القصيدة الرّائية وأسئلة القيمة الشعرية

بقلم: وديع الراوي
أكثر من مغامرة جمالية وفنية وتشكيلية

يبحث هذا الكتاب في التجربة الشعرية الثرية للشاعر العراقي رعد فاضل، والتي اعتبرها الشاعر والناقد الدكتور محمد صابر عبيد في كتابه "القصيدة الرّائية .. أسئلة القيمة الشعرية - قراءة في شعرية رعد فاضل"، "تجربة متميزة وأصيلة ومثقفة في نوعيتها وفي اختياراتها وفي طرازها الكتابي".

ويوضح الدكتور عبيد أن الشاعر رعد فاضل خاض من خلال تلك التجربة الشعرية أكثر من مغامرة جمالية وفنية وتشكيلية بحثاً عن الأشكال والرؤى والمناخات الشعرية الملائمة لروحه الشعرية.

وأشار الى ان الشاعر جرّب في خضم تجربته الشعرية الكثير من الكتابة والكثير من الصناعة، والكثير من البحث، من أجل ان يعثر على صوته الخاص الذي يستجيب لرؤيته وطموحاته ومزاجه الشعري، وسط جلبة هائلة ومربكة من تدافع الأصوات وعنفها.

ويؤكد الناقد على "تشكل هذا الصوت الخاص الذي يدفعنا الى فحصه ومقاربة جمالياته ورؤيته"، واصفاً التجربة الشعرية لرعد فاضل بـ "التجربة الأصيلة، غير المنفصلة عن شخصية الشاعر وممارساته في الحياة والثقافة". فالشاعر رعد فاضل يستثمر شعره جيدا، استثماراً حياً للطاقات والرؤى والافكار والقيم والمعاني بأسلوب مميز. كما يذهب الى التأكيد على ان الشعر لا ينشأ عن ميل مجرد الى المتعة، بل ينشأ عن حاجة طبيعية.

وينحو الدكتور محمد صابر الى ان اقتراحه لمعاينة تجربة فاضل تأتي من خلال مصطلح "القصيدة الرّائية" لقناعته بأن شعريته تشتغل أساساً داخل حدود هذه القصيدة وطبيعتها وحلمها وتطلعها ومشروعها.

واستعرض الناقد خلال صفحات كتابه، قراءته لنماذج وطرز هذه القصيدة الرائية عبر أشكال تبدو مطروقة ومألوفة ومعروفة في بنائية القصيدة العربية الحديثة، لاسيما في مجال قصيدة النثر.

واعتبر الدكتور محمد صابر، رعد فاضل، كأي شاعر مبدع، يجتهد في وضع لمسته الشعرية الخاصة حيث يتمكن من إخراج قصيدته من دائرة المطروق والمألوف والمعروف، والاتجاه نحو انجاز قصيدة مغايرة تمثل رؤيته الشعرية وطريقته في الكتابة.

ويوضح عبيد في كتابه، أن القصيدة الرائية "قصيدة متحوّلة، متجاوزة، تسير في طريق بكر، وهي قصيدة دائبة في لغتها وإيقاعها وصورها، عميقة في بنيتها". قصيدة متحركة في الاتجاهات كلها، وتتمتع بصفة دورانية ولولبية، لا تتوقف في تحولها وديناميتها وحركتها الشعرية عن حد معين، لغتها دائبة وايقاعها دائب وصورها دائبة، وهي تعمل بواسطة لغتها النوعية المنتقاة على كشف الرؤية وكشف المكان وكشف الزمن المحيط بها، فدوالها محمّلة بطاقة جديدة على الكشف والاضاءة والتوق الى الآتي القادم في فضاء التخييل. كما انها قصيدة اشكالية، قلقة، قلق ابداعي، لا هدوء فيها تعتزم دائما السير في حقل ألغام، وتنطوي على حراك منتج واسئلة لائبة وحائرة تكشف عن توهج داخلي. وتتميز بانها عصية على القبض "زئبقية"، ولغتها الشعرية لغة خادعة، متموجة، ذات حراك سرابي شفاف غير واضح، ولا يمكن كشف حقيقته بيسر، كما انها قصيدة انزياحية بدرجة كبيرة لانها تنفتح على فضاءات غير محدودة من الرؤية في الاتجاهات كلها، وهي غير قابلة لحل نهائي فيما يتعلق بمشكلاتها السيميائية والتعبيرية والتصويرية، بحيث تتعامل مع أسئلتها النصيّة وفق رؤية شعرية تستهدف انتاج مزيد من الاسئلة، نحو الانفتاح على فضاء شعري إشكالي يعمل على تخصيب نصوصية القصيدة بتعميق أسئلتها وتوسيعها.

