القرآن لم يأتِ ليلزم الناس بخصوصيات الزمن الذي نزل فيه

صابر مولاي أحمد: إعادة ترتيب العلاقة بيننا وبين ماضينا وتاريخنا وبالأخص تراثنا؛ تبعاً لمتطلبات العصر؛ تبدأ بإعادة النظر في العلاقة بيننا وبين كتاب القرآن.


المفكرون العرب وغيرهم تباينت مناهجهم وآلياتهم في التعاطي مع قراءة الموروث الثقافي الإسلامي إلى درجة التعارض


القرآن الكريم سابقٌ في التشكل على التراث الذي تشكّل فيما بعد إلى جانبه

رأى المفكر المغربي المختص في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر د. صابر مولاي أحمد، أنّ إعادة ترتيب العلاقة بيننا وبين ماضينا وتاريخنا وبالأخص تراثنا؛ تبعاً لمتطلبات العصر؛ تبدأ بإعادة النظر في العلاقة بيننا وبين كتاب القرآن، الكتاب الذي لولاه لما تأسس ما نسميه اليوم الثقافة والحضارة الإسلامية؛ وهذه العلاقة لا ينبغي اختزالها في الوعظ والإرشاد، كما يفعل الكثير، بقدر ما ينبغي أن تكون علاقة تتسم بالبحث والمعرفة والنظر والنقد والسؤال؛ بتوظيف مختلف مناهج المعرفة الحديثة تبعاً لما يقتضيه الواقع الموضوعي الذي نحياه اليوم؛ كما أنها علاقة لا تنحصر في أحرفه وسوره؛ بل ينبغي لها أن تتصل بالنظر إلى الكون والكائنات والإنسان والوجود.
وأكد صابر مولاي في كتابه "الوحي.. دراسة تحليلية للمفردة القرآنية" الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود أن من العبث بمكان أن يهجر الكثير من الناس واقعهم؛ ويحيوا حياة الأموات، فهم في حلم دائم بواقع آخر قد ولّى وانتهى منذ مئات السنين؛ إنه واقع نزول الوحي حيث الرسول والصحابة الكرام؛ هذا هو حال الكثير من المتدينين المسلمين اليوم وحتى غير المتدينين؛ والغريب أن القرآن لم يأتِ ليلزم الناس بخصوصيات الزمن الذي نزل فيه؛ كما يتصور البعض بوعي أو من دون وعي بقدر ما جاء ليدفع الناس ليعيشوا حاضر زمنهم. قال تعالى: "تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ" البَقَرَة: 141. كتاب القرآن، إذاً؛ ينبغي النظر إليه بناء على كونه كتاب حياة ينبغي أن يُقرأ بعقل اليوم بدل عقل الماضي، فــ "من لم يحيه القرآن فهو إلى الأبد ميت".
ولفت إلى أنّ المفكرين العرب وغيرهم قد تباينت مناهجهم وآلياتهم في التعاطي مع قراءة الموروث الثقافي الإسلامي إلى درجة التعارض بين وجهات نظرهم ومقارباتهم العلمية التي تحولت إلى مشاريع فكرية كبيرة عند بعضٍ منهم، وهذا يرجع إلى طبيعة الموقف المنهجي الذي اتّخذه كلّ مشروع من التراث تبعاً للسؤال المركب: أَننفصل عن التراث أم نتصل به أم نسلك الأمرين معاً؟ وما القضايا التراثية التي يمكن أن نستعيدها في الوقت الحاضر؟ وما هي القضايا التراثية التي ينبغي أن نقطع معها؟ فالإجابة بالفصل أو بالوصل يلزمها سؤال كيفية ذلك الوصل أو الفصل.

القراءة ليست شيئاً آخر دون التفكير النقدي والتحليلي المصحوب بالملاحظة والنظر في تتبع الظواهر المتصلة بحياة الإنسان والطبيعة والأشياء

