القضاء الجزائري يوجه ضربة قاسية للصحافة المستقلة

علي جري وعمر بلهوشات: الحكم لم يكن مفاجئا

الجزائر - اصدرت محكمة سيدي أمحمد الجزائرية مساء الثلاثاء حكما بالحبس ستة أشهر مع وقف التنفيذ في حق مديري جريدتي الخبر الواسعة الانتشار علي جري والوطن عمر بلهوشات والصحفية سليمة تلمساني العاملة في الوطن في قضية القذف وإهانة هيئة نظامية التي تواجه فيها الجريدتين وزارة الداخلية والمديرية العامة للأمن الوطني منذ عدة أشهر.
وقضت المحكمة في نفس القضية بغرامة مالية قدرها 50 ألف دينار وتعويض لفائدة الطرف المدني المتمثل في المديرية العامة للأمن الوطني قدره 300 مليون سنتيم.
وتعود حيثيات هذه القضية إلى شهر فبراير/شباط من عام 2003 عندما نشرت صحيفة الوطن مقتطفات من رسالة وقعها 58 ضابطا من الشرطة موجهة إلى رئيس الجمهورية تحت عنوان "مجموعة من ضباط الشرطة تكشف" تحدثوا فيها عن سوء تسيير وتجاوزات مسؤولين في سلك الشرطة، وفي اليوم التالي قامت "الخبر" بنقل ملخص عن مضمون الرسالة تحت عنوان "إطارات من الأمن الوطني تكشف".
وكانت وزارة الداخلية بادرت الى تحريك قضية المديرية العامة للأمن الوطني مرتكزة على نفس الوقائع والقضية بعدما رفضت المحكمة الدعوى الأولى التي رفعتها المديرية العامة للأمن الوطني لتتواصل سلسلة الجلسات المؤجلة والتي حطمت رقما قياسيا بلغ 10 مرات لتتم المحاكمة يوم 28 ديسمبر/كانون الاول الماضي حيث إلتمست النيابة ستة أشهر حبس نافذ في حين طالب الطرف المدني الممثل لوزارة الداخلية والمديرية العامة للأمن الوطني بتعويض مالي قدره 30 مليار سنتيم لتوضع القضية في المدوالة التي نطقت الثلاثاء بحكمها بعد أن حسمت في الدفوع الشكلية التي تقدمت بها هيئة دفاع المتهمين.
من جهة أخرى نطقت هيئة المحكمة بحكمها في قضية أخرى رفعها الأمين العام الأسبق لوزارة الفلاحة ووزير التنمية الريفية الحالي رشيد بن عيسى ضد "الخبر" بحكمها الإبتدائي يتمثل في عقوبة الحبس غير النافذ لمدة شهرين في حق مدير الخبر السيد علي جري وغرامة مالية قدرها 50 ألف دينار ودينار رمزي كتعويض لفائدة الطرف المدني.
وترجع وقائع القضية إلي تحقيق ميداني أنجزته صحفية "الخبر" حول مذابح الماشية والإجراءات الوقائية فيها في 13 ديسمبر/كانون الاول 1999تحت عنوان "مافيا اللحوم تقتل 9000 شخص"•
وكشف التحقيق عن ذبح أكثر من 32 بقرة مصابة بمرض الحمى المالطية في الفترة الممتدة بين شهري فبراير/شباط ومارس/اذار من نفس السنة، كما تناول التحقيق أيضا ذبح أبقار حوامل أو مريضة وذلك حسب تصريحات الطبيب البيطري الذي أكد أن 36 بالمائة من الأبقار المذبوحة في مختلف المذابح الوطنية حوامل وأن 58 بالمائة منها قادرة على إنتاج الحليب لمدة ثلاث سنوات أو أكثر. وكشف التحقيق على أن إنتشار هذه الأمراض يرجع أساسا إلى عدم إحترام مواعيد التلقيح من قبل وزارة الفلاحة.
وإلى جانب الأحكام الصادرة ضد الوطن والخبر كانت يومية ليبرتي في قائمة الجرائد التي حاكمتها محكمة سيدي أمحمد الثلاثاء كذلك وقضت بتغريم مديرها الأسبق فريد عليلات وصحفيها الأسبق رضا بن حجوجة بمبلغ 25 مليون سنتم لكل واحد منهما وبحبسهما لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ في حين قضت نفس المحكمة بتغريم جريدة ليبرتي بمبلغ 250 مليون سنتيم.
