'القرقيعان' .. موروث شعبي يخلع عباءة البساطة

عادة تراثية

الكويت ـ يحفل الموروث الشعبي في الكويت والخليج العربي بكثير من العادات والاحتفاليات خصوصا في شهر رمضان المبارك لعل أبرزها "القرقيعان" الذي يبدأ الاحتفال به من ليلة الـ 13 من الشهر الفضيل على مدى ثلاثة أيام.

ومع تقدم الحياة العصرية بدأ "القرقيعان" يختلف في طريقة الاحتفال به لينزع عباءة البساطة والعفوية ليصبح مكلفا في تجهيزاته وتصاميمه، وتحولت خلطة "القرقيعان" البسيطة (السبال والنقل والبيذان وبرميت) الى شوكولا اجنبية وبطاقات دعوة وتصميمات وحفلات واستبدلت فكرة خياطة الجدة كيس "القرقيعان" بتصميمات حديثة و(كتالوج) حسب الاذواق وتسابق على الحجز والدور.

وقال الباحث في التراث الكويتي الدكتور يعقوب الغنيم إن "القرقيعان" كلمة شعبية تعني باللهجة الكويتية الشيء المخلوط ومتعدد الأصناف ويتكون من المكسرات المخلوطة وبعض الحلوى.

واضاف الدكتور الغنيم ان سوق بيع مواد "القرقيعان" كان يبدأ قديما من سوق الحلوى الكائن وسط أسواق الكويت التراثية حيث يعرض أصحاب المحلات بضاعتهم في واجهاتها نظرا الى اقبال الناس على الشراء.

واوضح ان "القرقيعان" من المناسبات المحببة عند الاطفال في الماضي ينتظرونها بشغف ويستعدون لها في "الفرجان والسكيك" التي يطرقون ابوابها وتفتح المنازل لاستقبالهم ويتجمعون على شكل مجموعات من الاولاد والبنات على حدة.

وذكر ان الاولاد يرددون "سلم ولدهم يالله خله لامه يالله" بينما تردد البنات "قرقيعان وقرقيعان بيت قصير ورميضان" وكانت الاسر والاهالي يهتمون بالتحضير للقرقيعان ومشاركة الاطفال مشاعرهم بالفرحة واشاعة روح المودة والالفة بين الناس وتخيط الامهات اكياس القرقيعان بعضها من الخيش او قطع القماش الزائد او بقايا الملابس القديمة تعلق على الرقبة لجمع ما يوزعه الاهالي.

وبين انه لم يكن الاطفال في الماضي فقط (يقرقعون) انما بعض الشباب ايضا وهم يحملون الدفوف والطبول وكثيرا ما كانت تدب المنازعات العفوية الطريفة بينهم من جهة وبين الاطفال من جهة أخرى.

واشار الى انه في إحدى السنوات صدرت شكاوى من الاهالي من تصرفات بعض الشباب ما جعل الحكومة تمنع "القرقيعان" فحرم الصغار منه ولم تستأنف هذة العادة الا بعد عام 1961. وذكر انه من الصعب أن نعرف أو نحدد في أي سنة بدأ "القرقيعان" في الكويت لأن الحال المعيشية كانت صعبة آنذاك ولمحدودية مواد "القرقيعان" فقد كان سابقا فقط لليلة واحدة هي ليلة الـ 15 من رمضان لكن مع مرور الزمن اتسعت القاعدة وصارت عادة القرقيعان تمتد ثلاثة أيام من 13 الى 15 رمضان وتنوعت المواد الداخلة في اعداده.

من جانبه قال الباحث في التراث الشعبي والفلكي عادل السعدون إنه عقب انتهاء فترة تناول وجبة الفطور كان الأطفال يبدأون بالتنقل على البيوت المجاورة مرتدين الملابس الشعبية القديمة وتلبس البنات الدراعة والبخنق وتتزين بعضهن بالحنة.

واضاف السعدون ان الاولاد كانوا يلبسون الدشداشة وبعضهم يلبس سترة خفيفة ويحملون معهم كيسا من القماش يعلق في الرقبة، وكان بعضهم يحمل معه الطبول والصناديق الفارغة والأواني المنزلية ويطرقون عليها بعصا أو حجر .

