القراءة الإيرانية للانتخابات الرئاسية اللبنانية

شكّلت الانتخابات الرئاسية اللبنانية محطات فارقة في تاريخه السياسي المعاصر، وباتت في كل مفصل منها صورة لأزمة وطنية تطورت وتعددت اشكال تداعياتها الداخلية والخارجية. وغريب المفارقات في ذلك سرعة التأثر والتفاعل بين مكونات الواقع اللبناني واستثمارات الواقع الاقليمي الذي يحيط به؛ورغم تلك المفارقة التي لم تعد سابقة فإن خصوصياتها الحالية تعطيها دفعا آخر يُعبر عن متغيرات في الواقع الاقليمي للبنان وبخاصة بعد الخروج السوري منه. وأبرز صورة لذلك انتقال التأثير المباشر في الانتخابات الرئاسية من سوريا في الماضي القريب الى شراكة ايرانية اساسية في هذا المجال.
فبعد الدور المصري في فترة ما قبل السبعينيات، اعطيت سوريا دورا مركزيا اقليميا تُرجم بشكل مباشر في لبنان، ونتيجة للعديد من الاسباب تمكنت ايران من الدخول المباشر في الحياة السياسية اللبنانية لتبدو في هذه الاثناء اكثر فاعلية من اي دور اقليمي آخر لجهة التأثير في قرارات مفصلية فيه ومنها الإنتخابات الرئاسية، فكيف تقرأ طهران الواقع السياسي اللبناني والاقليمي؟ وكيف يمكن ترجمته سياسيا في اوراق ايرانية متنوعة ومتعددة الاتجاهات والابعاد؟
تنطلق القراءة الايرانية للواقع اللبناني من خلفيات اقليمية ودولية قابلة للاستثمار على قاعدة حاجة طهران لأوراق تفاوضية في ملف البرنامج النووي، وهي تعتبر اولا وأخيرا ان امتدادات السياسات الخارجية لأية دولة اقليمية عظمى يعني قدرتها على امتلاك ادوات وأذرع فاعلة وقابلة للحياة ومن هنا يفسر الاهتمام الايراني المتعاظم بالشأن اللبناني وأبرز تجلياته ومظاهره عمليات احلال النفوذ الايراني مكان السوري، وما يعزز هذا الاتجاه مقاربة طهران للاوضاع السائدة اقليميا واعتقادها بالقدرة على استثمارها في الواقع السياسي اللبناني.
فطهران تنظر الى الوضع في لبنان انطلاقاً من المشهد السياسي الإقليمي وتعتبر ان الاميركيين يتراجعون في كل المنطقة ويسعون الى الحؤول دون خسائر جديدة لهم في لبنان، فالمؤتمر الدولي الذي ستدعو اليه الادارة الاميركية بهدف تحريك عملية السلام على المسار الفلسطيني سيفشل نظراً الى مقدماته، فضلاً عن أنه يتجاهل سوريا ولبنان، فواشنطن، بدلاً من أن تسعى الى الحصول على تنازلات من اسرائيل لمصلحة الفلسطينيين تضغط على الرئيس الفلسطيني ليقدم التنازلات. كما ان السياسة الأميركية في العراق لا تحتاج الى كثير عناء لاكتشاف فشلها في السيطرة على الوضع الأمني هناك وسط الحديث عن حاجتها الى التعاون مع الأطراف الإقليمية الأخرى بهدف معالجة وضع العراق، واضطرار واشنطن الى الحوار مع دول الجوار وتطبيق توصيات تقرير بيكر – هاملتون. كما ان السياسة الأميركية الضاغطة على سوريا لم تفعل فعلها وواشنطن مضطرة للعودة الى صِيغ التعاون والحوار مع سوريا في الإطارين العراقي والإقليمي. كما ان سياسة التلويح بالحرب والعقوبات عبر مجلس الأمن تجاه ايران تراجعت بقوة، خصوصاً حين عجزت أميركا وفرنسا عن حشد الموقف الأوروبي، خلال الاجتماع الاخير لدول الاتحاد الاوروبي لفرض عقوبات اضافية على