القصبجي ظاهرة موسيقية وحيدة

القاهرة ـ من سعد القرش
الموسيقي العاشق في زمن ناصر

لا تخطئ عيون الذين يشاهدون تسجيلات مصورة لمعظم أغنيات أم كلثوم ذلك العازف الجالس خلفها مباشرة قابضا على عوده في حالة وجد وتوحد مع المطربة واللحن والأغنية.
إنه محمد القصبجي الذي أرادت أستاذة علوم الموسيقى رتيبة الحفني أن ترد له جميلا، فألفت كتابا تؤرخ فيه لحياته ودوره في تطور الموسيقى العربية الحديثة، واصفة إياه بأنه "ظاهرة موسيقية وحيدة"، وانتقل بفضله الغناء من الطرب الخالص إلى الطرب المعبر منذ لقائه بأم كلثوم في عشرينيات القرن الماضي.
وتقول المؤلفة إن كتابها (محمد القصبجي: الموسيقي العاشق) يأتي وفاء "لإستاذي الفنان الكبير" الذي تلقت مبادئ العزف على آلة العود في طفولتها على يديه، مشيرة إلى أن تراثه الموسيقي "مازال حتى يومنا هذا يلعب دورا هاما في تشكيل ثقافتنا الموسيقية العربية" ورغم ذلك لم يأخذ حقه من الاهتمام في حياته أو بعد رحيله.
ترجع رتيبة الحفني ما تراه تجاهلا للقصبجي (1892 - 1966) إلى أسباب منها شخصيته إذ لم يكن اجتماعيا، بل كان يميل إلى العزلة إضافة إلى عدم تمتعه بصوت جميل مثل زملائه الذين مارسوا الغناء إلى جانب التلحين فزادت شهرتهم كمطربين أيضا ومنهم: سيد درويش (1892 - 1923) ورياض السنباطي (1906 - 1981) وزكريا أحمد (1896 - 1961).
صدر الكتاب في القاهرة عن دار الشروق، ويقع في 200 صفحة كبيرة القطع، ومؤلفته هي ابنة رائد التربية الموسيقية بمصر الدكتور محمود أحمد الحفني (1898 - 1975) الذي سافر إلى برلين عام 1920 لدراسة الطب فجذبه الفن وتفرغ له وحصل عام 1930 على درجة الدكتوراه تحت عنوان (ابن سينا وتصانيفه الموسيقية). ثم ألف كتبا منها "اسحق الموصلي" و"الموسيقى العربية وأعلامها من الجاهلية إلى الاندلس" و"سيد درويش.. حياته وآثار عبقريته" فضلا عن ترجمته كتاب "أشهر الاوبرات العالمية" لهنري سيمون وأبراهام فينوس.
وتقول المؤلفة إن في أعمال القصبجي صياغات موسيقية "لا أجد مثلها في أعمال غيره من الملحنين. أجد فيها أصالة وثراء لحنيا وتلوينا موسيقيا. فمحمد القصبجي بحق يعتبر مدرسة موسيقية جديدة سابقة لعصرها" مشيرة إلى أنه رغم غيرته على الموسيقى الشرقية العربية وعلمه بنظريات الموسيقى تأثر بألوان الموسيقى الغربية.
لكنها توضح أن ألحان القصبجي خاصة في أغنياته الأولى لأم كلثوم وبعض أغنيات أسمهان لم تكن اقتباسا من الموسيقى الغربية "كما فعل غيره من الملحنين وإنما استعان فقط بنظرياتها وتقنياتها التي بنى عليها الكثير من الجمل الموسيقية في أغانيه."
وتتوقف أمام ميلاد لحن أغنية "الطيور" التي لحنها لأسمهان قائلة إن المكتبة الموسيقية لوالدتها وهي ألمانية الأصل كانت تضم مقطوعة عنوانها "غابات فيينا" من تأليف الموسيقي النمساوي يوهان شتراوس وغناء السوبرانو النمساوية كوليراتورا التي تقدم في نهايته استعرضا صوتيا تقلد فيه تغريد الطيور "بالآهات بينما تبادلها في الأداء آلة الفلوت" وأعجب القصبجي بالموسيقى والأداء.
