية في الشارع المصري، وضد مواطنين أبرياء ورجال شرطة وجيش، ويسعى للتشدد لمنع تكرار عمليات العنف والإرهاب، وردع مرتكبيها ومن تسول لهم نفسهم القيام بها. لكن المشكلة أن الإخوان تتعمد الإيحاء أن جميع الأحكام صادرة بناء على توجيهات أو إملاءات خارجية على السلطة القضائية، وهذا غير صحيح بالمرة، بسبب وجود درجات متعددة للتقاضي، يستطيع أي متهم اللجوء إليها، حال شعوره بالظلم في حكم أول درجة وهكذا.

من جهة ثانية، لكل قضية ملابسات قانونية محددة، يجب مراعاتها، قبل تكرار الإسطوانة المشروخة "للتسييس". ففي قضية إحالة أوراق 528 شخصا للمفتي، من يتوقف عند الجرائم التي ارتكبت يجدها بالخطورة التي تستحق حكم الإعدام، حسب آراء فقهاء في القانون. كما أن غالبية المحكوم عليهم، حوالي 400 شخص، هاربون وعليهم تسليم أنفسهم قبل الطعن على الحكم. وتعمد محاميو الدفاع "الشوشرة" وعدم الإهتمام بجوهر القضايا المنظورة، والدخول في تفاصيل فرعية، لإجبار القاضي على الحكم بأقسى عقوبة، للمتاجرة به، كما حدث بالضبط في قضية فتيات الإسكندرية ومتهمي المنيا. فالضجة التي أثيرت في القضيتين، تنطوي على تشكيك في القضاء المصري، وإساءة للسلطات الحاكمة، وتشير إلى ما يشبه الإنصاف السياسي للإخوان.

بالطبع ليس ذنب القاضي الذي حكم وفقا لأوراق ومستندات وأدلة قانونية أن يتحمل وزر الحكم القاسي الذي أصدره. فالعدالة في أي مكان معصوبة العينين. وفي مصر لا يزال القضاء شامخا. فكما يصدر أحكاما مشددة ضد الإخوان أو غيرهم، يصدر أيضا أحكاما بالبراءة أو مخففة لهم ولغيرهم أيضا. لكن الجماعة درجت على إثارة الغبار في كل حكم لا ترتضيه، وتصمت على أي حكم يصدر لصالح أعضائها، وتتجاهل أن هذا القضاء العادل هو الذي أنصفها في أوقات كثيرة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

المشكلة التي طفت على السطح بعد إحالة أوراق العدد الكبير للمفتي، تكمن في خلق أجواء تشويش على أي قاض في مصر في هذه القضية، فإذا تم الحكم بالبراءة أو السجن المخفف، سوف يتردد أنه استجاب للضغط، وهو ما يسمح بتكرار الأسلوب نفسه، عند كل قضية. وإذا بدت الأحكام هينة في قضايا أخرى، وهي بالمئات وربما بالآلاف، سوف يقال أيضا أن الضغوط أتت بنتائج إيجابية، ما يمنح الإخوان وأنصارهم فرصة للتمادي في ممارسة أعنف درجات الضغط المادي والمعنوي، وقد جرت محاولات إغتيال فاشلة لعدد من القضاة خلال الفترة الماضية، ممن يتولون النظر في قضايا تخص عناصر إخوانية.

أسلوب الإبتزاز الذي يمارسه الإخوان، من الطبيعي أن يرخي بظلاله على المحكمة، وإذا كانت هناك قلة من الممكن أن تستجيب له، فالأغلبية ترفضه وتقاومه. لذلك تلجأ الجماعة للحديث عن "التسييس" لردع هذا النوع من القضاة، وتحريض البسطاء والدهماء عليهم، بحيث يرفضون أي حكم، مهما كانت عدالته، ويلجأون إلى إثارة البلبلة وتهييج الشارع ضد القضاء، وهي خطة تسير بالتوازي مع مخططات أخرى تستهدف الجيش والشرطة والإعلام، أملا في الوصول إلى الفوضى والإنفلات، وفقدان الدولة لسيطرتها على زمام الأمور، وهي مسألة بعيدة المنال، لأن من فشلوا في إرباك المشهد سياسيا وأمنيا وإقتصاديا وإجتماعيا من الصعوبة أن ينجحوا في إرباكه قضائيا.