ايران، بعدما كانت فرنسا تصدرت السعي الى عقوبات جديدة. ما شكل فشلاً للسياستين الفرنسية والأميركية بنظر طهران عززته عودة وكالة الطاقة الدولية الى الإمساك بالملف النووي الإيراني، ما يعني سحب هذا الملف من مجلس الأمن الذي من المرجح ألا يعود اليه نهائياً، مع الانطلاقة الجديدة للتعاون بين طهران ووكالة الطاقة الدولية. اصافة الى ذلك ان قمة دول آسيا الوسطى المحيطة ببحر قزوين، شكلت حدثاً مهماً كرّس التعاون بين هذه الدول، ومنها ايران، على معالجة شؤون المنطقة خصوصاً امدادات النفط والأنابيب نظراً الى حاجة هذه الدول الى مرور الإمدادات الى الخليج، ما أدى الى تكريس اتفاقات ذات أهمية استراتيجية تضع مصالح هذه الدول فوق مصلحة بعضها مع الولايات المتحدة الأميركية.
وفي ظل استمرار الخلاف على مشروع الدرع الصاروخية الأميركي، حققت زيارة الرئيس الروسي الى طهران تعاوناً روسياً- ايرانياً لم يسبق ان حصل يشمل الملف النووي، في سياق الإصرار الروسي على استعادة موسكو دورها على الساحة الدولية والذي باتت واشنطن ترى فيه عودة الى الحرب الباردة. وما يؤكد ذلك ما قاله مرشد الثورة الاسلامية السيد علي خامنئي أثناء استقباله بوتين عن رغبته بتعاون بين روسيا قوية وإيران قوية، ما يعني قيام ثقل دولي في وجه واشنطن في إطار هذا التعاون. كما ترى طهران ان خسائر واشنطن تتعاظم في آسيا. فهي على وشك خسارة أفغانستان وربما باكستان بفعل سياساتها التي أدت الى تنامي دور الاسلاميين المتطرفين، كما ان أخطاء السياسة الاميركية في المنطقة تتكاثر وآخرها استفزاز تركيا عبر قرار الكونغرس تحميل أنقرة مسؤولية المجازر ضد الأرمن، ما سبَّب مشكلة بينها وبين واشنطن، وما يزيد الطين بلة ما يجري حاليا في شمال العراق.
ان قراءة طهران لهذا الواقع الاقليمي يعني اعتبارها ان واشنطن في عين العاصفة الشرق اوسطية القادمة، وهي اي واشنطن مضطرة لايجاد بيئة توافقية على انتخابات الرئاسة اللبنانية من منطلق ان لبنان بات الساحة الوحيدة التي لا زالت تعتبرها مصدر دفع لسياسات واشنطن في المنطقة، وعليه تعتبر طهران ان ليس من مصلحة واشنطن الفراغ الرئاسي في لبنان الأمر الذ ي يعطي طهران مساحة مقبولة للتحرك في اتجاه ايجاد صبغة توافقية حول اسم الرئيس العتيد الذي تأتمنه كل من ايران وسوريا.
واذا كانت هذه الرؤية تعتبر واقعية الى حد ما، ثمة مؤشرات واضحة على خلاف ذلك، مفادها ان حسابات الربح والخسارة في ملف الانتخابات الرئاسية اللبنانية تعتبر ضربا في المجهول، وعند ذلك ربما تلعب جميع الاطراف لعبة اخرى وهي الفراغ باعتبارها تنتج خسارة لجميع الاطراف، الا ان الفرق يكمن في حجم الخسارة لكل طرف ومدى استثماراته لاحقا في فرض الحل المناسب له. وهنا يمكن التمييز تحديدا بين الموقفين السوري والايراني في هذا المجال، وفي هذه الحالة تبدو طهران متوافقة الى حد كبير مع الرؤية الواقعية للعبة القادرة على انتاج بيئات قابلة للاستثمار السياسي في غير مجال وعليه ان الفراغ لا يناسب طهران في هذه المرحلة، فيما الموقف السوري يرغب في انتاج صيغة رئاسية مستنسخة لما قبل وبعد اتفاق الطائف.