وتضيف أن القصبجي بعد أن سمع المقطوعة أكثر من مرة تناول العود وعزف لحنا "مصريا أصيلا. كانت هذه الليلة مولد أغنية الطيور التي تعد من روائع ما لحن القصبجي على الإطلاق. أدخل عليها تعدد الأصوات والتوزيع الموسيقي مراعيا عدم الخروج باللحن من هوية موسيقانا العربية."
وتقول إن كثيرا من الملحنين تأثروا بألحان القصبجي بداية من محمد عبد الوهاب (1901 - 1991) الذي تعلم العزف وأسرار الموسيقى على يديه مرورا بالسنباطي "في ألحانه الأولى" وصولا إلى محمد الموجي (1923 - 1995) الذي لحن نشيد الجلاء لأم كلثوم عام 1954 ووصفه عبد الوهاب بأنه "لحن قصبجي طراز 1954".
وتعتبر رتيبة الحفني لقاء القصبجي وأم كلثوم بداية التجديد في الغناء العربي، إذ كان قبل ذلك عازفا ماهرا على الة العود ومع "ظهور هذا الصوت الفريد تغير مسار القصبجي الفني حيث تفرغ له فأجاد وأبدع."
وتقول إن والده علي إبراهيم القصبجي كان منشدا دينيا وقارئا للقرآن وعازفا على العود، ويجيد كتابة النوتة الموسيقية، كما لحن بعض الأغنيات لمطربين منهم: عبده الحامولي (1841 - 1901) وصالح عبد الحي (1896 - 1962) ويوسف المنيلاوي (1850 - 1911) لكنه أراد إبعاد ابنه محمد عن عالم الموسيقى فاختار له تعليما دينيا ثم التحق بمدرسة المعلمين، وتأكد لأبيه أن الموسيقى اختياره، وأنه يلقى استحسانا على أدائه فشجعه وأهداه عودا وعلمه أصول التلحين عزفا وكتابة.
وتضيف أن والده عارض تفرغه للفن وسعى لأن يعمل مدرسا، لكن القصبجي ادعى خلال الكشف الطبي أنه لا يرى بوضوح فرسب واستبعد. وعلم أبوه بحيلته فاتفق مع المسؤولين على إعادة الكشف الطبي وفشلت حيلته في ادعاء ضعف البصر وعهد إليه عام 1915 بتدريس اللغة العربية والحساب والجغرافيا والتاريخ. ووجد صيغة توفيقية فكان في الصباح مدرسا يرتدي الجبة والقفطان ويستبدل بهما البدلة والطربوش ليلا، ليتفرغ لحياته الفنية حتى استقال عام 1917 وتفرغ للموسيقى.
ويعد عام 1917 حدا فاصلا في حياة كثيرين. فيه توفي الشيخ سلامة حجازي وكان مطربا وملحنا وممثلا، وفيه جاء سيد درويش إلى القاهرة ومكث خمس سنوات أثمرت معظم أعماله الغنائية والموسيقية.
وتحت عنوان "القصبجي ودوره في تخت العوالم" تستعرض المؤلفة الفترة الأولى من حياة القصبجي كعازف في تخت العوالم اللاتي يقمن بالرقص والغناء في الأفراح والمناسبات السارة خلال "العصر الذهبي للعوالم" في شارع محمد علي بالقاهرة بين عامي 1900 و1925.
وكان كل مجموعة من العازفين يشكلون تختا بمعنى فرقة موسيقية صغيرة ويطلق عليهم الآلاتية، ويقومون بالعزف لعالمة تغني وترقص على إيقاع الموسيقى. ومن أشهر العوالم بمبة كشر وشفيقة القبطية.