ورأى صابر مولاي أن هذا الإشكال المعقّد جعل المفكرين العرب مختلفين أحياناً من داخل التراث نفسه، فما يراه البعض صالحاً في التراث ينفيه البعض الآخر، والمنهج الذي يرى البعض نجاعته في فهم التراث وقراءته يرى فيه البعض غير ذلك، وهذا الأمر كان من بين الأسباب والدوافع في تشكّل مشاريع فكرية بهدف نقض التي سبقتها. هناك شيء واحد يمكن أن ندعيه، كون مشاريع الفكر العربي الإسلامي المعاصر تتفق حوله بشكل عام، هو ضرورة العمل على تفكيك وتحليل ونقد موروثنا الثقافي. ونحن هنا لا نستحضر القراءات التراثية التي تكرّر التراث نفسه بشكل جامد بدعوى قراءته وفهمه والتذرع بالعمل على تجديده.
وقال حاول مجموعة من المثقفين ذوي النزعة الماركسية توظيف آليات الفكر الماركسي في قراءة الموروث الثقافي الإسلامي، ومن بين هؤلاء نجد المفكر اللبناني حسين مروة (1910-1987)، ومن أهم كتبه "تراثنا كيف نعرفه"، وكتاب "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"، وهو يطمح، من خلال هذا الكتاب، إلى أن يكون أول مشروع متكامل لقراءة التراث بوصفه في إطاره الكلي من أجل هدف نضالي وعملي معلن هو دفع التوجهات الثورية إلى محتوى حركة التحرر العربي في لحظتها تلك. إنه وهو يفكك التراث، سعى جاهداً ليجلب كلّ ما هو ثوري منه؛ وليصف ما يتماشى مع طرحه الإيديولوجي بوصف الثورية. 
وليخلص إلى أنّ النزعة المادية متأصلة في التراث؛ متمثّلة في ما هو علمي وعقلاني، ومن الراجح أنه وهو يقوم بقراءته للتراث، يرى في الفكر الماركسي النموذج التركيبي البديل. وقد انتقد محمد عابد الجابري هذه القراءة، ووصفها بالقراءة السلفية الماركسية، باعتمادها مقياس الصراع الطبقي في فهمها للتراث، وعمل على تجاوزها من خلال كلّ ما كتب. 
والشيء نفسه يصدق على القراءة ذات النزعة الليبرالية التي تنظر إلى التراث من خلال الحاضر الأوروبي. كان همّ الجابري التقرير في سؤال كيف يمكن أن نقرأ التراث قراءةً يحضر فيها الفصل والوصل معاً؟ الفصل بقراءة التراث من خلال محيطه الخاص الذي ظهر وتبلور فيه، والوصل بأن نجعل المقروء من التراث معاصراً لنا على صعيد الفهم والمعقولية، بنقل المقروء إلى مجال اهتمام القارئ بقصد توظيفه في إغناء ذاته وبنائها. 
لقد حاول الجابري، من خلال ثلاثية نقد العقل العربي، أن يقدم قراءة علمية للتراث تجعل منه تراثاً مساهماً في بناء ذات الإنسان العربي بشكل خاص، والمسلم بشكل عام، ومن بين ما خلص إليه في قراءته النقدية للعقل العربي كونه يتشكّل من ثلاثة نظم معرفية؛ أولها: النظام المعرفي المرتبط بالبيان المتشكّل في علاقته بعلوم اللغة وعلم الأصول. وثانيها: النظام المعرفي المرتبط بالعرفان المتشكل في علاقته بعلوم التصوف وكل ما تحكمه النزعة الباطنية. وثالثها: النظام المعرفي المرتبط بالبرهان المتشكل في علاقته بعلوم الفلسفة وكلّ العلوم العقلية التي تأخذ بالبرهان. ما هو عقلاني في التراث ويتّصف بالإبداع والبرهان، في نظر الجابري، سيكون غيرَ ذلك عند البعض من ناقديه من ذوي المشاريع الفكرية الأخرى.
وأشار صابر مولاي إلى أن طه عبدالرحمن ادعى كونه عمل جاهداً لينقذ التراث من القراءة التجزيئية، ومن القراءة التي اقتصرت على نقد مضامين التراث دون العناية بالوسائل والآليات التي تم التوسل من خلالها في توليد وبناء تلك المضامين، فالبديل في نظره يكمن في القراءة التكاملية للتراث والخروج من الفهم التجزيئي في التعاطي معه. 
أيضا نستحضر هنا الجهد الذي بذله محمد أركون في تفكيك تاريخ الفكر الإسلامي - بدل العقل العربي - فمن بين ما سلط الضوء عليه دعوته إلى الحفر المعرفي عن الظروف التاريخية والسياسية التي كانت وراء التقعيد المنهجي للفكر الإسلامي منذ أن وضعه الشافعي في فهم النص القرآني، مذكراً، في سياقات عدة، بأنّ ما قام به الشافعي من دور منهجي تحوّل من بعده إلى طوق حديدي لا يسمح بالفكر الحر. وقد دعا أركون، في أكثر من موضع، إلى القراءة المنهجية التزامنية للقرآن بقراءة النص وفقاً للمعجم اللغوي في الزمن الذي ظهر فيه. بدل قراءته من خلال المعجم اللغوي للزمن الذي نحن فيه، مبيناً دور اللسانيات في هذا الأمر، فعملية التفكيك والتحليل والنقد حاضرة بقوة في مشروع محمد أركون.
واعتبر صابر مولاي أن التراث قد تشكّل إلى جانب النص المنزل "الوحي"، وقال "لولا نص القرآن لما تحدّثنا عن شيء اسمه الحضارة الإسلامية أو التراث الإسلامي؛ بمعنى أنّ نص القرآن الكريم سابقٌ في التشكل على التراث الذي تشكّل فيما بعد إلى جانبه وهذا أمر بديهي؛ فمن التعسف بمكان أن نعدّ القرآن جزءاً من التراث الذي تشكّل إلى جانبه؛ كما أنّ من التعسف بمكان أن نعتمد ما تشكل إلى جانب نص القرآن من علوم القرآن وعلوم أصول الفقه وعلوم الحديث وغير ذلك على أنه هو المسلك والمدخل الوحيد إلى فهم القرآن؛ وإن سلّمنا بأنّ القرآن جزء من التراث فبأيّ معنى نفهم ذلك؟". 

