القرود، اخر ازمات المدن الهندية

نيودلهي - من انينديتا راماسوامي
استسهل العيش مع البشر

صباح كل يوم يقفز راجو في الدراجة ويقودها بكل شجاعة وسط المرور الصاخب في شوارع نيودلهي متوجها للعمل بالقرب من وزارة الدفاع الهندية. ويبقي لمدة تسع ساعات يتجول بين الممرات ويحوم حول ادراج الملفات ويتعلق بالاشجار وأحيانا يطلق صرخات تصم الاذان.
وراجو هو قرد أسيوي من فصيلة اللانجور ذو وجه أسود وذيل طويل عمره ثلاث سنوات يعمل بصفة خاصة لمطاردة القرود من فصيلة الريص القصيرة الذيل المسببة للمشاكل في مجموعة من المباني المبنية بالحجر الرملي التي تضم وزارات الدفاع والداخلية والشئون الخارجية والمالية.
فعدم وجود المأوي والطعام والماء أجبر قرود الريص على الانتقال إلى المناطق الحضرية حيث تعلمت العيش المريح مع البشر. وقال خبراء الحياة البرية أن عددهم الان10.000.
وهم على مسافة يكونون ودودين: يقفزون على مواسير الصرف الصحي وأطفالهم متعلقون بهم وراء ظهورهم ويتمددون في الطرقات ويقومون بتنظيف بعضهم البعض بطريقة أقرب للبشر.
وفي المناطق المغلقة يمكن أن يثيروا الفزع والرعب. فهم يتسابقون داخل المكاتب الحكومية بأعداد كبيرة ويمزقون الملفات ويخيفون الموظفين ويدمرون الادوات.
وهم منتشرون في المستوطنات السكنية ويقتحمون المنازل ويخربون الاثاث ويسرقون الطعام. وفي العديد من المناطق المجاورة يتسلح السكان بالعصي والقضبان الحديدية والمفرقعات النارية قبل المغامرة بالخروج.
في العام الماضي،هبط القرود على مستشفى في شمال دلهي وروعوا الاطباء وحاولوا الهرب بالاطفال المولودين حديثا. وفي وقت سابق من هذا الشهر قاموا بمهاجمة مدرسة أطفال خلال وقت الغداء.
وقال أحد أنصار الحياة البرية، وهو السياسي مانيكا غاندي "أحد أسباب سلوكهم العدواني هو انخفاض حجم الحزام الاخضر ولهذا يذهبون للمعابد والمدارس والمستشفيات بحثا عن الغذاء".
وقرد الريص الاحمر الوجه لا يخيف راجو الذي يعرف أن ما سيقوم به هو مجرد الحملقة بشدة ليبعدهم. ورغم هدوئه الدائم فهو يستطيع أن يتحول إلى أن يكون عنيفا بصورة مفاجئة ويمكنه أن يقفز لارتفاع من 10 إلى 15 قدما ثم يستدير ويقفز مرة أخرى.
وقال شيام ناث (40 سنة)، صاحب القرد راجو "هم بطبيعتهم أعداء. وقد لاحظت ذلك قرب منزلي في ماثورا بولاية أتار براديش بشمال الهند حيث يوجد مئات من القرود الحمراء. وتقوم قرود اللانجورز بمطاردتهم دون خوف".
وقرر ناث وهو خياط سابق، الدخول في تجارة القرود منذ ثلاثة أعوام. وقام بشراء قردين من اللانجور من ولاية راجستان بشمال غرب الهند والان يكسب أكثر من ضعف ما كان يكسبه قبل ذلك.
ويحصل راجو على راتب شهري 5.000 روبية (111 دولارا أمريكيا). وهو يعيش مع ناث وزوجته وأطفاله الثلاثة في بيت مكون من حجرة واحدة. وفي نهاية اليوم يحصل على وليمة عبارة عن وجبة من الخضروات واللبن والخبز وربما بعض الفاكهة قبل أن يتوجه للنوم في السرير المعد له خصيصا.