والغريب في الجلسة الخاصة بجنح الصحافة جاء في مرافعة النيابة العامة في قضية بنك التنمية المحلية ضد يومية "لوسوار دالجيري" حيث طلب ممثلها توقيف صدور الجريدة لمدة ستة أشهر ووضعت في المداولة للنطق بالحكم يوم 22 فبراير/شباط القادم والأغرب أن في نفس القضية تم الحكم على المدير السابق لـ "لوسوار دالجيري" السيد زبير سويسي بغرامة قدرها خمسة ملايين سنتيم. وهذا النوع من الأحكام لا سند له في قانون العقوبات ولم تشهده الصحافة الجزائرية في علاقتها بالقضاء منذ قضية "لا تريبين" التي أوقفت لنفس الفترة بسبب رسم كاركتوري إعتبره القاضي مساسا بالعلم الوطني.
وحدث ذلك أيام كان قانون حالة الطوارئ هو القانون الأسمى في البلاد وكانت كل التجاوزات القانونية تبرر بحالة الطوارئ.
أما اليوم فقد أصبح المبرر الوحيد للإبقاء على حالة الطوارئ حسب مسؤولينا هو مواصلة مكافحة الإرهاب فقط وليس توقيف الصحف أو غلق المجال السياسي••• فما الذي يبرر مثل هذه المرافعة؟
حتى قانون الإعلام لسنة 1990 الذي لم تعد تعمل به السلطات العمومية إلا في جوانبه العقابية ينص في مادته الـ 99 صراحة على أنه يمكن أن تأمر المحكمة في جميع الحالات الواردة في هذا "الباب"الأحكام الجزائية بحجز الأملاك التي تكون موضوع المخالفة وإغلاق المؤسسات المعنية إغلاقا مؤقتا أو نهائيا.
وبمعنى آخر لا يمكن للمحكمة أن تأمر بغلق جريدة في حالة القذف التي هي غير منصوص عليها في قانون الإعلام وبالتالي لايمكن اللجوء لهذا الإجراء عندما يتعلق الأمر بجريمة القذف المنصوص عليها في قانون العقوبات. وفي هذه الحالات أن طلبات للنيابة العامة لا تستند إلى قاعدة قانونية.
وأكثرمن ذلك يؤكد مدير لسوارد الجيري فؤاد بوغانم أنه لم يتلق أي إستدعاء بخصوص هذه القضية. ويقول محامي المدعى عليه الأستاذ خالد بورايو "إن مثل هذا الإلتماس الذي جاء في غياب المتهم لعدم تلقيه أي إستدعاء سابقة خطيرة لم تشهدها الصحافة الجزائرية حتى في العشرية السوداء وعشرية الإرهاب". ولا زالت الصحافة الجزائرية متابعة في سلسلة طويلة من قضايا القذف وعلى رأسها "الخبر" المتابعة في أكثر من 100 قضية•
وفي هذا السياق علق السيد علي جري مدير الخبر أن الحكم لم يكن مفاجئا بل كان منتظرا نتيجة المضايقات والمساومات التي تتعرض لها الجريدة منذ مدة، مضيفا في نفس الوقت على أن مسؤولية الصحفي هي نقل الوقائع مع إحترام كل الإجراءات المعمول بها في الصحافة والمتمثلة في الضمير المهني وأخلاقيات المهنة وبالتالي فلا يمكن للصحافة أن تحل محل العدالة، "فنحن في هذه الحالة نعتقد أننا قمنا بواجبنا المهني ورسالتنا الإعلامية. وإذا كانت المحكمة قدرت أننا قصرنا في نقل وقائع القضية التي فصلت فيها ، فإننا من الذين يؤمنون بدولة القانون حتى وإن تمنينا أن تحرك الدعوى العمومية طبقا للقانون في إتجاه التحقيق في المعلومات التي نشرت" كما قال.
واضاف "أما عن الحكم فيما يخص وزير التنمية الريفية فإن التحقيق الذي نشر تحت عنوان «مافيا اللحوم تقتل 9000 مواطن جزائري» بسبب ذبح أبقار مصابة بالحمى المالطية وأخرى حامل ومنتجة للحليب، يكفي للمواطن الذي أصدرت المحكمة بإسمه حكمها أن يحكم لنا أو ضدنا لأن المحكمة الموقرة نطقت بحكمها وهي سيدة في ذلك."