وذكر ان هؤلاء الاطفال كانوا يحملون ايضا المزامير ويطرقون باب الجيران سائلين عن اسم الابن او الابنة فيجبهم اصحاب المنزل بالاسم وكانت البنات تردد الاهازيج ومنها "قرقيعان وقرقيعان بيت قصير ورمضان". أما اغاني الاولاد "سلم ولدهم يالله خله لامه يالله" وتردد عدة مرات كما يغنون باستمرار حتى يحصلوا على القرقيعان ليرددوا "عساكم تعودنه وكل سنة تصومونه".

وبين ان للقرقيعان تسميات مختلفة بين اطفال دول الخليج تدور في مجملها حول معنى واحد فيقال "قرنقعوه" في قطر والبحرين و"قرقيعان" في الكويت والسعودية و"القرنقشوة" في سلطنة عمان "حق الليلة" في الامارات.

واشار الى ان هناك اختلافا بين "قرقيعان" الامس واليوم وانتقل من البساطة والعفوية والفرح والانتظار لهذه المناسبة الى التعقيد والتحضير حتى وصل حد حجز القاعات وبطاقات الدعوة والتكلف بأنواع الحلوى سواء بالنسبة لما يقدم للاطفال من قرقيعان (مكسرات وحلويات) او طريقة التغليف والملابس المبالغ لها والفرق الشعبية وغير ذلك.

من جهتها قالت حنين الاربش (موظفة) إن المحلات الخاصة والعامة تتنافس فيما بينها في تجهيز القرقيعان وفقا لاساليب جديدة ومميزة واحيانا مبالغ بها كثيرا.

واضافت الاربش ان حب الناس للابتكار والتجديد والتميز اثر على احتفال "القرقيعان" وأفقده البساطة وتحول بفعل آخر (الموضات) الحديثة من عادة تراثية الى مجال للاستعراض، وبات لكل عائلة او اسرة ربما "قرقيعان" يخصها بأشكال واحجام مختلفة وأفكار غريبة وبطاقات دعوة كما يخطط البعض قبل رمضان لحجز قاعة وتكليف متعهد حفلات لترتيب فقرات حفل "قرقيعان" ناهيك عن الانواع الغريبة والحديثة من الشوكولاته.

وأوضحت ان اطفال (الفريج) الواحد لم يعودوا للتجمع والخروج مع بعضهم بعضا في ليالي "القرقيعان" كما الماضي بل ظهرت حفلات "القرقيعان" الخاصة وهي أشبه بحفلات الاستقبال بكل عائلة كبديل عن التجوال في الاحياء وطرق الأبواب.

بدورها قالت سلوى المبارك إن "قرقيعان" اليوم له تصاميم عصرية جاهزة ومبتكرة على ايدي مصممات كويتيات حتى انه بات له مواقع الكترونية على شبكة الانترنت وموقعي التواصل الاجتماعي (فيس بوك وتويتر) وتقام له معارض خاصة.

واضافت المبارك ان "القرقيعان" لم يعد مقتصرا على كيس من القماش يوزع على الاطفال في ليالي هذا المهرجان الرمضاني انما اصبح يشغل من سلال ملونة واكسسوارات ثمينة كوسيلة لتبادل الهدايا بين العوائل والاصدقاء.

وأوضحت ان الاسعار متفاوتة ومبالغ بها ويتوقف السعر حسب المواد المستخدمة والتكلفة وعدد القطع وان كانت المواد المستخدمة اغلبها من الهند والصين وتركيا.

من جهته قال عبدالرحمن شهاب (مهندس) إن ثقافة الاحتفال بالقرقيعان اختلفت عن الماضي حيث اصبح نوعا من (الوجاهة) وله "تقليعات وستايل" يجاري الموضة والملاحظ ان هذه المناسبة بدأت تستقطب حتى بعض الجهات العامة والخاصة لاقامة الاحتفاليات الخاصة به.

وأشار شهاب الى ان الامر لم يقتصر على ذلك بل اصبح هناك "قرقيعان" يخص المواليد، فبعض الاسر يقيم في اول "قرقيعان" يمر على مولودها حفلة كبيرة تجهز وتدفع لها مبالغ طائلة وهذه العادة انتشرت منذ نحو عشر سنوات. (كونا)