وقال ناث أن راجو لم يتم تطعيمه ولكنه لم يعض أي إنسان مطلقا. كما انه لم يحاول الهرب. وأضاف "لانني أحبه جدا فانا مستمر في إطعامه اكلته المفضلة من الجزر والحمص".
وقد تعلم جيران ناث العيش مع راجو ولكن يبقون على مسافة تحفظ لهم كرامتهم.
ويعمل نحو أربعة من قرود اللانجور حول الوزارات والبرلمان وقصر الرئاسة ويحصل كل منهم على أجره من الجهة التي يعمل بها. ويحمل أحد هؤلاء القرود المطاردة لقرود الريص اسم مانجال سينغ، وهو إسم قاطع طريق سيء السمعة.
ولكن إقبال مالك، وهو عالم متخصص في دراسة الحيوان، ليس سعيدا بهذا السلوك إزاء قرود الريص. ويقول "الحل هو توفير مكان لمعيشة فرود الريص في الغابات حيث توجد أشجار الفاكهة. فهم حيوانات إجتماعية ويجب مراعاة الحفاظ على الروابط الاسرية وبالتالي يجب نقلهم بصورة جماعية".
وقال خبراء الحياة البرية أن استخدام اللانجور ليس سوى إجراء وقتي حيث أن قرود الريص سوف تتخلص في وقت قريب من خوفها من اللانجور.
وقال مالك "لقد أجريت دراسة على اثنين من قرود اللانجور جاءا إلى نيودلهي من ولاية هاريانا المجاورة. ففي بادئ الامر ابتعدت قرود الريص عنهما. ولكن في أحد الايام رأيت أنثى من الريص تتزاوج مع ذكر من اللانجور. وفي غضون ستة أشهر تحولت العلاقة بين النوعين من العداء إلى التزاوج والتعايش من الريص".
وقد تسارعت الجهود لايجاد مكان آخر لايواء قرود الريص بعد أن أمرت المحكمة العليا من السلطات المدنية بحل مشكلة القرود في نيودلهي.
وقال إتش.دي. شوري، رئيس القضية العامة، وهي المنظمة التي سعت إلى تدخل المحكمة لتخليص العاصمة الهندية من الابقار والقرود والكلاب الضالة "القرود تشكل خطرا كبيرا على الانسان وخاصة على الاطفال وعضتها يمكن أن تسبب المرض".
ويتعامل مجلس مدينة نيودلهي بتردد شديد مع هذه المشكلة. وقال رئيس الطب البطري، في.كيه. سينغ "القرود تندرج تحت قانون الحياة البرية. والامساك بها ليس من عملنا".
وفي العام الماضي، قام مجلس مدينة نيودلهي بوضع 200 قرد في أقفاص ونقلتهم إلى مكان آمن على مشارف المدينة. وقد هرب الكثير منها. وبقي البعض الاخر وراء القضبان بعد أن رفضت الولايات المجاورة قبولها حيث أنها لم تخضع للفحص البيطري. وعادة ما تكون القرود الحضرية مصابة بأمراض سريعة العدوى مثل مرص السل.
وقال أحد الخبراء "إن هذه القرود تعودت على العيش مع الناس. وإذا ما تم إطلاقها لتعيش في الغابات فإنها لن تستطيع البقاء. وفي الواقع فإنها سوف تبحث عن مناطق يسكنها الناس".
وقال مسئول في جمعية التاريخ الطبيعي في بومباي، وهي مجموعة تطوعية اتصل بها مجلس مدينة نيودلهي للامساك بالقرود، أن القبض على هذه القرود في المناطق السكنية أمر صعب لان السكان المحليين يحتجون وسوف يصرون على إطعامها.
ويقدس الهندوس القرد هانومان ومن الامور الشائعة أن تري الناس يطعمون القرود على الرغم من أن المناطق التي يقطنها قرود الريص محددة بعلامات وتحذيرات.
وفي الفترة من أيار/مايو حتى تموز/يوليو تنعم قرود الريص بفترة راحة حيث صدرت تعليمات للمسئولين المدنيين بتركها وعدم إوعاجها في فصل التزاوج. وفي غضون أيام قليلة تعود الامور إلى سابق عهدها.