ان مصلحة ايران تقتضي القدرة على التحكم والاستثمار في الواقع اللبناني وبخاصة في هذه المرحلة الدقيقة بالنسبة لها، فسياسة قلب الطاولة، او لعبة حافة الهاوية يصعب التحرك فيها، ومن هنا تُفسر المواقف الايرانية البرغماتية من جميع الملفات الداخلية اللبنانية وعدم لجوئها الى مواقف ذات توجهات حاسمة، ذلك ما يظهر بشكل مباشر على سلوك المعارضة في لبنان وعدم لجوئها في كثير من المحطات الداخلية للحسم رغم قدرتها على ذلك.
ان الاستحقاق الرئاسي اللبناني بات داهما على جميع اللاعبين فيه وباتت الخيارات تضيق بأصحابها شيئا فشيئا، وفي تلك الأحوال يصعب على اي طرف التكيف بمسارات مواقفه ويصبح اسير رد الفعل لا الفعل وهنا تكمن خطورة هذا الواقع على لبنان تحديدا، ففي العام 1988 ام تتفق دمشق وواشنطن على الرئاسة اللبنانية ما ادى الى حكومتين متنافستين وفراغ رئاسي دفع لبنان ثمنه غاليا، ولم تنتج تلك الفترة سوى تسوية "اتفاق الطائف" فعلى أية اسس سترتكز المرحلة القادمة؟
ان قدر لبنان كما بات معروفا ان يعيش على التسويات الاقليمية والدولية سلما اهليا باردا يستمر في احسن احواله عقدا ونيفا من الزمن، فهل انتهى مفعول اتفاق الطائف والبحث جار الآن عن صِيغ اخرى للبنان والمنطقة؟ ربما اسئلة مشروعة تحتاج الى اجابات محددة وسريعة قبل فوات الأوان.
وفي مطلق الأحوال ان ظروف الدول الفاعلة في الشأن اللبناني هي صعبة ودقيقة الأمر الذي ينتج مواقف متشددة في مفاوضاتها واستثماراتها، واذا كانت الاطراف اللبنانية سابقا تمكنت من قطف او استثمار اي مشروع حل لها في البيئة السياسية الداخلية، فإنها الآن غير قادرة على ذلك وفي احسن احوالها ستكون وقودا لصراعات اقليمية ودولية تطل برأسها على مجمل المنطقة، وبالتالي ان اللاعبين اللبنانيين هم الأضعف بين جميع الفرقاء ان لم نقل "عدة شغل" لانتاج تسويات داخلية تعكس واقع اقليمي ودولي مستجد، فهل يعي اللبنانيون ذلك، ان التوكيد في تاريخ لبنان الحديث كما المعاصر يثبت ان قرار اللبنانيين لم يكن يوما في ايديهم، والخوف اليوم ان يكون البحث جار عن صيغة للبنان تنهي صورته الحالية.
ان ظروف المنطقة بجميع دولها وشعوبها تمر بظروف حرجة جدا، من افغانستان الى العراق مرورا بايران ولبنان وسوريا فلسطين وصولا الى السودان، منطقة تعج بالبراكين القابلة للانفجار في اية لحظة فهل تعي الدول المؤثرة في انتخابات الرئاسة اللبنانية ومن يمثلها في لبنان بذلك ام انها تعي والجميع يبحث عن الاوراق التي تحفظ مصالحه؟ على الارجح ان الجميع يعرف ذلك، لكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة اللدراسات في مجلس النواب اللبناني