وتقول رتيبة الحفني إن عدم شهرة القصبجي كملحن في بداياته أدت إلى فشله في أن يقنع بألحانه مطربات تلك الفترة مثل: منيرة المهدية (1885 - 1965) وتوحيدة وهي اللبنانية لطيفة إلياس فخر (1877 - 1932) التي غنت له عام 1917 (الحب له في الناس أحكام) من مقام الزنجران "ويعتبر القصبجي أول من استخدم هذا المقام، فسيد درويش لم يلحن (في شرع مين) من مقام الزنجران إلا بعد أن استرعي انتباهه الدور الذي تغنت به توحيدة ولحنه القصبجي" وبعده لمع اسم القصبجي ملحنا.
وتضيف أن القصبجي جارى تيارا سادت فيه "الأغاني شديدة الإسفاف والركاكة" حيث لحن من تأليف محمد يونس القاضي (1880 - 1969) وغناء أشهر المطربات منيرة المهدية الملقبة بسلطانة الطرب أغاني منها: بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة، انس اللي فات وتعال بات ليلة التلات، والله زمان يا دلعدي ما شفنا ليلة زي دي. لكنه اتخذ طريقا آخر منذ لحن لأم كلثوم مونولوج "إن كنت أسامح" الذي بيع منه عام 1928 مليون نسخة حيث كان اللحن منعطفا تاريخيا ونقلة في التعبير عن المضمون كما "غير وجه الأغنية والغناء عموما" حتى أن الملحن داود حسني (1871 - 1937) قال "لا يجوز أن يلحن مونولوج ومحمد القصبجي موجود."
وتقول إنه أقنع أم كلثوم بالانتقال من الإنشاد إلى الغناء بمصاحبة تخت، وأسس لها أول فرقة موسيقية ولم يفارقها منذ حفلتها الأولى عام 1926 حتى وفاته بعد أربعين عاما مشيرة إلى فضله في تخليصها من الذبذبات الصوتية في أعمالها الأولى "وكانت تحول دون تحديد النغمات الثابتة"، وكانت أغنية "رق الحبيب" 1944 آخر ألحان القصبجي لها حيث رفضت غناء أي لحن له.
وتفسر رتيبة الحفني رفض أم كلثوم في ضوء "رواسب قديمة تتعلق باهتمام القصبجي بصوت المطربة أسمهان (1912 - 1944) التي كانت تعتبر منافسة لأم كلثوم في فترة ما والتي خصها بالكثير من ألحانه. واعتبرت أم كلثوم ابتعاد القصبجي عنها خلال هذه الفترة إهمالا وعدم اكثراث بمستقبلها. فقد كانت أسمهان سيدة جميلة جذابة محبوبة لدى الجميع تتمتع بصوت دافئ ومتمكن. وكان الملحنون يدركون موقف أم كلثوم من صوت أسمهان لذا أخذوا في الإقلال من التلحين لها عدا القصبجي، اهتم بانتشار هذا الصوت فمده بروائعه" حيث كان ثاني مكتشف لصوتها والملحن الثاني لها بعد فريد الأطرش.
وتقول إنه في تلك الفترة قدم أعمالا كثيرة لنور الهدى وصباح ورجاء عبده وسعاد محمد وهدى سلطان حيث لحن 91 أغنية سينمائية في 38 فيلما منها: أنا اللي أستاهل، وامتى حتعرف امتى لأسمهان، ويا صباح الخير يا للي معانا لأم كلثوم، ونعيما يا حبيبي، وبتبص لي كده ليه، وقلبي دليلي، واضحك كركر، وانت سعيدة لليلى مراد.
وتبدي المؤلفة دهشتها من نهايته كمجرد عازف وقبوله "هذا الوضع غير اللائق. صعد هذا الملحن الكبير من قمة النجاح والشهرة ثم تدحرج إلى السفح وعجز عن الصعود فخسر فن الغناء العربي عشرين عاما على الأقل كان القصبجي قادرا على أن يملأها بالإنتاج الغزير."