كما اشار الناقد الى جملة خصائص فنية وجمالية وتشكيلية وتعبيرية وثقافية ورؤيوية تتميز بها القصيدة الرائية، حددها بأنها تثير الاسئلة، وتتسلّط على الآخر، وهي متعددة الزوايا والطبقات والأبعاد والحدود والتخوم والظلال والفضاءات والحساسيات، ولها زاوية واحدة وبعد واحد وحدّ واحد تقريباً، ولا تتنوع فيها التخوم والظلال والفضاءات والحساسيات.

وتستلهم القصيدة الرائية التجربة المعقدة "الفكر والفلسفة" في الكتابة والتصوير والتشكيل على نحو أنموذجي ومثالي وعميق، حرة في لعب دوالّها، استشرافية تذهب دائماً الى المستقبل تتمثله، وتتدخل في رؤيته وتستعين بطاقته على الفرح والامل والسعادة، واصفاً اياها بـ "الحلمية"، وتتمتع بفضاء بكر داخل ارض شعرية خصبة غير محروثة سابقا، عادّاً اياها باللانهائية في قدرتها على بعث الاسئلة واثارتها وفتحها على آفاق واسعة وعميقة في سيميائية المعنى، وهي نهائية في مستوى تعبيرها عن قضية محددة يمكن تلمسها والتفاهم معها بسهولة، على النحو الذي تكون فيه مستهلكة للاسئلة بما تنطوي عليه من اجابات ممكنة ومتاحة، طرقها ملغومة وغير معبدة وهي بحاجة دائمة الى سائر مغامر لا يتوقع الامان فيها بقدر ما يتوقع مزيداً من المفاجآت، كاسرة لأفق التوقع، لا تمنح نفسها بشروط ميسرة وبسيطة، ولا تستجيب لرغبة القراءة على نحو مطلق كلي، مملوءة بالغيم الثقيل والغبار الكثيف ومحتشدة بالضباب، ولا يمكن تمييز شمسها بسهولة، لذا فهي واعدة.

والقصيدة الرائية بناءً على طبيعة تشكلها وانفتاح رؤيتها هي من مواليد البرية التي تتشكل فيها الاشياء بقوة حضور عالية وتتجلى اللغة في أعلى درجات كفاءتها ووعيها وطاقتها في التعبير والتدليل. وهي وحشية في شكلها وحيويتها وفعلها وتشكيلها وقوة تأثيرها في محيط القراءة، متفجرة ومشتبكة ومقاومة ومكتظة ومشحونة وفاعلة ومشاكسة وصادمة واستثنائية وناقصة تبحث بدأب ونشاط عن حلم كمالها في القراءة والعلم والاشياء، خارجة على القوانين والاعراف. قصيدة مجنونة لا تعترف بالمنطق والنظام والحدود، اذ هي ثورة على كل هذه المفاهيم والمعاني والصيغ والمحددات، تخوض حروباً طويلة مع اللغة والصورة والايقاع ونظم البناء مع الخارج والداخل، مع الذات والآخر، مع العالم والطبيعة والاشياء، وهي قصيدة مكتنزة محملة بالموروث والمرجعيات والثقافات والإحالات والحكايات التي تخضع للتفاعل والمزاوجة والجدل في السبيل الى إعادة انتاجها داخل مرجل الرؤية الشعرية، وهي تقدم نفسها الى مجتمع القراءة بقوة شكل وحضور استثنائية.

ولا بد من الاشارة الى ان الدكتور محمد صابر عبيد قسّم كتابه الى ثلاثة فصول، تحدث في الفصل الاول عن محور: سؤال القيمة الشعرية في المصطلح واللغة. فيما تناول في الفصل الثاني، محور: سؤال القيمة الشعرية في الصورة والتشكيل. وخصص الفصل الثالث لمحور: سؤال القيمة الشعرية: السردي في الشعري.

يذكر أن الكتاب صدر حديثاً عن دار الحوار للنشر والتوزيع في سوريا، بواقع 142 صفحة من القطع المتوسط.