القدس في القانون الدولي

ربما ما هو أخطر من وعد بلفور، كان وعد الإدارة الأميركية في العام 1995 بنقل سفارتها إلى القدس المحتلة، والذي لم يجرؤ أي رئيس أميركي على تنفيذه، حيث جرى تأجيله كل ستة أشهر، إلى أن تجرأ الرئيس الحالي دونالد ترامب ووضع نقل السفارة موضع التنفيذ كخطوة فعلية وعملية للاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل. وفي الواقع يعتبر هذا القرار مخالف للقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، التي صدرت تباعا منذ العام 1947 والتي أكدت بشكل واضح ولا لبس فيه على الوضع الخاص للقدس.

فقد نص قرار التقسيم 181/1947 على اعتبار القدس "كيانا منفصلا" يخضع لنظام دولي تديره الأمم المتحدة عن طريق مجلس الوصاية. وكلف مجلس الوصاية بإدارة المدينة نيابة عن الأمم المتحدة، ويشار هنا إلى أن قبول إسرائيل كعضو في الأمم المتحدة كان رهن بقبولها قرار التقسيم وهو استثناء وسابقة قانونية دولية احتفظت بها إسرائيل وحيدة حتى الآن. والذي تأكد في قرار الجمعية العامة رقم 273/1949.

وبعد إعلان بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين،قامت الميليشيات اليهودية باحتلال الجزء الأكبر من القدس وخاصة الجزء الغربي منها. ولم تعترف أي دولة في هذا الاحتلال والضم ولم تفتح أي دولة سفارة لها في القدس بما في ذلك الولايات المتحدة، وظل الوضع القانوني للقدس ككيان منفصل ولم يتم إلغاء القرار، كما أقر اتفاق الهدنة بين الأردن وإسرائيل في 3/4/1949 بالأمر الواقع، كما كان لدى توقيع الاتفاق دون أن الإقرار بأي سيادة أو شرعية على الأماكن المشمولة باتفاقية الهدنة.

وبعد حرب 1967 أعلنت إسرائيل رسميا عن توحيد القدس، وأقرت المحكمة العليا الإسرائيلية أن صدور قرار الضم قد حوَّل القدس الموحدة جزءا لا يتجزأ من إسرائيل ذلك في مخالفة صريحة وواضحة للقرار 242/1967. فكان رد فعل الأمم المتحدة اعتماد الجمعية القرار 2253/1967 الذي أكد على عدم شرعية أنشطة إسرائيل في المدينة وطالب بإلغائها ولحق به القرار 2254 الذي أدان إسرائيل لعدم التزامها بالقرار السابق وبخاصة التي تعمل على تغيير معالم المدينة. أما مجلس الأمن فقد أصدر مجموعة من القرارات 250 و252 و267. والقرار 271/1969 بعد حرق المسجد الأقصى الذي طالب بحماية الحرم الشريف ووقف كافة الأنشطة التي تعمل على تغيير معالم المدينة. أما القرار 298/1971 الذي أكد أن كافة الإجراءات الإدارية والتشريعية التي قامت بها إسرائيل في المدينة مثل التحويلات العقارية ومصادرة الأراضي غير شرعية، كما دعا القرار إلى وقف كافة الأنشطة والإجراءات التي تحاول تغيير التركيبة السكانية للمدينة من خلال بناء المستوطنات.

وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد سارعت إسرائيل إلى ضم المدينة رسميا في العام 1980، إلا أن مجلس الأمن اعتمد مجموعة من القرارات رفض فيها الضم من بينها القرار 476/1980 الذي أكد مجددا أن "جميع الإجراءات والأعمال التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل والرامية إلى تغيير معالم المدينة ليس لها أي سند قانوني وتشكل خرقا فاضحا لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين". كما اعتمد المجلس القرار 478/1980 الذي شجب سن القانون الأساسي الإسرائيلي الذي أعلن ضم القدس الموحدة إلى إسرائيل واعتبره انتهاكا للقانون الدولي، وطالب من جميع الدول عدم الاعتراف به وطلب من الدول التي لديها سفارات في القدس نقلها خارج المدينة. واستجابت كوستا ريكا لهذا القرار ونقلت السفارة الوحيدة التي كانت في القدس إلى تل أبيب.

وفي 9/7/2004 صوّت 14 قاضيا من 15 (القاضي الأميركي الوحيد، توماس بورغنتال الخارج عن الاجماع) لصالح الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول "لا شرعية" بناء الجدار الفاصل والذي تطرق إلى ما هو أبعد من الجدار، بحيث أقر أن بناء الجدار الذي يقطع الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية ويضم القدس الشرقية غير شرعي حسب القانون الدولي. وجاء في الرأي الاستشاري "إن إسرائيل ملزمة بإنهاء انتهاكاتها للقانون الدولي وملزمة بالوقف الفوري لأعمال بناء الجدار الذي يجري بناؤه داخل الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك داخل القدس الشرقية وحولها، وملزمة بتفكيك هذا البناء أينما وجد وعلى الفور". وأضاف الرأي الاستشاري أن "الأرض التي استولت عليها إسرائيل خلال حرب العام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية هي أراض محتلة".

أما منظمة اليونسكو والتي كانت أول منظمة دولية تقبل عضوية فلسطين كدولة كاملة العضوية بتاريخ 31/10/2011. تناولت قضية القدس بشيء من التفصيل في قرارها بتاريخ 13/10/2016 الذي نص بشكل واضح لا لبس فيه، أن الحرم الشريف مقدسات إسلامية فقط، أما القدس كمدينة ففيها مقدسات للديانات الثلاث. كما أحتوى القرار كثيرا من التفاصيل أبعد بكثير من اعتبار الحرم الشريف والحائط الغربي للمسجد الأقصى مقدسات إسلامية، ويتجاوز الحديث عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي على غزة وتهديد التراث ورفض إسرائيل التعاون مع اليونسكو وتنفيذ توصياتها. كما كشف القرار زيف الرواية الصهيونية التي حاولت فرضها على المجتمع الدولي حول ما يدعى جبل الهيكل وحائط المبكى وهو مصطلح لم يرد في أي قرار من قرارات الأمم المتحدة لا تصريحا ولا تلميحا. كما صوتت اليونسكو في 2/5/2017 على قرار آخر اعتبر إسرائيل دولة محتلة للقدس ورفض سيادة الأخيرة عليها. وجرى اعتماد القرار بأغلبية 22 صوتا، ومعارضة عشرة أصوات.

إن الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل هو تجاوز لكل هذه القرارات الدولية التي فصلتها وأوضحتها مبادئ القانون الدولي الذي تتغنى بها الإدارات الأميركية المتعاقية، ما يعني أن واشنطن قد اتخذت قرارها بنسف عملية السلام التي رعتها منذ مؤتمر مدريد وما تلاه من جولات والتي كانت تترك قضية القدس لمفاوضات الحل النهائي، فهل اعتبرت واشنطن، أن نهاية المفاوضات قد حلت؟ سؤال كبير ينبغي الإجابة عليه قبل فوات الأوان وكما هو معتاد!