Islamic Thought
تفكيك وتحليل ونقد 

وأضاف "بعد عملية التفكيك والتحليل والنقد، التي لا بد منها لما تشكل حول النص "التراث"، لا يتبقى بعدها إلا النص المؤسس "القرآن" الذي ينبغي أن ندخل إليه وننسج معه علاقة تليق بالزمن الذي نحن فيه؛ حينها لا ينفعنا سؤال التفكيك بقدر ما نكون في حاجة ماسة إلى سؤال التركيب؛ وسؤال التركيب هذا ينطوي على بذل الجهد في الإحاطة بالأبعاد الكلية للموضوعات التي قال بها القرآن، وهذا يتطلّب بسط مناهج تنسجم مع الزمن الذي نحن فيه في الفهم والقراءة. وحتى إن توسلنا إلى القرآن من خلال تفكيك وتحليل ونقد بنيته النصية الداخلية، ولا مانع من ذلك، فينبغي أن يكون ذلك مسلكاً لتجلي القراءة التركيبية في نظرة القرآن إلى الإنسان والوجود والكون... إذ من الضروري اليوم أن نطرح سؤال التركيب ونحن نمارس سؤال التفكيك وإلا فما هي الفائدة من التفكيك؟ ألا نفكّك ونحلل وننتقد لنبني ونركب ونقوِّم ولا نشك في أن القراءة التركيبية هي الوسيلة المعول عليها في فهم القرآن كما يتحدث عن نفسه.
الكتاب جاء في ستة فصول، اقترب الأول "مفهوم الوحي عند المتقدمين" من طبيعة مفهوم الوحي عند العرب قبل الإسلام؛ وكيف تحوّل هذا المفهوم من حيث مضمونه "القرآن" إلى موضوع للمنازعة؛ وقد اقتربنا من التحولات التي طرأت على هذا المفهوم ولحقت به؛ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جاء الثاني "الوحي وعلوم القرآن" ليقرب القارئ من علاقة موضوع الوحي "القرآن" بعلوم القرآن. أما الفصل الثالث "مفهوم الوحي من خلال البنائية القرآنية" فخصص لبيان وتتبع المفهوم الذي يعطيه القرآن للوحي في علاقته بالله وبالطبيعة والإنسان والمعرفة. وخصص الرابع "الوحي والثقافة" ليقرب القارئ من جدل الوحي والثقافة. وقدم الخامس "الوصل والفصل بين الثقافة والوحي" نماذج لطبيعة الفصل والوصل بين الوحي والثقافة. وخصص السادس "الوحي والرسول" للاقتراب من نصوص الوحي "القرآن"، ولاسيما التي تحدثت عن علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بموضوع الوحي.
هكذا سعى صابر مولاي إلى المساهمة "في تحرير فهم القرآن من الأغلال والأقفال التي تحُول بين الإنسان والتفكير النقدي؛ تذرّعاً بوهم الثبات والحفاظ على آراء وأقوال المتقدمين والإعلاء من قيمة فهمهم وتصوراتهم إلى مقام السادات والكبراء. قال تعالى "وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونا السَّبِيلا". وهو دعوة، في الوقت ذاته، إلى التفكير والتفكّر في القرآن من خلال القرآن نفسه عبر توظيف آليات ومناهج المعرفة الحديثة في عملية التفكير والتفكر. قال تعالى "قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا".
وخلص إلى أن قيمة التفكير والتفكر تبدأ بفعل القراءة، وهو الفعل الذي تفرّد الإنسان به عن غيره من الخلق؛ ولهذا من البديهي أن يرفع القرآن شعار "اقْرَأْ". قال تعالى "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" في مقابل شعار "بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا". قال تعالى "قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ". والقراءة هنا ليست شيئاً آخر دون التفكير النقدي والتحليلي المصحوب بالملاحظة والنظر في تتبع الظواهر المتصلة بحياة الإنسان والطبيعة والأشياء. إنّها قراءة في مجال وعالم الخلق اللامتناهي الأطراف؛ فمفردة "الخلق" مفردة تشمل كلّ الكائنات والموجودات. وبفعل السير في الأرض المصحوب بالنظر والقراءة، سنقترب من القوانين والسنن التي ينبني عليها الوجود. 
قال تعالى "قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ". فالمسألة هنا بالدرجة الأولى هي مسألة علم ومعرفة، فالإنسان هو الذي يحدّد العائد المعرفي بعد القراءة والنظر؛ تبعاً للأرضية المعرفية التي تضلّل كلّ زمن.