القرضاوي شيخ الفتنة

ليس من المستغرب أن نسمع مالا يمكن لعقل أن يتصوره من يوسف القرضاوي، ذلك الرجل الذي انتسب منذ نعومة أظافره، وقضى عمره البائس في خدمة التنظيم الذي لم يجلب للأمة الإسلامية سوى الخراب والدمار. فما يُسمى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي صنعه بنفسه ليكون رئيساً عليه بعدما فشل تماماً في أن يجد لنفسه موطئ قدم في الأزهر الشريف، استغله كمنصة إطلاق للفتن التي عصفت بمختلف دول المنطقة، وتضاربت فتاواه التي جعلت المراقبين في حيرة من أمرهم، خاصة وأن التهجم على دولة الإمارات العربية المتحدة، ظلّ الحلّ الوحيد الذي يلجأ إليه شيخ الفتنة القرضاوي لينفض عنه الغبار كلّما لفّه النسيان.

داوم القرضاوي على مهاجمة الإمارات كلما ألمّ بالتنظيم الإخواني خطب جلل، فقد سبق له أن تطاول على حكام الإمارات عام 2012 لشغل الرأي العام عن الحديث عن أخونة مصر حينما اعتلى كرسي الحكم فيها السجين المعزول محمد مرسي العياط. وعاد لمهاجمة الإمارات في خطبة الجمعة الماضية حينما بدأ الرأي العام يتحدث بامتعاض عن تصرفات فلول تنظيمه الإرهابي بمصر تأهباً لذكرى ثورة 25 يناير، والتي كشف فيها التنظيم عن وجهه الأقبح الذي أراد أن يحكم الشعب المصري شاء أم أبى، وهو تطاول لم يستغربه الشعب ولا السلطات الإماراتية.

غير أن المكان الذي إنطلق منه الهجوم كان مثار جدل. فمسجد عمر بن الخطاب الواقع في قلب العاصمة القطرية الدوحة، كان هو المنبر الذي انطلقت منه الإتهامات التي أتت بلا أدلة أو مبررات. وبدلاً عن أن تكون منابر المساجد أماكن للدعوة إلى انتهاج الصدق ووأد الفتن، حوّلها رئيس ما تمت تسميته زورا بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إلى موقع لنشر الأكاذيب والفتن، والتهجم على الآخرين بدعاوى ليس لها أساس. ومن الغريب أن هذا الإفتراء حدث تحت سمع وبصر السلطات القطرية التي غضّت الطرف تماماً عن كل ما يربطها بالدولة، وعن كل الأعراف الدبلوماسية التي لا تجيز لدولة أن تتيح منابرها للإفتراء والتهجم على دولة من المفترض أن تكون شقيقة وجارة وتربطها بها وشائج كثيرة.

غير أن الحكومة القطرية في عهد الأب والابن لم تختلف كثيراً في توجهاتها العدائية ضد كل قطر إسلامي، فذات المنبر شهد هجوماً ضاغطاً على المجلس العسكري والحكومة المصرية المؤقتة، ومنه أيضاً إنطلقت العديد من الهجمات على سوريا وغيرها من الدول، دون أن تحرك الحكومة القطرية ساكناً، بل أنها قبل هذا المنبر كانت قد أتاحت منبراً أكبر تمثّل في قناة الجزيرة التي إتخذها القرضاوي مطية لمهاجمة الدول العربية والإسلامية عبر برنامج الشريعة والحياة الذي دعا فيه القرضاوي في غير مرة، إلى الخروج عن طاعة الحكام، وحرّض الكثيرين على ممارسة الإرهاب والقتل والتفجيرات، وتصدى فيه لكافة خصومه من العلماء الذين استنكروا دعواته المستمرة بما ينافي روح العقيدة، ويسهم في تشويه الدين الإسلامي الحنيف.

الصمت الرسمي القطري على إفتراءات القرضاوي على الإمارات يزيد علامات الاستفهام المتراكمة حول دوافع الحكومة القطرية ونواياها تجاه جيرانها وامتها، وأيضاً يضع مزيداً من التساؤلات حول صبيانية سياساتها التي تتوهم إمكانية ان تجعل من الدولة الصغيرة المساحة قوة عظمى أرادت بمالها لا بعقلانيتها أن تقود ما أسمته بحركة "التغيير" في المنطقة. انه التغيير الهادف لإلغاء الأوطان الحالية، وتعبيد الطريق بدماء الشعوب، لإقامة دولة الخلافة الإخوانية التي لم تتحقق منذ أن أنشأ الإرهابي حسن البنا هذا السرطان التخريبي الخبيث من رحم الاستخبارات البريطانية، وأرضعته الاستخبارات الأمريكية ونشأ وترعرع في كنف مختلف بيوتات التجسس الأوروبية التي استهدفت عقيدة وثروات المنطقة.

ساهم القرضاوي بمعاونة الحكومة القطرية في معظم نكبات المنطقة بعدما خدع البسطاء، وغرر بالكثيرين الذين راحت أرواحهم سدى في سبيل دعوة لم يتبينوا السّم الذي تمكّن من دسّه بمهارة فائقة بين كلماتها التي حرص على تزيينها ببعض العبارات القرآنية التي تعمّد الاستشهاد بها في غير مواضعها، قبل أن يتم افتضاح امره، ليعلن بعدها أنه تخلّى عن التنظيم الإخواني.

غير أن أكذوبة الربيع العربي كشفت أكاذبيه بعدما أخذته العزّة باثم النصر الزائف الذي جعله ينتقل إلى ميادين مصر لمناصرة الإخوان، ويقف معهم بصلابة بعدما لفظتهم الشعوب، ليعلن بكل بجاحة عن صلاح المعزول مرسي، وتصويره ضحية للمخططات الصهيونية، ناسياً أن الأخير كان من أخلص خادميها بشهادة المعابر التي كشفت علاقة الإخوان بإسرائيل، ومحاربته للشعب المصري في سيناء بالوكالة عن الصهاينة. وها هو يرغي ويزبد من جديد بعدما تخطّت الإمارات آخر الحواجز الإخوانية بإنتهاء محاكمات الخلايا التي أرادت شراً بالدولة وشعبها وقادتها، وحاولت أن تقودها إلى التخلّف والهلاك.

هل تضحي الحكومة القطرية بعلاقاتها مع الشعب الإماراتي من أجل القرضاوي وزمرة الإخوان الذين لازالت تتوهم مقدرتهم على تحقيق حلمها بوهم الزعامة، أم أنها ستحترم العلاقات الأزلية بين الشعبين الإماراتي والقطري وتتخذ خطوات حاسمة تبدأ بتوقيف ومحاكمة القرضاوي هذا العبث الأهوج الذي لا يورثها غير كراهية الشعوب، وتقدم اعتذاراً صريحاً للشعب الإماراتي؟